الرئيسية / العدد الثامن والثلاثون / في رفقة الفيتُوري (9 – 10)

في رفقة الفيتُوري (9 – 10)

12107840_484546221726098_6102747158479145785_n

موافي يوسف :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا 

**

(أنا صوتْ ، مجردُ صوتٍ ، ربما أمكن لهذا الصوت أن يبقى بعض الوقت ، وربما ذهب مع الريح كما يقولون) . . .

صمتنا هنيهة من الوقت ، وربما ضاق ذرعاً من رِتل الهواء المتيبِّس القابعِ في فراغ الغرفة ، نهض من مقعده مرة أخرى ، وبخُطوات متثاقلة، قصد النافذة التي يطل وجهها الخشبي مباشرة على الشارع الفسيح الممتد ، وما أن فتحها على مِصراعيها إلا ورتل من الريح الخفيفة الرشيقة تتلقف وجهه ، مثل شخص يشتاق لآخر وهاهما يلتقيان، تمددت نصفُ ابتسامةٍ على وجهه ، تنهد عميقاً حتى سكن جيشٌ من الهواء البارد رئتيه .. وكأنما يخاطبُ النافذةَ والريحَ قال هامساً وهو يُحدّقُ في الحياة الدائبة في الخارج ً :

أنا صوت ، مجرد صوت ، ربما أمكن لهذا الصوت أن يبقى بعض الوقت ، وربما ذهب مع الريح كما يقولون . . .

وحينما عاد بنفس الخطى المتثاقلة ، البطيئة الحذرة مثل شخصٍ يسلُكُ طريقه عبر زُحامٍ ، قلت له :

– إذا سألتُك .. متى يكتبُ الفيتُوري ، متى يأتيه الإلهام ، وهل ثمة زمن بعينه لتدفقه الشعري ؟

يُحدق في عينيّ كأنما يبحث فيهما عن إجابة ، يُقطّبُ حاجبيه ، يزُمُّ شفتيه ، ثم يهُزُّ رأسه ويُعمِلُ يديه في الحديث وهو يقول :

– ليس هناك وقت محدد ، وقت بعينه يمكنني أن أقول فيه أن هذا هو وقتُ الشعر ، وليس هناك أيضاً مكاناً معين أقول فيه أن هذا المكان لائقٌ بكتابة الشعر .. حتى أنت ، تتغير طِبقاً لتغيُّرات الرياح ، الطبيعة التي تحتضنك ، البلد الذي يُغريك أو يُقصيك ، والناس الذين يُدنونك أو يُبعدونك .

إذن ليس هناك زمان محدد أو مكان محدد . أنا أكتب في الطائرة ، وأكتب في القطار ، أكتب وأنا أقود السيارة ، وأكتب وأنا في الطريق مذهولاً وبعيداً عن الناس .

الشعر حالة تتملّكُ الشاعر فجأة ، فيجد نفسه منقسماً إلى شخصيتين .. شخصيةٌ إجتماعية ، تتكلم مع الناس وتمارس طُقوسها العادية ، وشخصيّة أخرى غائصةٌ في ذاته ، ربما يشعر أحياناً أنه يحملها على كتفيه ، أو يجرها وراءه حتى .. هكذا يبدو الشاعر ، أو أبدو أنا بصفةٍ خاصة .

– ماذا عن طقس الكتابة عند الفيتوري ؟ وحين تكتب، هل تحُس بامتلاء القصيدة بك ، هل تحس بقصيدتك أنها تحتويك تماماً أو أنها تُشبِعُ أحاسيسك ومشاعرك المتحفِّزة القلقة ؟ ثم إلى أي مدى يمكن للشاعر أن يراجع قصيدته أكثر من مره ؟ ومن هو الشاعر الذي يمكن أن نطلق عليه سِمة “الشاعر الحقيقي” ؟

قال وهو يُحرق سِيجارةً ، ودُخانُها الرماديّ يتماوجُ في الفراغ :

– أنا أؤمن بأن لا شيء في الحياة كامل ،عدا الله سبحانه وتعالى ، ولا شيءٌ فيما يقولُه الناسُ كامل ما عدا النصوص المقدسة ، أما نحن عندما نريد أن نكتب شعراً أو نثراً أو نقداً ، يجب أن نراجع ما كتبناه ، ولذلك أنا أراجع قصيدتي ، وأنا الذي كتبتُ قُرابة عشرين مجموعة شعرية، وأكثر من خمس مسرحيات، وعشرات المقالات، ومئات التعليقات وغيرها ، ما زلت حتى هذه اللحظة أكتب قصيدتي أكثر من عشرين مرة ، أكتبها الآن ثم أعود في صبيحة الغد وأقرأها فأجد أنها لم تقل شيئا ًمما هو في ذاتي ، فأمزقها ، ثم أبدأ من جديد في كتابة نفس القصيدة حتى أصل إلى ما يمكن أن يترسّب في خيالي أنه قريب مما في ذاتي – تنهّد في أريحية ، سحب آخر نفسٍ من السيجارة قبل أن تحترق تماماً– أريدُ أن أكون صادقاً مع نفسي أولاً ، وأن يكون ما أكتبه هو ما أحُسُّه .. غير أنني أطمحُ إلى أن أتعرف على الوجه الآخر لشقائي ..

القصيدةُ عندي عمليةُ عذاب ، وأنني في هذه العملية لا آتي بجديد . هنالك شاعر فرنسي مشهور ، هو شاعر فاشل ، لكنه ناقد من النقاد التاريخيين في الشعر الفرنسي، إسمه (بُوالُو) ، عنده ما ترجمته وقد قرأته في صباي الأول :

( أيها الشعراء الناشئون ، راجعوا أعمالكم في ضوء الصنعة ، احذفوا وأضيفوا ، بغير ذلك لن يوضع كل شيء في مكانه ، ليس هناك شيء تافه ، أو غير نافع ، كل شيء في موضعه بديع ) .

هذه هي القاعدة الأساسية والحقيقية ..

أما إذا أردت أن تكون شاعراً حقيقياً ، فاجعل لك موقفاً من الحياة ، ويجب أن تكون لديك الأدوات التي تعبر بها ، ويجب كذلك أن تكون لديك الجُرأة التي تصرُخُ بها في وجوه الآخرين إذا ما تحتم عليك الصُّراخ ..

أذكرُ حادثةً لعلني يمكن أن أقولَ عنها طريفةً نوعاً ما ، حدثت عندما قدمني أحد أصدقائي الشعراء إلى صديق له ، وكان ذلك عقب صُدور ديواني الأول “أغاني إفريقيا” ، حينما أدهشني ذلك الرجل بثورته المُفاجئة في وجهي .. قال كلاماً كثيراً ، ما تزال تطِنُّ في أذني منه هذه الجملة :

– ما هذا الشعر الذي تكتُبه يا أخي .. لقد فضحتنا .. إنني أكرهُكْ !

نعم ، فقلد أردت بالفعل أن أفضحَ واقعُنا اللا إنسانيُّ الأسود ، ولن أسمح لنفسي بالمساهمة في تزييف هذا الواقع القبيح …

عن موافي يوسف

mm
شاعر وكاتب من السودان ، صدر له كتاب "سَبعُ ساعاتٍ من رِفقَةِ النَّهر" سيرة روائية عن حياة الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري .

أضف تعليقاً