الرئيسية / العدد الثامن / في الحب والغياب

في الحب والغياب

إبراهيم

إبراهيم جعفر :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

مدخل:

أن تنتقل القصاصات من دفاترنا السرية إلى العامة ، يعني أمرا واحدا… (نسيتك.!)

“من الأرشيف”

1 (“راء” الجنون)

 

           فيما مضى ، عندما كنت أذهب إلى كورنيش النيل ، لألتقيك.. دائما ما شد انتباهي مجنون شحاذ ، كثير الضحك ، يطلب من الناس أن يساعدوه. كان ما إن يرانا حتى يهب مسرعا إليك ، لتعطينه بعضا من المال مقابل أن يبتهل لله أن يكلل حبنا بالديمومة… قلت لي بأنه كان شابا متفوقا يدرس في كلية الاقتصاد ، في عامه الأخير ، وعندما أخبره أصدقاءه بوفاة محبوبته ظن أنها دعابة إبريل.. فضحك معتقداً أنها تراقبه من مكان قصي ، وأنها ستأتي إليه بعد لحظة تعاتبه على ضحكته ويعاتبها على مزحتها ، لكن اللحظة مرت دون أن تنتهي ، والمزحة دامت إلى الأبد.!

 

 أما اليوم عندما تأخرت أنت ولم أجد ما أفعله ، ذهبت إلى المجنون وسألته من باب الفضول: (ما المضحك؟)

 

-أجاب وهو ينظر نحوي كأني الفراغ المطلق ، كأني الشامة أعلى حاجبيك: (المضحك هو المبكي ، الليل عينه النهار ، الشمس كالأقمار!)

 

-أومأت له برأسي مستفسرا ، فقال وقد أشاح نظره: (أقصد أنني أضحك على لا شيء ، عليك وعلي وعليها وعليهن ، أليس هذا يتطلب الضحك!) وضحك ،

 

-قلت: (كل هذه الفرقعات على لا شيء!؟)

 

-فطأطأ رأسه بخيبة وإحباط، حرر عنان صرخة أرهقت مضجع النيل، وبحلق في وقال: (حسنا ، إن الأمر معقد قليلا ، وشائك.. فالإنسان عند الخسارات الكبرى – بطبيعته – سيجلس القرفصاء ويبكي ، أنا يجوز لي فعل ذلك ، وربما تجدني انتحب ليال بطولها. لكن ما الفائدة! ألا تؤمن أن الضحك معبر أكثر عما يجيش في الدواخل!)

 

-: (أوووه!)، صدر الصوت مني كأني أوافق.. وسرت نسمة في المكان،

 

-قال الشحاذ دون أن يعبأ: (…لكنه كان حري بك أن تسألني لماذا ؟! لماذا ما إن نحبهم ونهيم في البيداء ، ونحفظ من أجل عيونهم الأشعار ، ونغني ونرقص.. لماذا ما إن نوقن بأن لا شيء سيفرقنا، ونظن الخلود ، وأننا الملائكة… حتى يأتي المعشوق ، فجأة ، ملوحا بكلتي يديه قائلا وداعا ، يمضي بكل بساطة ، هكذا إلى ما غير رجعة ، مختلقا للأعذار!؟) ونظر المجنون ناحيتي ليستحث إجابة تطمئن قلبه ، لكنه همس: (على فكرة ، هي لم تختلق لي أي عذر ، وعندما رحلت لم تقل -كما في الروايات- بأننا ربما نصير صديقين مقربين.. لم تثرثر عن أن الصداقة كنز أقوى من الحب ، لتتيح لي نسيانها بالتدريج كما يفعل الأصدقاء الأحباء ، إنها لم تقل أو تفعل أي شيء على الإطلاق ، الحقيرة…  تعمدت الذهاب وتركتني هنا!). وتملك وجه المجنون حزن قلما عرفه الناس ، وبدا كأنه سيقفز داخل النيل ويرحل، وهم حقا على ذلك ، وأفزعني ، لكنه بدل أن ينتحر ، غرق في الضحك ، وتلبسه فرح المجانين ، وسألني شيئا أعطيه إياه مقابل دعوة لديمومة حبي..

 

      اليوم منحت المجنون ثمن كل فناجين القهوة التي كنا سنرتشفها أنا وأنت، ﻷن دعوات المجانين باتت ترد!

 

أعذريني النيل يبكي !!

 

                   *****

2 (“واو” الحب)

 

       النسيان أمر سهل جدا ، خصوصا بين الأصدقاء. فها أنا أنسى أنه كان في جبينك شامة ، بحجم نجمة صغيرة ، وغير بائنة ، ولا تزعجك على أي حال! لكنني كنت بطريقة ما أحفظها ، وأتخذها رمزا ، ومتى ما ألتقيتك سرقتني عقلي فأحدق مرددا بيتا لبطرس كرامة: (أقبلت تنجلى وفي الخد شامة…) !. 

 

         كانت خالة سوداء اللون ، تشوبها الزرقة ، تقع تماما فوق حاجبك الأيسر بمسافة عقلة.. وتزينك هناك.. كأنك من وضعها باختياره بقلم مكحلة.! لكنني الآن لسبب أو لآخر تناسيتها.. انتزعتها من ذاكرتي انتزاعا ، وبت حتى في المنام ، عندما أحلم برفقتك ، أراك بلا أي شامة على الجبين.. فقط وجه باهت بلا ملامح ، بلا انحناءة شفتين ، بلا عينين ، مجرد سراب!.

