الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: رؤية البرزخ… مكاشفة الذات حين مواجهة الموت

قراءات: رؤية البرزخ… مكاشفة الذات حين مواجهة الموت

مكاشفة

      بروح صوفية قلقة، معذَّبة، تتوق إلى الخلاص، ولا تناله بسهولة؛ يحاور عثمان بشرى الكون كله، من خلال نصوصه الشِّعرية، التي تنضح بالأسئلة الوجودية العصية. فالشِّعر؛ وكما كان دائماً، هو سؤال الوجود والمصير، السيرورة والصيرورة، والكينونة المتحولة، التي لا تهدأ أبداً، ولا تستقر على حال. فهي تحمل في داخلها بذرة التكون الأول، التي تحترق بنار المعرفة، وتتشكّل في تنور التأمل، لتغالب أطوارها المتعددة، ورؤاها المتناقضة. فالا ثبات واللا يقين هما ديدنها، إذ تتأرجح دائماً ما بين الهنا والهناك، ما بين الحضور والغياب، ما بين الوجود والعدم. ولا شك أن الذات كلما اقتربت من الفناء أكثر أشتد إدراكها، وأزداد وعيها، واتضحت لها الأبعاد المعقدة لتجربتها الحياتية المحدودة؛ التي تتضاءل شيئاً فشيئاً أمام سعة الأبد. وهنا يصبح الخلود وأحواله هو هاجسها الأكبر، عندها تتحد كل الأسئلة لتصير سؤالاً واحداً، هل يكون؟

وأنا رَاقِد

على صفحة جناح الموت

أودع شهقة تِلو الشهقة

وأمسح من أصابعي الشوق

وأطفال الحنين الكهلِ

لاقِيتِك

      وحيداً، أعزلاً، وفي رفقة ذاته فقط، ذاته التي تتضح له جلية هنا، يقف عثمان بشرى في مواجهة الموت، في الما بين بين. ليختبر أشد التجارب الوجودية كثافة، وسطوة. حيث تبدأ الحياة بكل زخمها وضجيجها وانفعالاتها بالتراجع، وهو يمضي رويداً رويداً نحو حقيقته، حقيقته التي لن تكتمل إلا بعبوره إلى هناك، وعلى جناح الموت، حيث لا يمكنه العودة إلى هنا مرة أخرى، ليخبرنا ماذا في الما بعد، ماذا خلف الموت. لكنه، ودون أن يكمل رحلته، يخبرنا بما رآه، بما أنكشف له من أهوال، أو فالنقل تجليات مبهرة، لا حدود لصفائها أبداً.

كان بِينَاتْنَا مَافي كلام

ولا حَبْة ملح في القلب

كان القلب زَي عصفورة

حطت فوق عِشيش مَهَجورْ

تَنَتّف رِيشها مِن أقصى جناح في مِحّة

كانت نطفتها الأولى

إلى آخر جناح بَارَاهَا

في رحلة خلود حريتها الهَسّع

تَسلّم تِركَتو… وحَتْفوت

عَشَان تَنْبُت مَا بِين الغُصن

وبِين الجَاي مِن طير

يستعين بالحرفِ

أعشاش من سلامْ

      في حضرة الموت، وحين المكاشفة، يقف عثمان بشرى أمام ذاته، بدون كلام، ومن غير أي حوارات، لكنه يستمر في وصف ما يعتريه من أحوال، وما مر به من تحولات سابقة. فالشاعر لا يكف عن الإفصاح عن ما بداخل نفسه، حتى وإن كان يعلم أن لم يتبق له سوى لحظات، ولكنها ليست كأي لحظات بالطبع، لذلك ها هو يتوق إلى الخلود، ولا سبيل إليه، بحسب رؤيته، إلا عن طريق الحرف، الحرف الذي كان ملاذ له طول حياته، وسيكون رفيقه في الأبد أيضاً، ففي البدء كانت الكلمة، وستكون إلى ما لا نهاية.

ولاقِيتِك…

لاقِيتِك, سِمعتَ دَبِيبْ خُطى الحزن الشفيف بِينَاتْنَا

لا شَايل عَليِك اللَوم

ولا مِنِك قَطَف دَمْعَات

ومَسّح خُوفِي مِن فُرقَة وِلف أزلي

بِتَعرِفي لِيه أبِيّت أتْدلّى مِن هَادا الجَنَاح وأجِيك؟

      هنا تكتمل المواجهة بين عثمان وذاته، بين ما هو خالد وما هو زائل، ليتجاذبه الحنين، والخوف من الفراق، بعد رحلة طويلة، توحدا فيها حد اللا تمايز. وبالرغم من أن الفراق دائماً ما يختلط باللوم والعتاب والألم، إلا أن المقام هنا كان مقام الحزن فقط، الحزن الإنساني العميق، الذي يتجلى في أنبل صوره. وبرغم رغبته في البقاء، إلا أن نداء الرحيل كان ملحاً، وها هو عالق بينهما.

دَه أنا أمْبَارِح عِصِيرْ

والحُمى في الرُوح زَي شَمِس شِتْوية

تَنْفُض مِن نَوافِذ الجِتّة

آخِر حِسْ مَمَحّن في الجسد

مَرقَت رِويحتِي مَع المَغَارِب

وكُنتَ بَتْجوّل مَعَاهَا

في وادي الخلود الهادي

      بالرغم من أن التجربة تجربة روحية خالصة، إلا أن للجسد حضوره فيها، فما زال هو الوعاء الذي يضم هذه الروح، لذلك عليها أن تتحرر منه أولاً لتمضي إلى هنالك، إلى خلودها. وللجسد أوجاعه وآلامه أيضاً، فهو لن يتخلى عن روحه بسهولة، إلا بعد مكابدة. لكن الروح تصر على التحرر والانطلاق، فها هي تغادره، بعد شد وجذب، لتمضي إلى الما وراء، وترى ما هناك، لكن هل كانت مغادرة تامة، أم محض مكاشفة لا أكثر؟

لاقِيت الصِحاب الطيبين السُمر

لاقِيت المُغنين

الوَرِيفين

التَرَابْلَة

الأوفِياء

الأنْقِياء

الأتْقِياء

الأنْبِيَاء

البِيض

ولاقِيت العَصافير الأبَتّنَا

ورَوّحَتِ بِي خِيرهَا

تَشتُله بِي هِنَاك فِي الجَنّة

إنِتي الجَنَة… قَايلَه الجَنَة وين؟

هِي فِينَا

بَس نِحْنَا المُغَبّين مِن نَجَاسَتْنَا

وشَنَات طَبْع النِفُوس السُودَا

يا حِلِيلِك… وَيَا حِلِيلنَا

      أيمكن للإنسان أن يعيش دون رفاقه، الذي شاركوه أحزان حياته وأفراحها، وخاضوا معه جل صراعتها؟ هنا يعود عثمان من غربته الداخلية إلى من كانوا حوله ولكنهم مضوا، فها هو يلتقيهم مجدداً، هنالك حيث لا حدود، حيث لا يعكر صفو اللقاء هم الفراق، بكامل نضارتهم وبهائهم، بكامل حضورهم، بعد أن تخلصوا من قصورهم ومحدوديتهم، التي يذمها عثمان في ذاته وفي ذواتهم، ويردها إلى نجاسة النفس وطباعها السوداء، التي تمثل عائقاً بينها وبين جنتها، بينها وبين نعيمها الأبدي، فلا نعيم لديه يضاهي النفس الطاهرة، الصافية، والمطمئنة.

فَرْحَانِين لِقِيتْهُم يا شَقَاي

آي والله

فَرْحَانِين لِقيتْهُم يا شَقَاي

كَمَا الشّهقَة… النَدى

والعطر في أوج التواضع والنضوج

      يعود عثمان ليعلن عن غبطته بحالهم، بفرحهم الذي يحول بينه وبينه شقاؤه، فهو لم يتحرر بالكامل مثلهم حتى الآن، فما زال يقف في الما بين بين، تحلق روحه معهم، ويجذبه جسده للعودة مرة أخرى، وذاته تستمر في مناوشته من بعيد، يتمنى حالهم ويرتجيه، ولكن هل يكون؟

وزَي مَا إنْتِي شَايفَة الآن

لِقِيتِك واقفَة في برزخ مَفَارق الروح

وعِينِيكِ من أسى الفقد المهيب جواكِ

غِيمَات مِن كَبد

وزَي ما إنْتِي حَسرانة

وكأنه النيل يغيض في ملحة من دمعة حشاك

سألتك بالذي في العُمر تَبْتَبْنَاهو

رَاعِينَاهو لامِن شَبَّ

ما بِين الأُكُل والقطفِ…

لا تنوحي

لا تنوحي

ولا تِنْدَسّي فِي هَادا الكَفَن وتَرُوحِي

      هنا يبلغ التوتر مداه، فيوجه عثمان الخطاب لذاته، أو لروحه التي تتوق للخلود، وهو ما زال يؤمل في الهنا، برغم أنها تحلق هناك. فها هو يترجاها، ترجي ممزوج بالتذكير لما كان في الحياة السابقة بينهما من تفاصيل، بأن لا تنوح، ولا ترحل، فلم تحن ساعة الفراق بعد، بالرغم من التداخل الكثيف هنا ما بين المحدود والمطلق، ما بين الفناء والخلود.

أنا قَابَلتَ صَاحبي هِناك

مَعَاهو صِباَهو

أجمل ما يكون العَالَم التِحتَاني

أجمل ما يكون الأنْبِياء

فلا تْنُوحي

لا تْنُوحي

      يحاول عثمان تهدئة ذاته، وكفها عن النواح، بتذكيرها بأن كل ذلك ما هو إلا حالة من حالات التحول، لشكل آخر من الحياة، مطمئنا إياها بأنه قد التقا صاحبه هناك، في اجمل حالاته، صاحبه الذين يظن الكثيرون أن المعني به هو الأستاذ/ محمود محمد طه، ولكن لا أحد يعلم من هو، إلا عثمان بشرى نفسه.

حَفّوني الصِحَاب

الكَلفَتُونَا بحبهم فجأة ومشوا

خذلونا فينا

ولملموا الحلوات من اللحظات… مشوا

عَرّوا كِدب الدُنيا في هِندام بياعتنا ومشوا

ما استأذنونا عَشَان نَجَمّل حُزننا الطارئ

على فقد الندى الفِيهُم دَوَام

استعجلوا الليل البِسوّرِناَ ومشوا

      ويواصل عثمان في تطمين ذاته، بأنه أخيراً قد وجد أصحابه الذين يفتقدهم، والذين فارقوه على عجل، قبل أن تتوطد الأشياء بينهم. فقد بذروا الحب في ذاته، ولم ينتظروا ليقطفوا ثماره، بل مضوا هكذا، زاهدين في اللحظات الآتية، ليتركوه وحده، يعاني من هول الفقد، ويكابد الحزن، دون أن يستطيع إلى لحاقهم سبيلاً. لكن ها هو يلتقيهم مرة أخرى، فيعاتبهم عتاب المحب الشفوق، لا عتاب اللائم المُتَجنّي.

لِقِيت أمَاسِيهم بلا عَمد

الكَهَارِب ضَي نُفوسهم

والوَسَامَات والبَها

قَالَولِي وين ما تَمْشِي هَادا الوادي أخضر

والقُطُوف دَانِيات

ومَيّل باليمين تَلقَانا زَارعِنْلك قَفا يَسِنْدَك

ومَيّل بالشمال… بَابِين، وشُبَاك مِن صُحَا

بَنَاتَك في يَسَارَك

والأبَارِيق إن تَرِيد تَرعى

وإن تِتشَهى لَبنَ الطير يَجِيك

      أي نعيم هذا؟ بل أي مسرة تلك التي حاذها؟ فها هو يوغل في الوصف لحالهم وحاله معهم، وهم في تمام نقائهم، لا تشوبهم شائبه. وهو معهم هنالك في الرحابة، يحفونه بعنايتهم، ويشملونه برعايتهم، لتهدأ هواجس الفقد بداخله، ومن ثم يطمئن لاكتمال اللقاء، وتمام التوحد. فكل ما يشتهيه هنا، وكل ما يتمناه لديهم، حتى المستحيل نفسه يجلبونه لأجله، وكأنه يقول أن الأصدقاء هم الملاذ الآمن، والملجأ الذي لا بديل له أبداً.

