الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: أنسنة الحيوات في رواية القلب الخشبي .. دولاب أمي

قراءات: أنسنة الحيوات في رواية القلب الخشبي .. دولاب أمي

عمر

بقلم: عمر النعمة أرباب

توطئة

صدرت رواية القلب الخشبي .. دولاب أمي عن دار المصورات في العام 2014م، كواحدة من حلقات مشروع عبدالغني كرم الله الروائي، وأتت الرواية في كتاب من القطع الصغير حوالي 82 صفحة، في شكل ستة فصول ومقدمة في النهاية.

وزن القصيدة صعب،

أم زمن الفجيعة?

وعزة تستباح

والنيل يعرض في المزاد

من يشتري مشاعري،

 وسقف بيتنا وحدوة الحصان?

عبدالغني كرم الله

تقدمة

      الدخول إلى عالم، بل عوالم عبدالغني كرم الله، يحتاج لأكثر من العزيمة والذكاء، فالعالم الثري في البداهات وطفولة الجمال والاندياح الروحي، يحتاج  لمسبار روحي يغوص في فضاء الإلهام ويتتبع حبات الإبداع المنظومة عقداً من سماء تقذف في وجهك ضوء النجوم.

     عبدالغني لا يكتب بيده، بل يستل ريشة من روحه ليسطر في فضاء رؤاك كلمات لا تشبه إلا صورته المنعكسة من ثراء الروح، ورغم خطورة المغامرة وقلة الإمكانات، ها نحن قد امتطينا حدوة القمر لنستكشف ونتنزه في عوالم كرم الله، علنا نثمل من الحوار والمثاقفة معها، ثم نعود بكامل الصحو والصفاء.

أنسنة الحيوات

      العالم عند عبدالغني ليس ساكن وجامد، بل موار بالحركة والتفاعل والتداخل، فليس ثمة جماد وحيوان وإنسان، بل الجميع يتواصلون ويتداخلون ويتحابون ويتساكنون في ألفة آسرة، حتى الدولاب يبكي ويحب ويتمسك بالمكان والصورة أيضاً تتفاعل مع ما حولها، (تخفي أمي خبيز كعك العيد في جردل ملون، مرسومة عليه ثلاثة فتيات يمسكن ايديهن، يرقصن حول الجردل، كأنهن مثلي يعشقن الخبيز) هنا الصورة ليست صورة ساكنة وميتة بل روح تتحرك وتترقص، فالثلاث فتيات يرقصن ويتحايثن مع عالمه بل يشعر بوجودهن وكينونتهن، وينشغل بهن حتى عن الخبيز الذي يبحث عنه، يا له من عالم و يا لها من روح، روح محب صوفي هائم بجمال الكون فيرى الجمال في كل العوالم.

      الحواس عند عبدالغني تقوم بوظائف أخرى غير المناط بها القيام بها (أنفي ترى في الظلام أكثر، تحدد هدفها بدقة أكثر من عيون الرادارات والبوصلة) هنا حاسة الشم تحولت إلى حواس أخرى، بل إلى جهاز حساس يسبر ما يريد بكل سهولة ويسر، شأن العارف الذي تنقاد له العوالم فعبد الغني موقن تماماً (لو تعلق قلب طفل بالثريا لنالها) فالأمر أمر قلب وروح وسير على شرطهما، بل الأمر أعظم من ذلك، أنفه لا تبحث عن الروائح بل هي مغناطيس كوني جاذب (الروائح تحب أنفي، تخبرني، أين يقع الجردل) والروائح ذاتها حيوات تحس وتتفاعل وتتشيطن (رسولة رقيقة، تتلوى، وتنسل من أظلم الأماكن واخفاها، تجري برشاقة في طرق متعرجة أكثر من الأمعاء الدقيقة، بخطوات حذرة كي لا تسمعها أمي أو أختي) فهنا الروائح ليس دليلاً يقود صاحبه إلى ما يريد، بل دليل يميز صاحبه عن ما حوله فيهديه للذي يريده ويعزل غيره بحيث لا يشعرون بالذي يجري! وكذلك الروائح تهمس له وتسارره بما لا يعرفه (الجردل مدسوس وراء الكرتونة المرسوم عليها علبة لبن نيدو صفراء كبيرة) إنه لأمر عجب، فيا حيوات خيال الإبداع اركبي، فأتني أيتها الروائح بالخبيز، إنه عالم خاص تخلقه حيوات عبدالغني معه، ورسل عبد الغني غير الروائح كثر.

     كذلك ضوء الشمس يصير كائناً برأسه وعنقه، يبصر، بل ويتطفل (حتى ضوء الشمس الذي يحشر رأسه من النافذة، وتلعب على ظهره اللين ذرات ماكرة، تلف وتدور فيه، أحسه عنقاً للشمس يتطفل مثلي: ماذا يحوي هذا الدولاب?. وحتى الملابس تتحول إلى حيوات ترقد بسلام وأمان ومحبة تصنع عالما بهيجاً مع بعضها ولا تبكي ولا تختلف حتى يلبسها الإنسان (الضلفة اليسرى لي وأختي وبنت خالي معاً، ملابسنا تنام فيها دونما أي اختلاف وعراك، ترخي ذيلها وكمها، وترقد في أمن وأمان) ولكن نفس الملابس الآمنة حين تلبس ويحصل العراك والاختلاف تتحول إلى كائنات أخرى تصرخ وتئن (وحين نلبسها نتعارك دوما، فتصرخ الملابس وتتمزق، حتى يسمع انينها سكان القبور، وتحن للرف والسكينة وجلسة أنيسة في دفء الدولاب).

