الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات : إذاعة الأغاني .. عمر طاهر

قراءات : إذاعة الأغاني .. عمر طاهر

عمر

أول مرة أتعرف على عمر طاهر كانت أثناء ملاحقة مقاطع للجميل بلال فضل حين حل الأخير ضيفًا على الأول، وتوقف الأمر عند هذه المعرفة ربما لأن عمر المذيع لم يستفز فيَّ رغبة البحث عن عمر الكاتب حتى وقعت على هذا الكتاب مصادفة أثناء التجوال على مواقع تحميل الكتب الالكترونية، والذي بدا عنوانه المبهم ملفتًا لاقتحام محتواه والتعرف على ماهيته .

يقول عمر عن فكرة الكتاب والعنوان : ” جاءت فكرة كتاب “إذاعة الأغاني” خلال استماعي لمجموعة من الأغنيات الحزينة للفنان هاني شاكر، فشعرت بأن هذه النوعية من الأغاني لا تليق بشكل ووسامة شاكر، فكتبت ذلك خلال منشور على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، تحت هاشتاج “إذاعة الأغاني” فأحد الأصدقاء ظنّ أن هذا اسم كتاب جديد أقوم بإعداده فأعجبني الاسم، واخترته لكتابي بالفعل ” ، ومنذ العام 2009 الذي بدأ فيه عمر التدوين على شكل مقتطفات رغم عدم نضوج الفكرة وتبلورها بعد ..

يختلف وقع الأغاني باختلاف اللحظات التي طرقت فيها على مسامعنا ؛ إذ يربط الجميع بينها وبين المواقف بما يشبه ” الفأل ” أو ” الشؤم ” ؛ فالأغنية التي سمعتها وأنت عاشق لا تشبه الأغنية التي لازمتك عند الفراق ، وفي إذاعة الأغاني لا يؤرخ عمر للأغنيات بتاريخها لكنه يكتب عنها متماهية مع حياته هو منذ سنوات المراهقة ولحظات الانفتاح الأولى على العالم مرورًا بمرحلة الجامعة ، ثم العمل في مهنة المتاعب التي يعشقها ، مزينًا هذه الحكايات بكثير من الأصدقاء، الأقارب ، الحبيبات ، الغرباء ، بل حتى سيارته كانت حاضرة في واحد من أجمل فصول الكتاب .

أغنية تخلق الحكاية ، وسرد تصنع منه الأغنية حكاية ، يتبادلان الأدوار بين أغنية وأخرى ، فنان ونظيره ، لحن ومثيله ، دون التزام زمني بتاريخ صدور هذه الأعمال . عمر يُسمِعك الأغاني من جديد رغم الطابع الشخصي للسرد إلا أنك ستجد نفسك في أغنية ما تقطع ارتخاء مسبحة الذاكرة لتتساقط الذكريات ، من ثم يعيد دوزنة الحالة المزاجية الخاصة بك ليخبرك أن القدر لم يكن يكتب النجاح لأصوات ما لولا أنها تهّون على ما يشبهها من أرواح المستمعين .

ثمة ربط عبقري بين الحكايات و ” روقان ” عالي في رصف الكلمات لتبدو شخصيات الكتاب نفسها كما لو كانت أغاني تحركها الألحان ، لتجد نفسك أمام مزيج من القصص التي تمنح كل أغنية ألقًا جديدًا لا بد أن تتذكره كلما استمتعت إليها في مكان ما ، فأينما سمعت الفنانة نجاة علي ستتذكر عمة صديق الكاتب ، تلك الشامية الخمسينية ذات الحس الفكاهي واللسان السليط ، وفي كل مرة ستدندن فيها مع عمرو دياب وهو يغني لن يسقط من ذاكرتك صديق الكاتب الذي حاول الانتحار لكن حفلة الهضبة أخرجته من حالة الاكتئاب والسوداوية حين صرخ : ” من كم سنة وأنا ميال .. ميااال ” .

إذاعة الأغاني لم تكن حكرًا على الطرب المصري ، بل طافت الشام والمغرب العربي ووصلت إلى الهند ، أسماء فنية ستسمعها لأول مرة ربما مثل أحمد فكرون ، وأغاني جديدة لفنانين تعرفهم مثل ” بختة ” للشاب خالد ، كل ذلك داخل 214 صفحة تنام مليئة بالجمال بين دفتي هذا الكتاب ، والذي بلا شك هو من نوعية الكتب التي سوف تعود إليها لنتذكر القصة كلما سمعت الأغنية ، فبينما تجري الحياة .. ثمة أغنية ما تدور في الخلفية و بينما تدور أغنية ما .. ثمة حياة تجري في الخلفية كما يؤكد عمر طاهر في مقدمة كتابه .

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .