الرئيسية / العدد العاشر / قراءات : تعدد أصوات الرواة ، ومستويات السرد في رواية “صائد اليرقات” .. لأمير تاج السر

قراءات : تعدد أصوات الرواة ، ومستويات السرد في رواية “صائد اليرقات” .. لأمير تاج السر

قراءات

إبراهيم جعفر :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

إن رواية صائد اليرقات ، الصادرة في طبعتها الأولى عام 2010 عن دار “ثقافة” للنشر بالاشتراك مع دار “الإختلاف” ، والمترجمة لعدة لغات عالمية ، والتي دخلت القائمة القصيرة للبوكر العربي عام 2011 … تعد من أبرز المحطات في الأدب الروائي السوداني الحديث ، حيث تمكن أمير بلغته السهلة الغير مبتذلة و حنكة فلسفته العميقة ، من خلق عدة بيئات روائية متداخلة ومعقدة في عمل روائي واحد فقط ، و دون إرباك للقارئ أو تشتيت للفكرة البنيوية الأساسية للعمل ، حيث تضافرت كل الأصوات ، الأماكن ، الشخوص .. لبناية صرح فكري -لاذع- يجسد العلاقة بين رجال الأمن ، وطبقة الكتاب ، وهموم الإنسان البسيط !

الرواية يُحكى أغلبها بصورة “الأنا” على لسان (عبدالله حرفش أو فرفار) ، رجل الأمن المتقاعد ، والذي سُرّح من الخدمة جراء فقده إحدى ساقيه في حادث حركة أثناء العمل .. ليجد نفسه غارقاً في وحده فرضتها ظروف المهنة… 

وتبدأ عقدة الرواية عندما يقرر عبد الله فرفار ، رجل الأمن المتقاعد ، الخالي من العواطف ، الذي يعاني من مشكلة إعادة إدماجه في المجتمع ، والذي لم يسبق له أن كتب حرفاً غير التقارير الأمنية الروتينية .. وبكل تضاد ، أن يكتب رواية أدبية !

وهكذا يبدأ أمير روايته ، بجعل فرفار يذهب إلى أماكن تجمعات الأدباء في المقاهي ، فيتعرف على مائدة كاتب مشهور يدعى (أ. ت) ، يأمل فرفار من خلاله تحقيق غايته ، ويغرم بطقوس كتابته ، ويتمكن من الحصول على إحدى روايته الصادرة حديثاً -على سريري ماتت إيفا- التي يقوم بشرائها وقراءتها ..

في هذه الفصول الأولى ، برع أمير تاج السر في إيضاح مُعاناة عبد الله فرفار وطابعه الأمني ، حيث نجد أن كل أسماء المحيطين به هي عبارة عن حروف مختصرة وألقاب ، مثلا عمته (ث) و زوجها المُدلِّك ، و شخصيه المشجع ودافن القبور (ع. د) ، والروائي (أ. ت) …إلخ، كما أنه أرانا تماما الوحدة التي يعيشها فرفار و تأثيراتها عليه ؛ من رجل له مهابته واحترامه إلى مجرد شخص ذي ساق خشبية ، ووفر له التداعيات النفسية التي تجعله يود دخول عالم الرواية ، من شوق للفت الأنظار والشهرة و إشباع الذات ..

وفي الفصل الخامس ، عندما يقرأ عبد الله فرفار رواية (على سريري ماتت إيفا ) ، يختفي المسرح والبلاطة الروائية لفرفار ، و يظهر لنا ثوب رواية فرعي ، بطبقة صوت روائي آخر ، يحكي على لسان “أنا” مختلفة ، بتداعيات ذاكرة جديدة ، وعقدة مغايرة ، وشخوص جدد ، ومكان رواية بعيد كل البعد -هو روسيا … ثم ومن جديد في الفصل السادس يعود بنا أمير تاج السر لعالم فرفار وتقلباته ، وهكذا دواليك بتناوب الفصول حتى الثامن ، وبمهارة سرد فائقة ، دون الإخلال بالقارئ أو التشويش على مخيلته.. يوازن لنا أمير بين صوتين روائيين ، ومعالجات مغايرة . وبمعنى أدق ، يسرد أمير وقائع رواية فرعية كتبها أحد شخوص الرواية داخل الرواية الأم عبر قراءة عبد الله فرفار لها !

الروية الفرعية -إن جاز التعبير- تحكي قصة شاب سوداني ، درس الإخراج في موسكو ، ثم عاد إلى السودان ليُصدم بالواقع المؤلم للحركة الفنية فيه ، فينتج خلال الخمس سنوات التي قضاها في السودان فلماً واحداً فقط … ثم حينما يُدعى لملتقى السينما السنوي في روسيا ، يجد نفسه عالقاً في وقائع حب مجنون لشخصية إيفا ، محاولاً قدر الإمكان الوصول إليها ، وعندما ينجح ، وبغرابة شديدة ، يتخلى عنها ويذهب مع سيدة أخرى !

هذه القصة الفرعية ، التي لم تتعدَ الثلاثة فصول ، والتي يصلنا إدراكها كاملا من خلال قراءة فرفار وانطباعاته الشخصية ، وانبهاره بها ، وعدم استيعابه للنهاية الغريبة … تبرهن مساحات مخيلة أمير الخصبة .

عبد الله فرفار الذي أعجبته رواية (أ. ت) يقرر البدء بكتابة روايته الخاصة فعلياً ، ويبدأ أولى محاولاته الجادة ، فيخرج لنا طبقة صوتية باهته ، بمستوى سرد أشبه بالنمط التقريري لرجال الأمن ، ركيك وخالي من الصور .. فتكون هذه المحاولة هي اليرقه البدائية التي اصطادها فرفار ، وما إن يعرض هذا النتاج الكتابي على (أ. ت) ، حتى يقوم الأخير بإرشاده لمفهوم كتابة الرواية ، ويدله على الطريقة المثلى لتحويل كتاباته من مجرد يرقات ميتة ، إلى فراشات كاملة النمو ؛ ومن هنا اُستُشِف عنوان الرواية ..

وتستمر الأحداث في التقلب الدرامي الساخر ، عن الشخصيات التي يسعى عبدالله فرفار لصيدها وتحويل يرقاتها لحشرات طائرة .. حيث يجد في المدلك زوج عمته حالة سردية مناسبة ، وأيضاً في (ع. د) مشجع الكرة ودافن القبور ، ويجتهد في استغلال الكوميديا التراجيدية ، ومنح الخيال والعواطف ..

وهنا ، وبلا إيضاحات ، نستنتج أن أمير قد أعاد فرفار إلى المجتمع ، ونزع عنه ثوب الأمن … ومنحه الأحاسيس الإنسانية والشعور ، فنجده تارة متعاطفاً مع (ع. د) في محنة جنونه وموته ، وتارة أخرى مجاملاً لزوج عمته ومؤازراً له ، ومرة مغتاظاً من الكاتبة (س) وطريقة كتابتها ، أو مصاباً بالتوترات العصبية والإغماء حين يظن أن الروائي (أ. ت) يتهرب منه بعد سرقة يرقاته الروائية.. بل أننا نجده خائفاً ومرعوباً ، تماماً كمواطن عادي ، حين يعرف أن ملفاً أمنياً قد فتح له شخصياً ، لدراسة نشاطاته الأدبية الجديدة !

مع كل هذه الاضطرابات النفسية ، والاعتقاد الجازم بأن الكاتب (أ. ت) سرق رواية فرفار الوليدة .. يُستدعى عبدالله فرفار مجدداً من قبل جهاز الأمن ، وبدل الزج به في السجن على علاقاته مع شخصيات أدبية مشبوهة ، يُطلب منه الرجوع إلى مزاولة المهنة ، وتتم ترقيته ليراقب هذه الشخصيات عن قرب ، وعندما لا يكون أمامه من خيار ، يجد نفسه مرغماً على العودة لممارسة التحري. فيقرر توديع العالم الأدب الجميل الذي اكتشفه ، وما إن يقابل فرفار الكاتب (أ. ت) ، ﻷخر مرة ، ويخبره الأخير أنه لم يسرق شخوص روايته بتاتاً ، وإنما استلهم (فرفار) نفسه ، وكتب حكاية عن رجل أمن متقاعد يدخل مجال الأدب ، محاولا كتابة روايته الأولى ، لكنه في النهاية ، وفقط لأجل الحبكة ، يعود لخدمة الأمن .. وأطلق عليها (أ. ت) اسم (صائد اليرقات) !!

هذه النهاية ، المتداخلة ، في مستويات سردها الثلاثة ، بين ما كتبه الراوي الفعلي ، وبين ما جعله للكاتب (أ. ت) وما تركه لحياة فرفار الحقيقية .. تمنح القارئ حرية تكوين مخرج في لا وعيه ، عن أي مستوى سيستند عليه .

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

أضف تعليقاً