 

 

     لا عجب أن السؤال الذي وجه في موناكو بفرنسا لجزائريي المهجر: (كيف للإنسان أن ينسى الوطن؟) عجزوا عن إجابته ، واحتاروا كيف لوطن تسكن صورته القلوب أن يضيع من مخيلاتهم ، ولوطن يموت شهداءه كل يوم أن يموت من الذاكرة..! أما أنا فأعرف ، فما على الوطن إلا أن يتمتم: دعنا نصبح صديقين!. وننساه.

 

                   *****

3 (“حاء” النواح والضحك)

 

       هل كذب علينا الشاعر بيرون عندما قال: “قد تنمو الصداقة لتصبح حبا ، لكن الحب لا يتراجع ليصير صداقة”.. فها نحن يا بيرون -ولعدة شهور- نمارس لعبة الأصدقاء ، نمثل الميلودراما على مسرح العواطف ، نوئد المشاعر.. ونبتذل التصرفات…

 

     بالنسبة لي فقد تغيرت أمور عديدة، بت أدخن النارجيل ، وتخليت عن سماع فيروز في المساءات.. مزقت كل فصولك التي هي داخل مذكراتي، أديت دور الخانع ، وأكثرت الضحك.  ولم لا أضحك والمشاهد هنا كلها هزل.. فأول اتصال هاتفي بعد صداقتنا ، أخطأت ثلاث مرات بمناداتك (يا حبيبتي)… وأول لقاء بعد النكبة ، جاء مجنون دعى لنا بالديمومة ، وأول حوار ابتدأناه خرصت فيه نظراتنا.. وأول فنجان قهوة معك بدا فارغا فلم أذقه حتى. وأول ليلة في البعد ، بكيت.!

 

                   *****

4 (“همزة” الحياة)

 

      الإنديز نبات يزهر مرة واحدة في العمر ، وكذلك الرجال.. يستحيل أن يحبوا من أعماقهم مرتين.

 

                 *****

5 (“لام” دعابة الموت)

 

         لو أنها رحلت دون أن تخبرني ، لكان الأمر ربما أهون.. لكنت نسيتها والسلام.! لكنها حملت عشرات الأعذار المنمقة ودستها في كوابيسي ، تعمدت ترك شرخ يستدل به على وجود ماضيها ، وصداقة يستند عليها جنون حاضري. فما الفرق بينها وبين ما فعلته معشوقة الشحاذ. تلك ماتت من الدنيا، وهاذي ماتت من قلب.!

 

                *****

6 (“ميم” المسافة)

 

(لورا،

نحن يتامى الحب..

الذين تخلى عنا الآخرون..

ننتظر قدومك بفارق الصبر،

ننتظرك لتجمعي بقايا ذكرياتنا ،

لتضمدي جراحنا ،

ولتصنعي ضحكة على شفاهنا الحزينة ،

لتصنعينا!)

 

 

        إن كان لي أن أتحدث بإسهاب ، فسأحكي لك عن “لورا”..! لا تقلقي ليست بفتاتي البديلة ، وإنما هي كل شيء في حياة ذاك المجنون ، إياه. هل قلت لك قبلا أنني كسبت صداقته كما كسبت صداقتك.. فما أسهل الصحبة هذه الأيام.!

 

قال لي بعد أن سمع قصتي: (ياه ، وأنا الغبي الذي أدعو بديمومة الهوى، وهو لا يدوم… لكن حمدا لله أن “لورتي” لم تفعل ما فعلته “لورتك”…) وربت على كتفي: (اسمع، إنني أغبطك لأنك لن تحتاج لتكون مجنونا يحمل أينما حل مفكرة تقويم ، لن تضطر أبدا لزيارة القبور في عز الشتاء -في تاريخ ميلادها- من أجل وضع جريدة نخل على شاهد الضريح.. لن تنشد الأغاني المفضلة في الخريف ، فقط لأنك التقيتها تحت المطر.. لن تعيش معها في غيابها ، ولن تتعذب بتكرار سماع أصوات حديثها… هل تصدق يا صاح أن آخر ما قالته لورا هو “كن حاضرا”..) وتلعثم المجنون في كلامه ، وظهرت من عينيه مبادئ دمعة على وشك النزول ، حاول أن يداريها لكنه عجز، شلت قدرته السحرية أمام البعد ، رجع للحظة عقله الغائب ، وانخرط في بكاء لا منتهي..!

 

                *****

7 (“ياء” النسيان)

 

        إلى صديقتي المقربة.. مليكتي الراحلة.. عزيزتي دائما،

 

        أكتب لك الآن نص رسالة -بكل تأكيد- لن تقرأيها، لأنني سأحرق مظروفها قبل إرساله إليك.. ليس هذا وحسب، بل سأتلف معها أثمن ما يخصك عندي.. “صورتنا التي تحليها شامة على جبينك”…

 

مخلصك دوما في الحب و الصداقة:

أوقع هويتي ب (روح ألمي).

 

*****

مخرج:

أفضل الذين يكتبون عن الحب، هم الذين لم يمارسوه، لأنهم سيكتبون أشياء لا تمت للحب بصلة…!

 

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

أضف تعليقاً