الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: أحوال، أو أهوال ما يعتري الكائن

قراءات: أحوال، أو أهوال ما يعتري الكائن

الغلاف

هل يُحصرُ الأبدُ

في أوراقِ التقاويمِ الغبيةِ؟

التي تتساقطُ … لمحةٌ إثر لمحةٍ،

كَساعةٍ رَمليةٍ هَائلةٍ

مَحشوةٍ بالوهمِ.

كُلما فرِغَ جُزؤها العُلويُ؛

قلبتها يدُ الرتابةِ،

لتعيدَ دورتها مِن جديدٍ،

طاحنةً ذواتَنا،

في دوامةٍ مِن التكرارِ المملِ،

دون أن ندري متى ستتوقف،

لنتحررَ مِن هذا الدورانِ المَقِيتِ،

وننالَ انطلاقَنا.

      هذه الأحوال قائمة على احتواء الأعماق في الذات، والوقوف على نواصيها، والتمدد في انفعالاتها. هي فلسفة تناسب التأمل الذي في فضاء الروح، بأسلوب أدبي أنيق، يخرجنا من شرود العقل في متاهة الشك عبر اشتعال الشعر الناضج في أوردة الكلام الطازج في لحظة لغوية منفلتة ممزوجة بتطلعات وطموحات حكيمة، وإذا كان لابد من رهان فأنا أراهن على هذا التميز والتفرد من قلم قادر على مداعبة الخيال بالواقع، وإذا كان القارئ بحاجة لتحليل مكنونات نفسه سأنصحه بأن يقرأ ما كتبه هذا الشاعر الحكيم، وثق تماماً أنك ستجد نفسك وتتعرف عليها وسوف تصيبك عدوى الحكمة من هذا الديوان “أحوال” لصاحبه الشاعر/ محمد عمر جادين.

مشغولونَ نحن

عن الوقتِ … بالوقتِ

نكابدُ الآن

ونكشطُ عنّا

لزوجةَ ما قد مضى،

نعلّقُنا في الغدِ،

بسهوِ الخطى،

ونظرتِنا القاصرةِ.

      وسط حالة من التوهان وفقدان البوصلة المعرفية لهذا الجيل الذي يفقد في كل يوم عضوا من جسده الفكري، اتجه الشاعر للمنفى الاختياري بوعي تام، وقد كان منفاه مختلفاً عن المنافي التقليدية، إذ أنه منفى غير مرتبط بالزمان ولا المكان بل هو حالة تأملية بعيدة المدى، أنتزع فيها ذاته من الجمع، وأتجه نحو الفرد، واضعاً نفسه في مواجهة حتمية ومعركة أزلية مع النفس البشرية، وبدأ في اكتشاف المخابئ والأوعية السرية للذات عبر قراءة جديدة للوجود والعالم عبر الشعر، وبالرغم من حالة المنفى والقشعريرة التي في لغته إلا أن نصوصه لم تتورط في الاتكاء على حائط المبكى الشعري، ولم يوقع عرائض الشكوى الأدبية، بل صاغ أهوالنا وأحوالنا بوقار وشجن يلامس أطراف الروح كأغاني الطفولة الخالية من النشاز.

سادرٌ في السهوِ،

تستجلي غيهبَ المسافةِ،

تغويكَ الذكرياتُ،

فتحثوها في وجهِ العدمِ.

ثُم تَبْذُرُ ذاتكَ

في حقلِ الشتاتِ،

فتنبتُ حلماً،

يَهِبُكَ للريحِ،

للتحليقِ والفوضى،

للبعيدِ.

حيثُ الاقاصي،

حيثُ إنسِيالُكَ مِن فَمِ الوجودِ،

فكرةٌ للتحققِ،

ربما قد تكونُ،
وربما لا.

      هذا الديوان يقع في إطار تيار كتابي حديث، بدأ ينتظم العالم بعد التحولات الكثيفة على مستوى الحياة اليومية، وتطور مستوى التفكير الإبداعي، وهذا التيار كسر ظهر الحدود القديمة وحرر الحروف من التعقيدات والتقييدات الجمالية. حيث قام الشاعر في هذا الديوان بتوظيف أكثر من أسلوب حديث ونذكر على سبيل المثال العنونة: فالعناوين التي اختارها الشاعر لها ملمح أسلوبي مركزي يجعل المعنى مفتوحاً على ضفتين أو أكثر: (مجتزأ من سيرة الوقت، ثلاثة نوافذ نحو العدم، بصيرة تنمو، قل هو الحب، ورطة الذات) وهنا تمثل العنوانين مفاتيح سيميائية للنص، تسهل عملية التلقي، وتسهم في تفكيك شفرات النص وتحديد المعاني الدلالية أو التركيبية، ولم تخلو العناوين المختارة من عملية تناص ذكي حاور فيها الشاعر نصوصاً لآخرين.