وأنا رَاقِد عَلى صفحة جناح الموت

لِقِيتِك

وكانوا أدُونِي الإذن مختوم

أسوّي أُمُورِي بِي هِنا فِي الهَلاك

مَا قَدِيت سِلِك هَربَان

ولا حَسِيت بِوحِشَة إنِك المفقودة

إلا وإنِتيِ فِي هَادا المَعَاك

مِن حُزنِ في مَطْمُورَة اسمها دُنيا

      هنا يعود عثمان مرة أخرى لتطمين ذاته، وليؤكد لها بأن وقت الرحيل لم يحن بعد، وأنه ما زال حياً، معها، ولم يحس بفقدها. وها هو يعود لمكابدة الحياة من جديد، لكن رجعته لم تكن هرباً من الموت، ولا خوفاً من مواجهته، وإنما قد مُنِح الإذن من جهة عليا، ليعود ويسوي ما تبقى له هنا من أشياء عالقة، فلا يليق به المضي وهو ما زال مدنساً وملوثاً بخطاياه، لذلك عليه التطهر منها أولاً، ومن ثم يرحل نقياً وخفيفاً كما جاء إلى الدنيا.

آُفٍ مِن جسد مَعطوبْ

ومِن طِين مُستباحاً… مُستَلاك

وكان عَايَنتَ فِي الطين المُسجّى

على جناح الموت… أنا

إقْشَعَرّيت

إسْتَعرّيِت

أو خجلتَ عليّا

مِن عَفَناً بِرانِي عُمُر

حَمَلتُو

وكان عَليهو يَقُودِني مَظنّة نَحو الضَوْ

ويَتْفَادَى العِرَاك

ووِلاد أباليسك يَوَسوسِوا فِي بِيوتَ النفسِ

في غُرف المَلذّات الحميمة

كأنما الوِجْدَان تَكَايِة

ورَعشة الحِس إشْتِرَاك

      لا يتمهل عثمان، الصوفي المعذب، حتى يفوق من غفوته، ويعود لصحوه الكامل، وإنما يشرع في محاسبة نفسه ومعاتبتها بقسوة، وكأنه يعلن بداية صفحة جديدة، تختلف عن ما كان في السابق. فها هو يحاول نفي الدنس الذي يكبل جسده، ويخالط الطين فيه، معللاً ذلك بأن قصوره يرجع إليه، وأنه قد خدعه مراراً وتكراراً في حياته السابقة، وزين له الظن كيقين، لكنه لم يجني من ذلك شيء سوى الهلاك. لذلك ها هو يحاول الهرب من وسوسات أباليس نفسه، بعد أن استباحوا ذاته وأغرقوه في الملذات، لكنه لن يستسلم لهم هذه المرة، فلم يعد لهم مكان داخل ذاته، وعليهم المغادرة فوراً!.

وعلى مدى الشُوف

القِبِيل دَرَبْني

أقرأ الآدمية كمغزى

أقرأ الآدمية كورطة

وأبْرَى الليل شِرَاك

أسرجت خيل المعنى

أطول رحلة

من بسطام

إلى فارس

إلى شبه الجزيرة المُرّة

نحو الشرق

حيث الأقدمين في الكشف

عن آدم مثالي

وعن مدائن دون هلاك

      ليتخلص الصوفي من هواجس نفسه، ووساوس أباليسها، وإغواءات رغباتها، عليه بالرياضة والسير والسلوك في طريق الزهد والمعرفة، فالبصيرة لا تتقد وتتوهج إلا بإدراك المعنى، والمعنى لا يحاز إلا بالوصول لعين الحقيقة، لذلك ها هو عثمان يتتبع خطوات السابقين، ليس تقليداً لهم فقط، ولكن بحثاً عن طريقه الخاص، الذي هم له فيه علامات مرشدة ليس أكثر، فهو ينشد الكمال، الكمال الذي ليس بعده نقص.