     الحكاية التي تحكى له هي حكاية حية متجسدة  تتحرك في جميع العوالم (أبي يحكي الحكاية وكأنه رآها بل بطلها، وهو يحكي عن العبيد ود ريا، وإدريس ود الأرباب لا كأموات، بل يعيشون هنا وهناك، يسكنون معنا في البيت لكن لا نراهم، كما لا نرى الملائكة والصوت والعطور).

     المرآة والتي يحتضنها الدولاب الخشبي هي كائن حي، مخلص وصادق وجميل، وهي لا تتجمل وتجامل حتى مع من بيده السيطرة، فالمرآة (صديقة وفية ترسم الوجه الجميل جميلا، لم تجامل حتى شيخ الحلة ذو الشلوخ والجبهة البارزة، رسمته كما هو، حتى كادت جبهتيه أن تتصادما، ويكسر مرآتنا) بل المرآة تشعر بالكائنات الأخرى فتقربها إلى ما تريد، فالشجرة شرق البيت ولكن بسبب المرآة التي ترى فيها تصير غربا (كأن المرآة شعرت بضجر الشجرة فحملتها بلطف غرب القرية كي ترى النيل الذي يسقيها من تحت جذورها دون من أو سلوى) بل المرآة تذهب إلى أبعد من ذلك فهي تحاكي ساكني البيت وتفعل كما يفعلون (المرآة تحاكي حياة الغرفة، فتنة بها، وتندندن الملامح، كما هي، حتى المرآة أدخلت في قلبها صورة غرفتنا الزاهدة، كي تؤنس سريرتها).

     الأرقام عند عبدالغني عوالم وحيوات، فأرقام جواز والده الذي يحتضنه الرف الأعلى من الدولاب، والذي رقمه (48591) فكل رقم عنده يعني شيئا مختلفاً فالرقم 8 يعني (يبدو لي كخيمة تجلس في ظلها آمنة، والرقم (5) شمس جالسة على سرير الأفق، والرقم (9) صفارة معلقة على مسمار في دكان ود السالم) وحتى لون الجواز الأزرق يمثل حياة أخرى فهو (مثل حنان النبي).

     أما الدولاب بطل الرواية وروح عالمهم، وجليس بيتهم الذي لا يمل، فهو يمثل العالم الكبير أو الروح الكبيرة أو رحم العالم، تتداخل فيه العوالم، تختلط وتتجاور، فهو مجموعة حيوات بل هو عالم يحتضن بداخله حيوات كثيرة، فضلفه (جفون الليل) يأوي الأسرار والاحلام ويحمل بداخله كل الحياة، يحفظ الأشياء وحاجياتهم (يذكرنا بها، كما هي، فكم نسيت أنني أملك فانلة صفراء، وظل ثلاث سنوات يتذكرها، وحين صعدت الدرج الأعلى، وجدتها نظيفة لم تكبر ولو يوم واحد)، بل الدولاب صار قلباً (صار كقلب البيت، قلب طيب لا يفشي السر ولا يبوح ولا ينسى، كالإله في سمائه)، بل صار أنيساً ومكمن سر للوالدة تبثه أوجاعها (حتى مرضها لا يعرفه سوى الله، وهي، وقلب الدولاب). والدولاب الذي يحفظ الأسرار ويصونها صار جزءاً مهما من عالم البيت بل هو عالم البيت، وعندما أتت لحظة بيعه لأن الدنيا كشرت لهم أنيابها، رفض الدولاب أن يخرج من البيت (رفض الدولاب الخروج من الغرفة، كأن باب الغرفة ضاق) رغم أن نفس الباب قد ادخل به، (كأنه كان يأكل ويشرب وينمو معنا، دخل البيت طفلاً غريراً والآن شيخاً وقوراً) فالدولاب هنا أصبح كائنا حياً، يصيبه ما يصيب الإنسان، ويمر بمراحل الإنسان.

     وعندما أخذ الدولاب إلى السوق ولم يشتره أحد، كأنه أعمى بصيرة الغير وألف أهله، فعندما اخذت أصحابه سنة من النعاس وناموا، عاد تحمله الكارو، بل كان هو يقود الكارو إلى أن وصل البيت (ومنهم من أقسم بأن الحمار همس للدولاب: فلنمض إلى الدار، إلى الوطن) وتم الترحيب بعودة الحبيب (وصرخت اخواتي الدولاب جا، الدولاب جا) (ومن أعجب الأمور، دخل بباب الغرفة بسلاسة، بل وشوق ولم يعاند، مثل عناده حين هممنا بإخراجه إلى السوق)

عروج أخير

      صديقي القارئ ها نحن قد خرجنا من عوالم عبدالغني الغنية بالأنسنة، فالعالم عنده بطفولته الروحية وجماله البهيج، هو ما يمكن أن نطلق عليه عالم مكتوب بأحرف معزوفة من سيمفونية الروح.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة