الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: أزاميل: عرض فنّي لموجِهات قِراءة النصوص وعتباتها

قراءات: أزاميل: عرض فنّي لموجِهات قِراءة النصوص وعتباتها

ازاميل (2)

بقلم: موسى أديبايور

      العتبات عبارة عن مداخل يلج المتلقي عبرها للنص بغرض تفحص تصوراته وتوقعاته عن العمل المنجز. وهذا ما يسميه بعض النقاد “بالنص الملحق”Paratexte”  ويقصد به جميع العناصر المرتبطة بالنص مثل: (الشخصيات ومكانتهم في صنع الأحداث، الفضاء المكاني للنص، والبحث في الزمن وتنوعاته اللسانية والسردية، وأفعال السرد ودلالة تتابعها أو تقاطعها، والتقنيات المستخدمة في تمثيله). وللعتبات وظائف متعددة منها أنها تشكل مدخلاً لإعادة قراءة وتشكيل النص وترميم فجواته وإظهار المسكوت عنه في نسيجه البنائي وجسراً للعبور إليه. حيث يغدو النص بدون هذا العتبات عالماً مغلقاً يصعب اقتحامه. وتتخذ العتبات أشكالاً مختلفة أبرزها: العنوان الرئيسي للكتاب ومشتقات دلالاته الفاعلة في فهم النص وتحليله وتأويله المفتوح، والغلاف الخارجي بكيانه التصويري والخطي، والإهداء ودلالته الرمزية، والتقديم والإستهلال والإقتباسات الشعرية والنثرية داخل النص، وأخيراً الطباعة وشكل الحروف. وتحمل كل هذه العتبات إيحاءات للمتلقي بما يحمله النص ويتناوله، وتدفعه إلى تلقيه انطلاقاً من تأويله لها وما تركته فيه من انطباعات. سواءاً كانت هذا العتبات من صنع الكاتب أو الناشر بالتأكيد ستؤثر في نفسية المتلقي وتوجه قراءته.

      نكتفي في هذا المداخلة بالعرض الفني لموجهات قراءة النص، ولا نتوغل كثيراً في ماهيَاته الجمالية، وتأويل ثيماته الأساسية بشكل كافي؛ بسبب محدودية المساحة، وما يجب تقديمه إلى القارئ من جاهزية عرضية مباشرة لتعريفه بهذا الكتاب، ونترك بيان هوية السرد وتشكلاته البنيوية العميقة لنسيج النص والشخصيات وإنتمائها المتعددة لناقد متخصص في جماليات التلقي ومدرك بآليات التأويل التي تخدم القراءات اللاحقة.

الملامح الرئيسية للعمل

       كتاب (أزاميل) للكاتب محمد حمد، الطبعة الأولي2017م نشر من قبل دار مدارات للطباعة والنشر والتوزيع، لوحة الغلاف للفنان التشكيلي حسن موسى وتصميم محمد الصادق الحاج.

      عنوان (الكتابة) الأولي لكتاب محمد حمد والذي يشكل عتبة أولي للنص منحوت بلغة تجريدة عالية مقصودة، مكون من كلمة واحدة (أزاميل) مكتوب بخط حرFreehand، ولعب دوراً هاماً في ضبط إيقاع التصميم وخلق توازنه. وظهر اسم الكتاب في موقع متوسط بين لوحة الغلاف واسم الكاتب. وفي الركن الأسفل الأيمن من الكتاب تم طَبع شعار دار النشر، وفي يسار الركن الأسفل ظهر اسم (كتابة) ليدل على غموض تصنيف هذا النوع من الكتابة. ويقول الكاتب محمد حمد في تصدير نفسه في الغلاف الداخلي: “…أنا الحوؤلُ المُرتحل، كلما عرفتُ نفسي بشيءٍ هربتُ منه إلى شيء وتبدلتُ من هيئةٍ إلى أخرى”. يتضح لنا أن الغموض وحرية التأويل في عنوان الكتاب وفي جنسه الأدبي مقصود بشكل مسبق وللمتلقي حرية التأويل الجمالي بدون عذر.

      عوالم وشخصيات محمد حمد الطافحة بالفكاهة والمرح والجدية مثل (النجار وودالحرام وعثمان السجمان ومريم {الزفتة} والهادي الجنينة والفارس والنسيوِيني) هي شخوص لها علاقة وطيدة بمجتمعاتها، وهنا يستخدم الكاتب الآدب كسلاح  من أسلحة المجتمع، فمثلاً في قصة (ود الحرام ص13- 18) يأخذ السرد دلالات ومعاني متعددة منها: ودالحرام بمعني الود الشقي (الشفت) الذي يستخدم الشطة سلاحاً سرياً في المشاجرات التي لا تعترف بتأخر الأسلحة. ذلك الولد الذكي الذي ينثر ثلاث حبات ذرة ليمحو آثار الخديعة لشراكه لطيور كثيرة الحذر في بيئة يكثر فيها اصطياد الطير بمختلف الطرق. وهو كذلك الود المناضل الذي يطعن الفيل بالتحديق المباشر في عينه: “يومداك كنت بتسوي شنو مع فلانة وراء زنكي البيارة!”. وهو كذلك الود المشوطن الذي يقفز فوق حوائط البيوت في وسط الظهيرة بخفة ويجمع (الكثير) حتى الأواني الصالحة للإستعمال، والإستدراك في (الكثير) مقصود من قبل الكاتب لكي يتيح للمتلقي حرية التأويل.

      والدلالة الثانية هي لود الحرام المرتبط بالتابوه الإجتماعي المتوارث. أي ذلك الطفل الذي يأتي للدنيا عن طريق علاقة حب غير معترف بها في الذاكرة المجتمعية، أي بدون رباط شرعي. ويسأل الكاتب بلسان ود الحرام الهزلي بجدية مفرطة غير متوقعة “أين أبي يا أمي؟”. ولا يجد إجابة كافية من الأم لأنها معتادة على حكم العادات المتعارف على قيمتها بأنها منبوذة مجتمعياً ولا تريد أن تصدم ولدها الوحيد. يبدأ السرد عنده من محيط الفرد ومن العلاقات الإجتماعية التي جعلته ضحية أو جلاد ثم يذهب تجاه الأسرة باحثاً عن الصورة المخفية لعلاقات القهر والذل بطريقة تحكمية سردية. لأن الكلمات لديه ليست بأشياء بل هي ذات دلالة على الأشياء (ودالحرام) وهنا يحاكم الكاتب المجتمع المحافظ بشخوصه المدهشة حتى الجنون والمليئة بالمفارقة حتى الانكسار. كأنه يقول لنا كما قال جان بول سارتر في كتابه (ما الأدب؟) “تكمن مساهمة الأدب والفن في تغيير العالم وخلق عالم جديد وعلاقات إجتماعية جديدة أفضل، وأن الموت والبطالة والفقر والبؤس ليست مجرد أفكار بل هي حقائق يعيشها الناس ولها من الكثافة والشد والتوعد ما تستعصى به على مجرد التفكير. وهي لذلك لا تتطلب تفكيراً، بل تتطلب مشروعاً هو عمل فلا يستغنى بمعارضة الواقع بالفكرة، بل لا بد من معارضة الواقع بالعمل”.

      وفي شخصية (مريم ص22-25) يسرد الكاتب بلغة سلسلة ملامح وجه مريم البريئة، ويظل يكرر هذا الوصف بدون ملل، ولكن إذا أراد أن يتغزل فيها لا بد أن يخاطبها بلغة حادة مصطنعة: “مريم!، يازفت إنتِ” ولكنها لا تأبه بأسئلته لأنها مشغولة تجرٌ الخيط من بكرة الخيط ثمُ تواسيها بأسنانها. وحين يكرر نفس النداء مرة أخري يقول: “أخيراً تُوليني إشراق وجهها النصوع المحتشد بالحضور والمشحون بالحنين، وجه يحمل نصف انتباه ونصف تهديد كاذب، بحاجب مرفوع قليلاً جهة اليسار وترد عليه بتودد خفي “أها؟ أها مَلك!؟، داير شنو!؟”. فيرد: “يتماهي ندائي ذوباً في ملامحها وأنسى ما كنت أريد أن أقول”. هذا النوع من المشاكسة الظريفة يتردد كثيراً في حوارات الكاتب. بشعار “الحكاوي طعم الوقت وطُعم للحكمة”. والحكاوي ثيمة أساسية في هذه الكتابة، التحاور مع المخيلة الشعبية (الحنية والإحساس بالإنتماء والوفاء للمكان وإلى فضاء الأسرة) مع الإلمام ببذرة التحولات الاجتماعية والأخلاقية التي حدثت وما زال تحدث في المجتمع. ويمزج الكاتب أحياناً الجدية بالهزل المرح وحب المشاغلة المتخيل عبر الذاكرة مع شخصياته فيقول مترنماً عندما رأي على رفرف الدرًاجة الخلفي للنجار عبارة متكوبة أسفل عينٍ اجتهد الرساًم في إبرازها مضخمة الرموش وغليظة الأهداب” وخُطاك والهدب المكحل وفتنة التوب الأنيق”. (في غير ميعاد ص131-133).

      يكتسب الحيز والمكان في كتابة محمد حمد أهمية كبيرة، ويتجلى في أشكال ومستويات متعددة منها الأمكنة الجغرافية، وكذلك الأمكنة المتخيلة في قصة (فَلفَلَت ص138-148) و(كل شيء يعبر نحو سنجة ص19-20) و(جوبا ص 82-83) و(الفارس ص 89-93). يتضح لنا تداخل المكان بمعناه الجغرافي ومفهوم الحيز الأدبي الذي لا يمكن أن يتطابق مع الجغرافيا كعلم. هذه الثنائية السردية جعلت عملية اقتناص تلك الأمكنة والتعرف عليها من قبل المتلقي مصحوب بقدر من الدهشة والتشويق الجمالي الذهني المترابط أفقياً وراسياً.

