الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: السوس وكائنات أخرى”قراءة في رواية السوس لسارة الجاك”

قراءات: السوس وكائنات أخرى”قراءة في رواية السوس لسارة الجاك”

سارة-حمزة-الجاك

بقلم: فائز حسن مصطفى

هي رحلة من الدهشة والعوالم السحرية استمرت لأكثر من مائتي صفحة مع رواية “السوس” للكاتبة الشابة سارة حمزة الجاك ، السوس عمل تأخذك أحداثه جيئةً وذهابًا بين ما هو واقعي وما هو متخيل دون أن ينقطع بك الخيط الرفيع الذي يربط بينهما وعندما أقول واقعي هنا لا أقصد الواقع اليومي الذي نعيشه خارج فعل الكتابة،وإنما أقصد تلك المنطقة من الخيال التي تبدو للقارئ العادي وكأنها وقائع عادية موغلة في اليومية إذ أنه حتى في الخيال ثمة هنالك ما هو مألوف بالنسبة لنا.

 في هذه الرواية أظهر الكاتب مهارة فائقة في شد وإرخاء هذا الخيط، تشعر بأنفاسك تعلو وتهبط وأنت تقفز من حدث لآخر. فأحداث هذه الرواية هي رحلة بحث عن “سماح” التي حبسها” المالعنو” داخل تلك الدائرة الخفية في منطقة الطيف اللامرئي هي و”المايسترو” و”سارية” التي نفاها إلى هناك “الكائن إكس” سيد المالعنو ومعاونوه السوسيون بسبب إصرارها على البحث عن سماح. وسماح في هذه الرواية تمثل رمزية للصديقة والأخت والحبيبة،والوطن،والثورة المسروقة،هي رمز للخير والحب والجمال،هي رمز لحواء التي هبطت مع آدم إلى الأرض وكانت له الرفيق في رحلته من البربرية إلى الحداثة فكان هو كارثتها ومنفاها الأخير وكان هذا بشهادة الشخصيات التي قطعت مسافة كل هذه الرحلة  للبحث عن سماح داخل أحداث الرواية، لذلك أعتقد بأن الكاتب قد وفق لحد كبير في اختياره للشخوص وإعطائه لكل شخصية هالة الضوء التي تستحقها ومن غير أن يركز بشكل أساسي على شخصية مركزية تدور حولها الأحداث ويكون من سواها هم مجرد قطع للزينة تكمل المشهد فقط، وهذه حقا فكرة مغايرة لما هو مألوف في معظم السرديات التي قرأتها،إذ انك وبعد أن تكمل قراءتك لل “السوس” لن تستطيع أن تجزم بأن من كان هو البطل الفعلي من بين شخوص هذه الرواية، فالكاتب جعل لكل شخصية دورها وتفاصيلها التي أثرت بشكل واضح على مجريات الأحداث.الراوي “الناقل” كان كاميرا تنقل الأحداث كما هي ولا تتدخل لتؤثر في مجريات الأحداث، وهذا ما جعلني أتبع خطوات الراوي وأفتح بيني وبينه بابا من الثقة لم ينغلق إلا مع آخر صفحة من صفحات الرواية. أما اللغة التي كتبت بها الرواية فهي لغة رصينة وبسيطة وموجزة، وأنت تقرأ مابين السطور تشعر بأنك تقضم الكلمات قضما من حلاوة التعابير وجمال الاستعارات. لقد أشار الكاتب في سياق السرد إلى موضوعات تحتاج لتسليط المزيد من الضوء عليها وكأنه كان يقول للقارئ :

لقد رميت لك الكرة في ملعبك فماذا أنت فاعل بها ؟، فمرافقة سارية لعالم الآثار الألماني “مايكل” إلى معابد النوبة في شمال السودان وما حدث خلال هذه الزيارة يلقي جبلا من الحصى في البئر الساكنة ليخرج صداها على هيأة سؤال ضخم ومر: أين نحن من تاريخ أجدادنا النوبة؟ .(نادى الهاتف عمي النيل،آمن بنبوءته، حفظ السفر، ذات السفر  الذي حفظته سارية في حلمها، نادوا البقية إلى دين سماح)،  “نداء” عمي النيل إلى دين سماح ودعوته للناس بإتباعه كان شيئا لا يمكن تجاوزه والمرور عليه هكذا سريعا دون الجلوس على علامات الاستفهام، وحياكة الأجوبة الكونية التي تفسر علاقتنا كبشر بالدين ومدى حوجتنا له في رحلتنا من العدم إلى العدم مرورا بالوجودية، الأجوبة التي تحسم جدلية هل الدين في الكتب أم فينا نحن؟، الأجوبة التي تثبت أو تنفي أننا ما أوجدنا المجتمعات إلا لأننا نهاب الوحدة، وما اختلقنا الدين إلا لنخفي خوفنا من المجهول، كذلك هو دين سماح الذي دعا إليه عمي النيل ليس سوى جثة من التساؤلات داخل تابوت من الأجوبة الكونية الحامضة. (تم ختان سماح والقمرية تسكن فوق أغصان شجرة النيم العتيقة، هذه القمرية وبحزن كانت تتابع مجريات تعميد سماح كفتاة مكتملة بعرف الناس، الذين لا يعلمون أو يتناسون أنهم وأدوها) ، وكأن الكاتب يصرخ بصوت سماح المختونة وفضيلة المغتصبة والتي أعدمت هكذا جورا لأنها دافعت عن جسدها الذي استباحهه عمر الإمام فمات وقضيبه في يدها يقطر منه الدم والعار الذي رافق ابنته سهام طيلة حياتها، كأنه كان يصرخ بصوت فضيلة، وسماح وسهام الذين قالوا وبصوت عالي :” أوقفوا العنف الذي يمارس علينا كسودانيات، أوقفوا العنف الذي يمارس على أي امرأة في هذا العالم”.

كما أعجبتني جدا فكرة إشارة الكاتب للنيل بلفظ “الروح” في كل أحداث الرواية واستدعائه لتاريخ السودان القديم وتسميته للنيلين الأزرق والأبيض بجيجون وقيشون ، كما ذكرا في الكتب القديمة تماما. كما دوختني النشوة وأنا أتنقل مع الكاتب من حدث لآخر ومن فكرة لأخرى بسلاسة ودون أن افقد تركيزي على البناء الكلي للسرد، وهذا  ما جعل الأفكار  تبدو كقطعة نرد وكل وجهين فيها يكونان رقما واحدا ذا معنى، كما أن استخدام الكاتب لتقنيات “الحبوبة” في الحكي أضاف للرواية الكثير من التشويق. فمشهد الطفلة في الفصل الدراسي وهي تحاول كتابة موضوع إنشائي عن (النفير والوحدة) فتستدعي مخيلتها لتحكي حكاية التوأم “الفريقة والوحيدة” فتتوالى الأحداث حتى يخرج من ذرية الوحيدة أربعة أبناء وبنتان هم ” عم النيل، الهادي، كوكو، الوازاوي، الميرم تاجا، تاجوج” وهم ليسوا سوى رموز لمناطق السودان المختلفة بكل تمايزاتها الثقافية،والدينية والعرقية لتصل للقارئ الرسالة مكتملة وغير مبتورة بأن ما يجمعنا في هذا الوطن أكثر بكثير مما يفرقنا، وأن ما يدفعنا نحو الحرب هو الأنانية فقط ، ولكن يوجد هنالك ألف سبب يستدعينا للنفير. “السوس” تجربة مختلفة من حيث تناول الموضوعات في فضاء الرواية والطريقة التي سلكها الكاتب للوصول إلى ذهنية القارئ، إذا تجاوزنا إسهاب الكاتب في “التفصيل الممل” في بعض الأجزاء من الرواية ولكن بطبيعة الحال ليس ثمة هنالك عمل أدبي مكتمل ولابد من وجود بعض الثغرات هنا وهناك، ولكنها في رأيي سردية تستحق القراءة، وتستحق أن نخرجها من ظل المكتبات إلى شمس النقد والتحليل، والنقاش .(اللحظة المضيئة في مكان ما داخلك، يغطيها الرماد اليومي، وتكفي هبة ريح صغيرة لتذروه فتعود لتضيء مرة أخرى).

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة