الرئيسية / العدد الواحد والثلاثون / في رفقة الفيتوري ( 5 -10)

في رفقة الفيتوري ( 5 -10)

11425396_441311866049534_2544021781770414397_n

موافي يوسف :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

.. الرجلُ الحالم الذي تستيقظ نجوم في قلبه الطيب ..

.. الشعراءُ لا يموتون، والفيتوري أبعدهم من الموت ..

– (زمني جلاد لا يرحم) !

ققلت له بعض أن أحضرت له القهوة ورشف منها رشفتين وهو ينظر إلي بعينيه التعبتين :

 استوقفني مقال للدكتور عثمان جمال الدين ، الرجل المسرحي وأستاذ الدراما في تقديمه لكتاب الدراما والهوية في شعر محمد عبد الحي ، يتحدث فيه عن تاريخ الشعر في السودان ، وتدرج مستوياته ، فتجده يقول عن الحقبة الثالثة وهم رواد حركة التجديد من شباب الجيل الثاني من خريجي كلية غردون والجامعة الأمريكية والمعاهد المصرية -مثلك تماماً،خريج المعهد الديني بمصر- ثم يذكر منهم محمد أحمد محجوب ، والتجاني يوسف بشير ، وغيرهم …

وهنا تبسم ، وفي لحظة متسارعة صمت أرقبه ؛ عسى في جعبة الرجل شيء يريد قوله ، حرك رأسه يمنة ويسرة في بطئ تأسفي، وحينما لحظ صمتي ، قال متداركاً بنصف ابتسامة وعينين متحفزتين:

 هات ما لديك يا فتى ..

قلت مستأنفاً ، حسناً ، يقول بأن هذا الجيل انتخب البحث عن الذات صبابة ، ثم بروزت المذاهب والمدارس الفكرية والأدبية التي ربطت السودان بأمشاج التيارات الثقافية المعاصرة في العالم والشرق خاصة ، ويقول بأن أعمق هذه الآثار وأكثرها ترديداً ، كان التيار الواقعي الاشتراكي ، ومضامينه التي تنادي بالكفاح، ومناصرة الشعوب، ومجابهة الرجعية ومناهضة الاستعمار .. وذلك في مزج بين نغمات الوجودية والرمزية والواقعية ، ثم تبسمت في زهو وإعجاب بحق الذي أمامي عندما استأنفت قائلاً ببقايا بسمة متشتتة :

 وقال بأن هذا التيار تقدمه (محمد الفيتوري) .. !

فضحك من فجائية عبارتي الأخيرة ثم قال عبارة ظلت عائمة في تلك الضحكة :

 ياااااا سلام !!

…………………….

بقيت جالساً أمامه أرقبه حتى صحى من غفوته ، ثم علت وجهه غيمة اندهاش ؛ إذ أنني ما برحت مكاني، ورأى أن تفاصيل وجهي بدت متحفزة لمزيد من الثرثرة .. لم أمهله كثيراً ، قلت :

 أني لا أدري ما إذا كنت قد قرأت ما قاله عنك الدكتور حامد الطاهر في كتابه عنك ضمن سلسلة (شاعر ومختارات) أم لا ، ولكن على كل ، قال الرجل عنك كلاماً طيباً وهو يسبر غور ما كتبت ويقول بأن نسق الشعر عندك، وكما هو بائن، يأخذ نسق الشعر الحر والذي ينبع تلقائياً من نموذج الشعر العمودي ، ويقول بأن قصائدك العمودية تتميز بسمات بارزة من التطور والتحديث ، وفي إشارة إلى ذكائك الشعري يقول بأن الشعر الحر منزلق خطير لمن يجيدون الوزن والقافية ، لكنك يا سيدي قد استخدمته بحذر شديد .. مثلك تماماً أحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل .. في حين اندفع الأغلبية في ثرثرة من دون ضوابط ، ومن ثم غامت لديهم الصورة، وتسطحت التجارب ، وانعدم الفن الجميل ..

يقول البعض يا سيدي أنك في بعض قصائدك قد تحررت تماماً عن أغراض الشعر القديمة كالوصف ، والغزل ، والـ …

ثم قفزت به غير بعيد ، قائلاً :

أيضاً يحضرني هنا قول الأستاذ صابر جمعه بأن فن الشعر قيمة ونتاج خالص لمكنونات الحلم الإنساني والنظام المناقض للفوضى، ويقول كذلك الأستاذ أحمد الطيب زين العابدين في مقالة له بأن الفن ليس حلماً أو مقدرة في خلق الأحلام، بل هو انفعال بالواقع، وحتى لا يناقض هذا القول ما قاله صابر جمعه فإذا به يستدرك قائلاً بأنه حتى لو سلمنا بأنه حلم ، فالأحلام هن أبدآ بنات يخرجن من صلب التجربة الفردية، والتي تتفاعل مع الواقع الاجتماعي المعاش ..

 أومأ برأسه قبل أن يقول في هدوء وبعمق :

أنا أعبر عن وجدان وتجربة ذاتية أشعر بها ..

 فتجدني أصبغ الجوانب التأملية في شعري لأعكس رؤيتي الخاصة المجردة تجاه الأشياء …

وعن مسرحي، فأفريقيا مسرحي القدسي الكبير .. وخلاصي ..

أفريقيا ، يا محنة الإنسان فيك ، وصراعه ، يا نضاله الصامد ، يا انعتاقه

أفريقيا ، انهضي، فكي قيودك، وزمجري .. !

يتبعـ .

عن موافي يوسف

mm
شاعر وكاتب من السودان ، صدر له كتاب "سَبعُ ساعاتٍ من رِفقَةِ النَّهر" سيرة روائية عن حياة الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري .

أضف تعليقاً