الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: رواية الغثيان: فعل الإثبات والنفي للكائن في ذات الوقت

قراءات: رواية الغثيان: فعل الإثبات والنفي للكائن في ذات الوقت

خالد

      إن رواية الغثيان ل “سارتر” ضاجة بكل شيء يمكن أن نفكر فيه، فيما هو آن، وماض، وكنقطة انطلاق لأفكار تستند عليها. فإن العيش بتفاصيل الأحداث السردية اليومية، يكشف الكثير من النقاط التي يمكن ربطها، فمثلاً: الشكل يوصل إلى المضمون (الشكل السردي = اليوميات)، تعطي سماحية لإيصال مضمون النص الذي يعتمد على منهج (وعي الكينونة) وهو ما يمكن تعريفه بأنه التأمل المستغرق في الأشياء من حول السارد/ الإنسان، أي إصباغ الإدراك والوصول والاستيعاب لماهيتها وجذورها، واصباغ التخييل المستند عليها، وهو ما يمرن النفس البشرية على الإحساس بجوهرها، الإحساس بالتفاصيل. لكن هذا الأمر حسب ما هو موجود في الرواية يوصل إلى مفهوم الغثيان، إن الإحساس بالتفاصيل = يعبر عن الانتقال إلى مرحلة معنى هذه التفاصيل، مما يحيل إلى اتجاهين: الأول كما في متن النص بأن السارد يعبر عن انها زائدة عن حاجة العالم، لما لها من عدم معنى وأهمية في هذا الوجود، مما يحيل إلى غثيان “طمام” من امتلاء العالم بكينونات زائدة عن حاجتها، وهو ما يمكن تأويله غلى غياب الماورائي (الإله) الذي يعطي للأشياء المعنى عند السارد وسارتر كفيلسوف.

     الاتجاه الآخر هو نقطة خارجة عن متن النص وهي إحالة صوفية، بأن التأمل المستغرق بماهيات الأشياء، يوصل إلى ما ورائياتها، جوهرها الحقيقي. الجمال الكامن فيها. وهو يحيل إلى ما يمكن أن يوازي الغثيان في التمرحل أي (الخفة)، فهذا الفعل يجعل الروح خفيفة، لأنه التقاء جوهرين عند كل عملية تأملية. مما يجعلها في مرحلة ارتقاء وعدم مبالاة بماديات الحياة، وهنا الأشكال يكمن  فيما هو ضروي للوصول إلى المضمون/ المعنى/ الجوهر.

     أيضاً مما يمكن التفكير فيه هو العملية المنهجية المستخدمة كما أطلق عليها السارد (وعي الوعي) أي البحث المتجذر للوعي ككائن وكقيمة المتمثل فيما هو دائر، في الماضي/ كما مثل بسردية كتابته عن شخصية من تاريخ مضى/ وهو وعي تاريخي يتجذر بالأساس الفعلي للأحداث، للوصول إلى كشف كل البنيات الأساسية التي تحرك العالم/ المفاهيم. وهو ما يحيل إلى معنى الخلود للأحداث/ الشخصيات، التاريخية، حضور الغائب المتجاوز للتاريخ، المتجاوز لحضور الحاضر، المحدد لماهيته.

     وهي فكرة أيضاً موجودة عند السردية التي كانت تفترض حضور الأغنية التي يحبها السارد من غير أن تؤثر عليها الموضوعات في العالم، بعد تحطيم أسطوانة الغناء. يبقى أن هذا عدم، لا شيء، حضور للأغنية في ذهنه فقط، في ذهن من استحضرها أي مارس فعلاً. لكن أن تكون هكذا مجرد ذرى غبار هائمة في الهواء من غير أي ممارسة تجاهها يبقى نوع من العدمية اللا منطقية.

     أهم ما يمكن التعرف عليه من واقع سرد متقطع ومتكرر هو مصطلح الكينونة، الذي يراه هو خلق، فعل، إعطاء الإنسان للموجودات من حوله قيمة. ويأتي الفعل من تجذرات كن، فيكون، كائنا ، كينونة، أي استمرارية للتكون والتخلق لها.

     وهكذا يمكن السير فوق رواية الغثيان برهافة وخفة وعيش لكل تفاصيلها مما يسربل شعوراً للحياة أو البؤس. حسب إدراك المتلقي وقدرته على الاستيعاب والانطلاق منها.

عن خالد أبو بكر

mm
كاتب من السودان