الرئيسية / احدث التدوينات / في مديح اللغة

في مديح اللغة

maxresdefault

أعتقد أني كنتُ متشوقًا للكتابة واللغة – منذ أن كنتُ نقطة ؛ هذا باعتبار أني شيء آخر الآن مثل كلمة أو جملة قصيرة وباعتبارات أخرى كثيرة من الإحساس والشعور المتنامي داخلي اتجاه هذه اللغة ، وأحسبني اليوم بعد كل هذا العمر من الكلمات التي نطقتها وكتبتها مجرد تلميذ يحمل دفتره للأستاذ بعد حصة اللغة العربية ليصحح ما أخطأ . وأنا ابن لسان عربي بالفطرة ، أخبروه أن الكلمة تنقسم لأجزاء : اسم وفعل وحرف ؛ ونسوا إخباره أين موقعه من هذه الأجزاء الثلاثة . فبحثتُ عني فوجدتُني مخبأً في بيت قصيدة ، منسي العجز وبائن البلاغة وواضح مثل قواعد النحو التي طالما تجاوزتُ إشاراتها دون مبالاة في ذلك الوقت ؛ فأخطأتُ في الإعراب كثيرًا ثم خدعت واسترققت قلب الأستاذ ولأن خطي كان حسُنًا نجحتُ في ذلك .

 وقتها وجدتُ شخصًا يُحب اللغة ويتعلق بها ؛ شخص ما زال يرافقني حتى اليوم ويقال له مجازًا بكاتب .

 في لحظة ارتباك وأنا أفكر في عدد الكلمات التي يجب أن تكون عليها تدوينتي هذه لتوافق رغبة السيد مدير التحرير ، وجدتُ أن ملف الويرد على جهاز الحاسوب يخبرني – ضمنيًا – أن الخمسة أسطر التي كتبتها يساوي ما تحتويه مائة كلمة ، وهي تزداد أثناء تحرك أصابعي على لوحة المفاتيح ؛ فأحسست أن لغتي بخير طالما لدي هذا المقدار من ذاكرة الكلمات التي أكتبها ، وأن كل حصص اللغة العربية التي درستها ما زال أساسها موجود أسفل بنائي الكتابي . ولكن ؛ كيف لملف كلمة صغيرة يمكن أن يحتوي دهشة قاموس كامل من الكلمات ؛ يُدرج في كلمة مثل (  لغة  ) .؟ هل أحتاج تفسيرًا منطقيًا لهذا ؟ أم أن المجاز والتعبير الضمني قد يكفي حاجتي لمعرفة وإجابة وإدراك هكذا أسئلة .؟

إن الأمر مربك في التعبير عنه تمامًا ؛ فليست للفلسفة – بالنسبة لتوجه تفكيري نحوها الآن باعتبارها مفسراً- والتي اطلعت على بعض نماذجها البسيطة أُطروحة أو رأي أقتبسه للإجابة عن سؤال كيان اللغة .. بدايتها ، نموها وتطورها كتجربة شخصية حدثت لي ؛ وليست التعريفات العلمية والنظرية كافية لرغبتي ، ولأن لا مهرب من ذلك طالما أن الأمر منوط بي فسأختار لنفسي ما يناسبها .. لذلك ربما أعود لإسقاط قدرتي على التفكير لحثها للتفكير مرة أخرى ؛ ومن ثَم وضعها في قنينة كلمات بسيطة تخرجني من مأزق الإجابة على الأسئلة المدهشة التي تتمحور حول اللغة لتكون شيء أشبه بعصارة التجريب والمحاولة والتحليل ؛ ثم إلقاء كل ذلك للتيه وأحفظ ما يتبقى لنفسي كمسلمة لبشريتي الخاصة كإحساس مجرد بشيء يعنيني وحدي أعتبره خلاصة مبدئية ، فأمر اللغة متجدد بعوامل كثيرة يمر بها الإنسان عمرًا ومكاناً وثقافة . إن اللغة لا يقل عن كونها معجزة فريدة  شاءت إرادة الله بخلقها للتواصل بين خلقه بسببية وقدرية مخلوقاته وحاجتها لشيء مثلها ، فنمت مثل شجرة تكّوْنت لها أصوات متعددة ؛ فروع ممتدة من الرسومات والأشكال وظِل يتحول ويتغيّر مع الوقت ، يصغر ويكبر .

 أكثر من عشرة أعوام منذ تلك الأيام ؛ كنتُ في عُمر بين الثانية عشر والسادسة عشر ؛ بين نهاية المرحلة الأساسية والثانوية ؛ مراهق يطرز القصيدة – ما كنت أظنها كذلك – على جسد القاموس واللغة والكتابة في محاولاتي الأولى للكتابة ؛ وأنتقي من الجُمل وأبيات الشعر والعبارات أجملها لفظًا وبلاغةً ومحسنات بديعية وكل ذلك لغرض واحد كان يغلب على الجميع حينها وهو مغازلة الفتيات . كنت أُعلِم حصة الأدب بلون مختلف في جدول الحصص المدرسي ، أحسب الأيام في ترقب اليوم الذي ستكون فيه قصيدة لجميل بثينة أو مجنون ليلى هي موضوع الدرس ؛ ويصادف أن أكون حافظًا لها منذ عدة أسابيع . لم تغبْ عن خيالي كل الشروحات التي كان يُدرسنا لها كل أستاذ لمادة الأدب والمطالعة ، ولم تغبْ كل غمزات الأستاذ الذي كان يقوم بها مع حكيه لقصة القصيدة ، كنتُ أحس حينها بأني أعرابي بسيط ، لا يهمه من الدنيا سوى محبوبته ودابته وخيمته الصوفية وسط الصحراء والكلأ لقطيعه من الماعز والإبل التي يملكها .. ولم يتبق لي حينها سوى أن اقفز فوق الدرج لأنادي المحبوبة أو لأنشد الشعر . 

