الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات : حول بعض الفضاء

قراءات : حول بعض الفضاء

مريم

عبر جيل جديد أحتفي بصدور المجموعة القصصية الأولى للقاص والإعلامي أمين عام منتدى السرد والنقد ، شاذلي جعفر شقاق . وقد سبق أن تناول الأستاذ علي يس قصتين منها في إحدى أمسيات القراءات القصصية والنقدية بمنتدى السرد والنقد ، بالعام الماضي … قبل أن ترى المجموعة النور .

بلغة مسبوكة ، مسبوكة أكثر ” وقد كان لهذا الأكثر أثره في بعض النصوص ” جاءت المجموعة الأولى ” فضاء آيل للغروب ” بطعم مميز صاخب … تكونت من خمسة عشر نصا بدءا ب ” الاصطباحية ” وختاما ب “وصية على الجسر ” … بدءا باستنفار الأصابع في عملية لف وبرم وانتهاءا بتشظي الذات وإسرافها في التشظي ، إلى العدم . كأنما تلك نهاية حتمية لذات المسطول .

في تلك النصوص التي يتصاعد منها الدخان ، انتهج الكاتب آلية التصاعد : مرحلة “إيلاج الليل في النهار” ثم ” أثناء الدخان ” إلى أن ” غيض الدخان ” في كشف السلطة وممارسات المسطولين بالسلطة على الشعب المسكين المسطول بسطلة السلطة .

ففي قصة ” شوشوة ” ، ما الذي يدعو رجلا يسمى ” الطيب عبد الرحيم ” لأن ينادى شوشوة ، لدرجة أن ينسخ اللقب الاسم عدا بسجل الرقم الوطني ، إن لم يكن قد ” تشوش = سئمنا حكم العسكر ” بقعر السيجار ، وأدمنه . ولبدا اسمه إن نسخ ذاك الذي بالسجل مريبا ” شوشوة عبد الرحيم “

مشهد آخر من ضجيج الحافلة ، حينما التفت السائق نحو الركاب : أقلبها

ردت مسطولة : هوي آزول حذار أن تقلب السبورة

وقال أحدهم : سئمنا هذه الانقلابات وحكم العسكر  ما نريد هو التحول الديمقراطي والتبادل السلمي للسلطة .

في قصته ” ذهان كبريائي ” التي هي ” ذاك السطر الساخر بعد جلاء الخطر ” : هذه السلطة جاءت متنكرة لتعلمكم شيئا واحدا أن الأيام دول . كما جاءت عناوين الفضاء الآيل للغروب ” اصطباحية … شوشوة … هباب … ذهان ” فشوشوة من لا صوت له أدى إلى فصل ذاك الصوت المتخم بالسحت والعمولات التحت درجية .  فصاحبة الصوت ” صاحبة منهج الوحام الاداري ” فصلت المراسلة لسبب  بارانووي ” ثانيا : فصلت المراسلة لأنه عندما قال لها نعم ، فاحت منه رائحة سجائر اللورد . ولعلمكم هذا ليس انتهاكا للخصوصية أو تمايزا لأنها في اليوم ذاته شوهدت وهي تحشو غليون المدير العام بتبغ الملق والمداهنة في مكتبه الذي ينفث توابلا آسيوية وأشياء أخرى تسقط الصقر من السماء ، ولكن لتواضعها الجم وحساسيتها المرهفة تجاه اللورد كاسم فوقي “

في نصه ” سبابة تعتزل الوعيد ” وهي تحكي قصة رجل اعتلى كرسيا وثيرا بواسطة قطعة بنقو ، وتماهى مع أجواء الكراسي الوثيرة ، جاءه خطاب ذات يوم فالتمس من مستشاره القانوني أن يضع بين يديه خطبة من ” مزارع تسمين الكلام ” ، وكانت نتيجة المناورة تلك أن اجتثت سبابته.

من العسير على الذاكرة المرور بـ ” السبابة ” دون استحضار قصته ” تنكيسة الإبهام ” ” خارج المجموعة ” ، التي تشد على أوتار الغلاء وتنتهي بمشهد الرضيع وهو يرقص منكسا إبهامه تجاوبا مع عواء التلفاز  .

نجد صاحب القلم الصامد في وجه المواعيد العرقوبية وخبراء التسويف وتقديم المشيئات يضرب بقلمه حرا ، فقد استنطق الأصابع بحديث جميل جرئ صامت لو أنطق الشخوص بدلا عنها لفقدت الخطبة جمالها . القصتان تصوران لطبقتين من المجتمع ، طبقة رأس المال والطبقة الكادحة ، ولكن هل كان الرضيع يفقه ما يقال !  استخدم الكاتب إبهام الرضيع ـ منكسا ـ ليقول الكثير ، ليترجم عواء ولعلعة التلفاز ذاك المساء وكل مساء ، يترجمه مقارنة بواقعه .

خطبة بلا كلمات كادت تكلف الرضيع حياته ، كما كلفت الصبرة سبابته إذ لم تتقهقر جرذانه ولم يوحد الله ، ولكن توحد حلمه بلون الدم .

 

 

عن مريم خميس

mm
كاتبة من السودان