      من كل ذلك يظهر أن ثقافته السودانية عالية جداً على المستوى الجغرافي والدلالي والرمزي، بالطبع لم تكن مستقاة من الكتب والمطالعة لوحدها، بل تنقل عبر ذاكرته السردية مع شاحنة نقل بضائع من وإلى بورتسودان وزار مدني بحكاياتها العامرة، ويعرف كل كبيرة وصغيرة عن خضرة الأُبيض، وجبل الداير، وأشجار التبلدي، يعرف السحب الركامية القريبة من سماء جوبا التي تهطل بسرعة وفي أي زمن. ويعرف جيداً الأطيان الخصبة المشققة في تربة  مدينة سِنجة ولا يمد “المُدقاب” ليقطف المانجو الناضجة. لأن ثمار المانجو تتساقط على روؤس الناس في تلك الجغرافية، ولا يجد مستثمر من البلد أو من خارج البلد لكي يوظفه بالطريقة الصحيحة. وتجول بالتاكيد في البراري الخصبة متنقلاً بين دار حَمَر ودار الريح وحتى تخوم جبال النوبة الوعرة، ويصعد ويهبط بسلالم داخلية تهراقا ويشرب الشاي “البرمكي”عند عم عبدالله بكلية الآداب في وقت الظهيرة.

      يستخدم الكاتب لغة أدبية عالية جداً من حيث (السرد والحوار والوصف) ليعالج مواضيع مثل الحرب في قصة “الهادي المجنون” وفي قصة “منابع” يتلطف بالحب والهيام ودومات العشق. وفي قصة “النسيويني” يمزج السخرية بوقار الموت والتشييع. ويفتح آفاق جديدة لقضية المرأة في قصة “الفارس” عندما يقول : “لا تتوقف الأنوثة عثرة في طريق الفارس المغوار”. ويتحدث بفرح طفولي عن يوم الختان والأعمال الحرفية وأعمال المنزل كالخياطة والتطريز وإصلاح الدولاب ويفتح فجة جديدة عن علاقات العمل اليومية عندما يقول في قصة (ود الحرام) “انتظرت الترحيل الذي يقل أمي من المصنع حيث تعمل في تعبئة وصب الجرسلين في عبوات زجاجية وإلصاق الديباجات الوقية عليها”. ويتدثر حباً بفرح نتائج الشهادة السودانية فيشكل الصورة البصرية عن طريق السرد والحكاية. فاللغة كانت العامل الأكثر قدرة على شد المتلقي وجذبه وإثارته لتكوين تأويله الذاتي عن العمل المنجز. لذا جاءت لغة (أزاميل) محتشدة بالصور البلاغية وعدم المباشرة وبشعرية طافحة رنانة.

      يستخدم  الكاتب لغة شعرية في حالة الإعتراف لأن وظيفة الشعر يتطلب التداعي الحر. في قصة (غناء ص29) و(صباح الخير غناء ص112) و(مساء النور ص113) يستخدم تكنيك المقابلة وحسن البديع. انتهي مقطع صباح الخير ب “قولي لي أي شيء ليصبح صباحي صباح الزهرات المستحيلة الحدوث في وجهك” ليبدأ في الصفحة الأخرى بقصة مختلفة بمقطع ” قولي لي مساء النور لأبلُغني مثل عائد من منفى بعيد وطويل آملاً في كوب شاي مع ذكرياته، طفولته، شارع بيته وأهله الذين يئسوا من انتظار ضحكته”. وهنا يظهر التاويل بلا عذر جمالي لخلق التخيل والاندهاش. وفي كتابات محمد حمد تتكرر النكات العملية الممتعة في جمل قصيرة حوارية ويظهر المزاح والفكاهة، في الأمثال والعبارات المزخرفة بالبلاغة مثل اقواله “عرقي مستورة البحمض الصورة” ” اريتو ما ينفعك يا بت الغلفاء” و” طيرة جغجاغة” و” فلانة ديك متكوعبة مع نسابتها الأيام دي تغزز في كيانها وتصرصر في وشها {ضَايقة} اليوم كلو وتتنهف” في اللحظة التي يستعد فيها الكاتب لإلقاء نكتة وخاصة النكات ذات الإيحاء الجنسي داخل الكتابة فإنه يتخذ حيلاً تكنيكية في هيئة تراثية وبنغمة درامية متخيلة تنحل من تشحيذ ملكة التخيل في أقصى صورها، تجعل الكلمات تتداخل بنعومة في احدها الآخر ولا يحس بها إلا الشخص الذي يعيش في حالات من التوحد والإبداع الشامل والحس الفكاهي ذات الوجدان السليم.

      بشكل عام اخلص الكاتب للقيم الجمالية واستجاب إستجابة المبدع الحصيف لحالة العالم الخارجي عندما استدعى شخوصه ومواضيعه وامكنته، واكد على فن الكتابة عوضاً عن محاكاة الواقع الخارجي على نحو فوتوغرافي.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة