الرئيسية / العدد الثلاثون / في رفقة الفيتوري ( 4-10 )

في رفقة الفيتوري ( 4-10 )

11223502_435854809928573_577519707012134843_n

موافي يوسف :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

“الرّجُلُ الحالِمُ الذي تستيقِظُ النُجُومُ في قلبِه الطّيبْ” ..

.. الشعراءُ لا يموتون ، والفيتُوري أبعدُهم من الموت .. !

(ليسَ في الياسمينةِ غيرُ البُكُاءْ) !!

حدّق في دفترٍ ماكثٍ على طاولةٍ جواري، انحنى للأمام، ثم التقطه، ثم راح يقلبُ أوراقه، ورقة، ورقة ، كان دفترَ أشعاري الرمزيّةَ البائسة .. ابتسم وهو يقرأ، ثم قال ،جميل ! ضحكتُ في صمتٍ وأظهرتُ بعضَ التبسُّمْ .. فأشعاري البائسة تلك بدت مثلُ رسمِ الأطفال، حين يقعُ في أعينِ فنانٍ كبير، فيبتسم ، كأن خطاً عشوائياً أو لوناً شاتراً سُكِبَ بالخطأِ في مُنتصفِ الرّسمةِ تماماً .. فعنى له شيئاً عظيماً حرّك في نفسه إحساساً خفيّْ، غيرَ مدركْ .. حالُ الكِبارِ ، يرَون العالمَ والأشياءَ بأعينٍ لا كما يراها الناس !

قال، إذاً أنت تُحِبْ ! قلت، أنا لا أُحِبُّ أُنثى .. ولا أُمارِسُ الحُبّ (ثرثرةً) أو (فِعلاً) .. ولا أنوي مُضاجعة كل هذه الهُراءات الآن .. لا تسألني لماذا .. ثم قلتُ وقد ارتسمت في شفتيّ فيما ظننتُها ابتسامة ماكِرة : وإن كانت الرغبة في الأمر الثاني .. فضحكْ .. تأملتُ ضحكته .. كانت مثلُ النوارسِ المُرتحِلة .. حين تحُطُّ على شواطئ البحارْ .. فتبعثُ البهجةَ على رِمالِها السّاكنةِ الحزينة ..

– قلتُ له ، وأين أنتَ من الحُبّ ؟؟

– صمت بُرهةً من الزمنِ حسبتُها دَهْراً .. ثم إتكأ على الكُرسيّ بعد أن كان مُعتدلاً واتّخذ تلك الوضعيةُ حيث قَبضَةُ يدِه ترتكزُ على خدِّه .. ثم أرسلَ حديثاً بدا لي وكأنه يخاطبُ به نفسَه، وهو يقول : ليس هناك إنسانٌ لم يشعر بلحظةِ حُبّْ .. لم ينبُض قلبُه إزاءَ موقفْ ، إزاء رؤيةْ ، أو حتى إزاء زهرة ! إذاً أنا أحببتْ .. وأحببتُ دائماً .. وأجدُ في هذه العاطفةِ زاداً وزيتاً يُشعِلُ في داخلي الفِكر، والرُؤية، والإحساسَ، والصُّورة .. ويُجَمِّلُ في عينيّ الحياة ..

– قلتُ، ولكن أين هذه العاطِفةُ الجّميلةْ ، لا أراها في أشعارِكَ، رَغم أنك تستطيع !

– قال، لا .. أنا لم أستطِع قطْ ! وهذه حقيقةْ .. بالرّغم من تنوُّعِ علاقاتي وصداقاتي ومعارِفي وموداتي مع الآخرين والأُخريات .. من مُختلفِ المناطقِ العربية .. مع مُختلفِ العناصِرِ والأشكالْ .. لم أسْتطِع أن أكتُبَ قصيدةً غزليّةً كما يكتُبُ الآخرون من الشعراءِ البارزين في هذا العصر، أو في غير هذا العصر ..

– قلت، مثلَ صديقِكِ قبّاني !