من المدهش أن يبقى الأثر وينمو بشكل لا تتوقعه ؛ لا تتخيل أنه سيصير بهذا الشكل ، بهذه الهيأة ؛ تمامًا مثل دهشة أن يكبر ابنك ويطول وأنت لستَ حاضرًا ، ليفاجئك يوم تعود إليه ؛ يسلم عليك كما يسلم الرجال على بعضهم . شيء من هذا المشهد يشبه علاقتي باللغة ؛ أو عكسه تمامًا ! غير قادر على فهم مشاعري اتجاهها. لم أغبْ عنها منذ ولدت ؛ صاحبتها منذ سن صغيرة وهاأنا أراها كفتاة الحي الجميلة ، أكتب وأفكر بها دون تحكم أو فهم تجريدي لها وأعلم أننا بشكل أو بآخر مترابطين بخيوط كثيرة ؛ كترابط الفكرة والتفكير باللغة ذاتها ، لا شيء يفصل بينهما فهما لازمين لكل منهما للآخر ، ولا شيء معرف بأل يمكن أن أخبر به نفسي كإجابة ؛ فتبقى اللغة من الأشياء المبهمة والمحسوسة داخليًا أكثر من كونها أشياء مجردة وملموسة  تمامًا تشبه الهواء ، له صفات تدل على وجودها كما لها صفات تجعلنا نتساءل أين اللغة .؟

  في الصفين السابع والثامن من المرحلة الأساسية ؛ وكل يوم خميس كان أُستاذ اللغة العربية ( أُستاذ سلِيّم ) يُجلسنا في الحصة المسائية لاختبار يتضمن قسم النحو وقسم البلاغة . يدخل الفصل – كالمتنبي في زمانه ؛ يسلمُ علينا ثم يرمقنا بنظرة ثاقبة متأملة للحضور ليلتفت التفاتته المعتادة نحو السبورة السوداء دون أن يتحدث بصوته مرة أخرى . إذ أنه يتحدث على اللون الأسود الذي أمامه بكل اللون الأبيض الواضح إلينا في كوننا الصغير الذي نعرفه ؛ يتحدث بلغته الخاصة . كان حسُنَ الخط ، واضح للرسم والكلمات ، لزمن طويل كنت أظن أن أساتذة اللغة العربية الذين يملكون خطًا جميلًا تخرجوا من مدارس الهندسة وكلياتها أو أن لهم علاقة مباشرة بهذا القسم من العلوم .. ثم مع الوقت لتسرب المعاني إليَّ من محيطي واكتسابي لبعض أُسس المعرفة علمتُ أن مثل هذه الأشياء تُعد فنًا؛ لا يضاهيه المهندس مكانةً وقدرةً بتخطيطه ورسمه للإنشاءات الهندسية ؛ إذ أن لكل علم لغته وهندسته وفنه وتميزه . ورويدًا .. رويدًا يبدأ اللون الأسود للسبورة بالتغيُّر ؛ يستخدم ألوانًا أخرى مع الأبيض ، وكأن جسد السبورة داخل آلة يُحيكَ عليها ثوباً من اللغة ؛ يستمدُ من ذاكرته كل الدهشة حتى تخيلتُ أن هذه هي وضعية من يريد أن يُحيّك قصيدة ! إذ كل ما مضى الوقت ؛ تنساب الجمل البلاغية والنحوية بسهولة إليه ؛ لم يحدث أن جاء بورقة ينسخ ما عليها إلا مرات معدودة طيلة عامين من الاختبارات ؛ وما حدث أن تشابهت الأسئلة . كان كثيرًا ما يتوقف عن الكتابة ليتجول ، يمشي نحو الباب ؛ يخرج نحو حديقة المدرسة الصغيرة يبدو كمن يبحث عن شيء تائه عنه ، ليعود محملاً بأزهار اللغة والأسئلة التي كانت ليست بعصية علينا كتلاميذ إلا لمن لم يُدرك أن بها الكثير من الجمال والرقة التي يمكنها اعتمال التفكيّر والتأمل والسعادة في إيجاد حلولها . كانت تبدو خطواته وهو يتحرك صغيرةً ، هادئة كما لو أنها جناحيّ فراشة . ومنذ حينها أحببت المشيّ كما خفقان أجنحة فراشة ؛ أحاول أن أشبه اللغة التي أتحدث وأكتب ؛ أحاول أن أكون بمثل هدوئها وجمالها ، أحاول أن أكون بدهشة تحتوي مقدار ما كان يحتويه خيال وذاكرة الأُستاذ في الفصل وهو يعلمنا معنى هذه اللغة وجمالها .. وأحاول أن أحب اللغة بطريقة مستمرة .

 

عن خالد عمر

mm
كاتب من السودان

أضف تعليقاً