قَالولِي: لا تَبْعِد كَتِير

قَرِبْ تَعَال… أحَجِز هِنا

والعَمَار إن دُرتُه؛ اتْوخّى الأنا

دِي النفوس خَرْبَانة

لا تْخَربَك تودر… آآ جَنا

والأرِض جِيَعَانة؛ ما شِبْعَت زنا

والدقون سكرانة؛ بالرقعة الهنا

والرقعة عَارْفَة صُنَانْهَا

مي سَجْمَانَة

ناس يلا السنة

في ديجورهُ .. نورهُ بدوره

باسط كفه للمكفوف دنا

و أنا .. ما أنا ؟

      في بداية طريقه لابد له من تلقي النصائح، لذلك ها هو يُنْصِت لوصايا العارفين السابقين، الذين خبروا النفوس وجربوها من قَبْلِه، ومن ثم غلبوها بالمراس والمجاهدة. فهم يرون أن الشر، كل الشر، في تتبع هوى النفس، لذلك عليه الحذر منها، وأن لا يركن إليها أبداً، مهما أغوته وأغرته. وكذلك عليه الحذر من الملهيات والمشتتات، فالأرض وسكانها ليسوا سوى عوائق في طريقه، لذلك عليه البحث عن الضوء في وسط الظلمة، ودليله لذلك هو قلبه، الذي يستطيع الرؤية وإن عمي البصر، عندها سيكون هو… هو، ولا أحد آخر.

في صفحة جناح الموت… لِقِيتِك

مَا إنْدَلِيتْ وَجِيتِك

إتْرَجِيتُه يرحل

بِي هيبة جلاله

وبِي عظمة رُضَاه

وآه مِن صاحبي آه

الباهي الجميل

حين أشرق… تَعَشّرَق

صوتي مع نَدَاه

قالّي: كمان شوية

بكره الملتقى

وكانت الجرثومة

أكبر من تحمل ذات هِوينَة

ومضة في الروح الملاك

      هنا يكتمل لقاء عثمان بذاته، وما كان الموت إلا سبيلاً لهذا اللقاء، مرحلة أخرى من مراحل النمو والترقي، وولادة أخرى من جديد. فالموت هنا لا يعني نهاية الحياة، وإنما زيادة أدراك لها، ووعي بها بصورة مختلفة، أكثر وضوحاً وشفافية. لكن برغم ذلك للموت حضوره وهيبته، فهو الكائن اللغز، ذو السطوة الدائمة، فلا بد من احترامه، وخشيته كما يجب، تأدباً معه حتى يرحل، راضياً غير مطرود. وبرغم شوق عثمان لصاحبه الأقرب، والذي ظن بأنه سيبقى معه دائماً بعد أن التقاه هنالك، إلا أن صاحبه يهمس له مطمئناً، بأن أوان اللقاء لم يحن بعد، فهنالك القليل من الفراق المتبقي قبل اللقاء الأبدي، لذلك عليه احتمال الألم، ووهن الجسد وضعفه، لأن الألم هو نار التطهر والخلاص، فلا بد منه لبلوغ التحرر الكامل، ونيل اللقاء الأبدي.

ولاقيتك

قوافل فوق خراب الطين شَقا

إنْدَلّي مِن دمعاتك اليَابْسَات

وهِلّي

زَغْرِدي

إتْحَلّي

وتَجَلّي

وكَمّلي المُشوَار نَقَا

لِسّه بَاقي شويتين

مِن هِين… ودَين

سَاوِيهو… يسمو المُلتَقَى

فلا تنوحي

ولا تنوحي

ولا تنوحي

      أبَعد كل ذلك كان له أن يرحل هكذا؟ لا أظن. فما زال هنالك جزء من الرحلة عليه أن يكمله، وما زالت ذاته تراوده على البقاء، برغم خراب الطين. فها هو يحثها على التجمل، مكفكفاً دموعها، ومطمناً إياها بأن في المشوار بقية، سيخوضانها معاً، فلم يحن أوان النواح بعد، برغم المعاناة، فالفرح صنو الحزن، وهما وجهان لعملة واحدة، لذلك يتناوبان في الظهور، فلا دوام لأحدهما على سبيل الآخر. لذلك على الأنسان اختبار كل الانفعالات، ومقاساة كل المرارات، ليصقل ذاته، ويصل إلى حقيقتها، فبدون المعاناة والمكابدة، لا معنى للحياة، ولا قيمة للوجود نفسه من الأساس.

عن محمد عمر جادين

mm
كاتب سوداني مهتم بالأدب والفكر وقضايا الإستنارة .