وكنت هكذا دوماً في ثرثرتي معه، أرمي الشيء ، فيلتقِطُه ، ويمضي بي ..

– قال، لم أستطِع أن أقولَ مثلَ ما يكتُبُ شاعرُ الحُبِّ والجّمال، نِزار قبّاني، فهذا الشاعرُ بالذّات في هذا العصرِ كانت له أصابِعُه البارِزة، وبَصماتُه المؤثرةِ في حياةِ الشُعراءِ العرب، وفي حياة القرّاءِ العرب، بما كتبه من قصائدٍ تتحدثُ وتتجمّلُ بالمرأةِ وتُغنِي لها ..

فأنا لم أستطِع أن أكونَ نِزار قبّاني، وأعتقد أني لا أستطيع ..

وكأنما كان يقرأ تفاصيلَ وجهي المُبهمِ ونظراتي الحائِرة ، فمضى يحكي :

لأني لا أستطيعُ أن أُجرّد المرأةَ .. أن أُجرّد الحُبَّ مما حوله .. يستطيع نِزار أن يجعلَ من الحُبِّ جوهرةً ، يُعلِّقُها على صَدْرِه، أو على صدرِ من يُحبْ .. ويستطيعُ أن يأخذ هذه المحبوبةَ أو هذه المعشوقةَ أو هذه المرأةَ فيُبروِزُها ، ويضعُ لها إطاراً ، ويُغنِي لها .. أو يعزِلُها من بيئتِها ، ويرتقِي بها إلى السّمـاءْ .. يتحدثُ عن تفاصيلها الدّقيقة .. عن شفتيها .. عن عينيها .. عن شعرها .. وعن كل الجمال فيها .. !

– وأنت ؟

– نظر إلي كأنما يتفحّصُني، وقال، لكني يا فتى ، وهذا عجز فيّ كشاعرْ ، لا أستطيعُ إلا أن أكونَ شاعراً ينظرُ إلى المرأةِ كلحمٍ ودمْ .. وأنها إنسانٌ غائِصٌ في الحياةْ ؛ لذلك، المرأةُ عندي جُزءٌ من المجتمعْ .. جُزءٌ من حركتِه المُتطوّرة .. جُزءٌ من تخلُّفي .. جُزءٌ من نَكبتي .. وهُوِيّتُها تختلطُ بالأشياءِ المريرةِ التي نُعانيها نحنُ ؛ ولذلك ، لم أستطع ، أن أكتُبَ عنها … !!

– إذاً ليسَ في الياسَمِينةِ غيرُ البُكُـاءْ !

– ثم رفع رأسَه في بطءٍ دراماتيكي ، لكأننا في مسرحِ اللامعقول ، مُحدقاً بعينين واسعتين في فضاءِ الغرفةِ ، لكأنما طيفُ امرأةٍ ما ، يرقُصُ الرّقصات الحزينةِ هناك .. ثم أنشد في وجه ذلك الطيف ، وهو يُرسِلُ ساعديه للفضاء :

مثلُ أرملةِ العُرسِ

أسدلتِ النحلةُ الذهبيّةُ أهدابَها

وهَوَت مطراً ناعِماْ ،

في بُكُاءِ الغُصُـونْ ..

ليسَ في الياسَمينةِ غيرُ البُكُاءْ

وفي بَهْوِ سيّدةِ القلبِ نافُورةْ ،

ومُغَنٍ حـزِينْ … !

………………………..

وتضِجُّ في دمِكِ الشّهيِّ

مجاعةُ الشّوقِ الدّفينْ

فأراكِ في جُدْرانِ غُرفتُكِ الحزِينةِ

تركُضِينْ ..

كالنّورِ في قَيْدِ الدُّجى ،

كالدّمعِ في عَيْنِ السَّجِينْ !!

يُتبـعـْ ..

عن موافي يوسف

mm
شاعر وكاتب من السودان ، صدر له كتاب "سَبعُ ساعاتٍ من رِفقَةِ النَّهر" سيرة روائية عن حياة الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري .

أضف تعليقاً