إليكُنّ؛

نونٌ يُؤرقها

الكافُ منذ الأزلِ.

انقسامُ الخلايا بين ذاتٍ

وذاتٍ،

تَشَاكُلُنَا في الحياةِ،

تَخَلُقنَا المُشّتَهى،

تماثُلنا الذي لا يُحَدُ،

صَيرورَتُنَا في الأبدِ،

وانعتاقُ أرواحنا

مِن قيودِ الجسدِ.

نواةُ التكونِ في بذرةِ المُنتَهى،

اتحادُ الرؤى،

انبثاقُ الوجودِ الفتي،

تلاحمُ أضّادنا المستبدّةُ،

تلاشي الوهمُ،

تدرجنا في الحقيقةِ،

وصولاً

إلى حيثُ لا حيثٍ،

إلى مُطلقٍ في اللانهايةِ،

مُطلقٍ في التكونِ،

نَافِياً للعدمِ.

إليكُنّ؛

ليسَ وقتاً فقط،

بل سيرورةٌ مستمرةً،

تَنزَعُ نحو الهُنالِكَ،

نحو الأبدِ.

      كما أن الشاعر أستخدم أسلوب الانحراف اللغوي بوصفه آلية فعالة لصناعة الجمال والدهشة وتوليد المعاني. وأهتم الكاتب بالحوارات المفاهيمية المعقدة المتمثلة في الأنا والآخر وأستمر الحوار حتى آخر مشهد من الديوان.

سهوٌ … سهوٌ … سهوٌ

أطوفُ حولَ العدمِ،

ساعياً بين الوهدةِ والوهلةِ.

ثم أقفُ في المواربةِ،

وأقذفُ الناجزَ

بحجرِ الاشتباهِ.

**********

ملحٌ … ملحٌ … ملحٌ
اضيعُ في “التمطقِ”،
بمذاقِ الحذاقةِ،
بالمضقةِ الساهيةِ،
واللعقِ المتواصلِ

للطعمِ الحريفِ.

      من الملاحظ أيضا في هذا الديوان التواجد الكثيف لملمح مرتبط بالفقرة السابقة “تعددية الأصوات” وهو الحرص على إنتاج أكثر من صوت يخرج من النص الواحد، وهو ما يسمى بالكتابة الومضية وهو دلالة على خصوبة الأفكار ومرونتها.

الشارعُ ليلاً

يتحسسُ الندوبَ

التي أحدثتها خطواتُ المارةِ

على وجههِ،

فَيُدرِكُ كم أنّهم كانوا قساةً،

ومروا مِن فوقِهِ مسرعينَ،

دون حتى أنْ يلقوا عليه التحيةَ.

     إن ديوان أحوال مكتنز بالدلالات، ومشفر بالتلميحات الغير مباشرة والمباشرة، يخفي أكثر مما يظهر ومع ذلك لا تتنازل قصائده عن انفجارها كبركان من المعاني، لذلك نحن نحتفي بهذه الإصدارة جداً، لاسيما أن الساحة الثقافية والأدبية أصبحت تعاني من شح لأعمال الحقيقية المستحقة للاطلاع، وقد صرنا بحوجة للتحرر من الكلام اللا شعري على حساب الكلام الذي يقصم ظهر الخيال وقلب الدفاتر، فهنيئا لنا بهكذا تجربة، ف “الأحوال” ليست إشارات فقط في طريقنا للتحرر، بل هي محاولة لكشف ما تخفيه رحلتنا في الحياة من مفاجآت.

حينما الزهو

تزهرُ الخيباتُ كثيفاً

على حافةِ الوقتِ.

يُورقُ العطبُ.

تتدلى مِن فروعِ الفجِيعةِ أثمارهَا،

ثُم تسقطُ ناضجةً

ممتلئةً بدودِ المرارةِ.

تنوحُ عصافيرُ الملماتِ شجّواً،

على إيقاعِ لحنٍ نشازٍ.

تعصفُ رياحُ النزوحِ عنيفاً،

تتساقطُ أوراقُ أشجارنَا الماثلةِ.

تضيعُ مِنا الجهاتُ.

تُقعي الخديعةُ

وتجلسُ في كهفها القرفصاءِ.

يسودُ التلكؤ والانحيازُ،

يغيبُ التكهنُ،

يدمي عيونُ الحقيقةِ

هذا المجازُ،

فهل نحن ناجونَ

مِن كلِ هذا العبثِ؟

عن راشد محمد عبد الوهاب

mm
صحفي وكاتب من السودان