الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: رواية ثادريميس لسليم بركات

قراءات: رواية ثادريميس لسليم بركات

foto© Mikael Lindstršm

      رواية لا تُفهم إلا بعد القراءة كذا مرة، والسبب في ذلك أن لغتها تستعين بالمفردات القديمة المنسية في اللغة العربية في السرد ووصف الأحداث، بالإضافة إلى أن الشخصيات والمكان والحبكة متخيلة، وبعيدة جداً في عالم الخيال، ولكنها ترمز إلى مستندات في الفلسفة. حيث سيكون على القارئ استخدام عمليات الاستقراء ومن ثم مطابقة النتائج مع عدد من المعلومات المسبقة. فحتى هذا المستخلص للرواية ليس كله خالصاً لي، إنما استعنت بقراءة وحيدة لم تكن كافية لافهم مجريات القصة من دون أن تدخل المراجعة في سطور النص الروائي وتفسير شيءٍ من الرمزيات الموغلة في الحبكة ذاتها.

     في بدء الأمر لابد من شيء يشبه التعريف قبل الدخول في متون الرواية، وكشف دلالاتها قدر المستطاع. القصة تدور حول أرضين: أرض ثاروس وهي تمتاز بالزيت، زبيب، جعة، شعير، معدن النحاس، الهواء، والحجر. ورأس مالها الفكري هو النسيج. أرض هيكو تمتاز بالتماثيل المنحوتة من قبل نحاتين ينحتون شخوصاً من خيالهم ويدعون فيها علومهم. أي أن التماثيل يمثل رأس مالها الفكري. (حين ينجز النحاتون هيئاتهم مجسمة، كاملة التجسيم، تتحرك وتنطق، فيعلمها المختصون مبادئ العلوم الصعبة. وتتولى هي، بأنفسها، من ثم، توليد أسرار من تلك المبادئ البسيطة، وتوسيع خصائصها. التماثيل وحدها تصير المرجع في شؤون العقل العميقة: الفلك، الألغاز، السموم، تنصيف الزمن، تدريب النحل – كما سمعت، حفظ التاريخ…)

     الكاتب بدأ بنهاية القصة حيث سرد نهاية الحرب التي وقعت بين هذين الأرضين، والسبب الرئيسي الذي أشعل الحرب حول هضاب أرض  ثاروس الثماني. وتكتيكه السردي العام كان استرجاعي إلى ما قبل الفقرة الاخيرة والتي أخبرتنا بالسبب الرئيسي للحرب، وهي ذات دلالة يمكن التفكير بها.

     ففي النهايات يظهر أطفال مملكة ثاروس، بعد تهيؤات سردها الكاتب عندما يتحدث الكبار عن التماثيل في أرض هيكو، ومن ثم يسأل الأطفال حول عدم وجودها، كدلالة على شغف الأطفال المعرفي، وأن الحصول عليه تطلب دهاء الأطفال لإرسال جاجيلو ابله ثاريوس عبر خاتم قاضي ثاريوس، من حيث أنه ثقة عندما يكون مع رسول، وبالرغم من أنهم يعلمون أن هيكو لا تبيع تماثيلها.

      “ذاكرتك ذاكرة الظل أنت لا ينحت لك رسم، أأنتم بلا قلق في أرض ثاروس، أيها الرسول جاجيليو؟” هذا المقطع الموجه من الآنسة التمثال ثادريميس إلى جاجيليو حين طلبه منهم بتمثال يبهج أولاد أرض ثاروس، يعبر عن سخرية ودلالة على الحمولة الفكرية للطرفين فالقلق هو أس المعرفة، وهو الذي يقود إلى شغف الاكتشاف، أي إلى المعرفة، وهو سؤال ذو دلالة على حمولة أرض هيكو التي تهتم بعلومها وبالمعرفة، وأرض ثاروس التي تفقر إلى الخيال، بحيث أن ليس لديهم نحات، والخيال ركن مهم من المعرفة، لكنهم يمتلكون الحلم، التنبؤ والذي استنتجها من هذا المقطع: ( القاضي يورابات قاضي ثاروس حلم بالمعركة حيث قال للوالي كيمو: ” أنت مصيب، أيها الوالي كيمو، اللون معتل في ما أنسجه. رأيت حلما متقوضاً – دقاً هيولي. لا بشر، لا أشكال، لا صوت. غمام معذب. شيء مطحون: كأنني كنت مطحوناً، بلا أعضاء، لكن أرى امتزاج لون بآخر كنقلة الحمي بين اللحم والعظم. لي في حال حلمي أربعة أيام. الفجر هو الذي يفتح مصاريع الملْغِز. وها أنا أنسج ما يخيل لي أنه الفجر في برهة خداعة) فهذا الحلم كان نبوءة عن مسير الحرب الذي لم تبدأ في حسبان مسار القصة.

      ( “لماذا يطلب قاضي ثاروس يدكِ أيتها الآنسة؟” قال ميناذي بصوت الدعابة. “الفضول، أيها القاضي ميناذي. إنه الفضول، الذي سيغدو مللاً. وسيغدو الملل شكاً. وسيغدو الشك يقيناً. وسيغدو اليقين اشتغالاً، من جديد، على إعادة ترتيب اليقين القلق. أنتم خلائق الخوف – أيها القاضي ميناذي – محترفوا تدبير الخوف، بفضول أو من دونه” قالت ثادريميس بصوت جاف )

      لهذا الجزء من الحوار بين التمثال ثادريميس والقاضي ميناذي دلالة مهمة على خطوات طريق المعرفة، التي تبدأ من الفضول وتنتهي بإعداد ترتيب اليقين القلق. وهو إشارة لسبب هزيمة أرض هيكو في الحرب – أنتم خلائق الخوف -.

      الإشارة المهمة التي يجب الانتباه إليها هي أن التمثال المعترك حوله هو المرأة النحات – ثادريميس – وهي من خلال بنائها في الرواية يتضح أنها تمتلك المعرفة، وهي رمزية للأنثى التي تمتلك المعرفة، الأنثى التي نحتت من خيال نحات. الأنثى التي تولد الأسرار من العلوم البسيطة. بحيث أن هذا المقطع الذي حدث بعد هزيمة قوم أرض هيكو حيث أسر التماثيل التسع وأصبحت في حوزة قوم أرض ثاروس ( قالت ثادريميس، وهي تنحت ديامين خازن الفؤوس: “سأجعل لهذا الشكل النافر ذاكرة، سأكررك في الحجر كي تتعاقب ذكراك انتقالاً من رسم إلى رسم، في دورة لا تنتهي. سأعيدك ذاكرة نسيانك في النحت، يا ديامين. النسيان ذاكرتك. ستكون حراً في هذا اللوح. ستقود نفسك متعدداً تنسى أنك لن تتذكر ذاكرتك. في هذا الرسم الحجر تعود إلى خيالك منسيَّاً. أنت مفقود، ي اديامين. سينتحر رسمُك الحجر من شدة حريته”، قالت باستطراد متنافر السياق خلط على ديامين اقتفاء أثره. “أنتِ تنقلين فراغ أعماقك المعدنيَّ إلى نسيجي. لي ذاكرة تكفيني، لا أريدها ممتلئة أكثر؛ ولي نسيان يكفيني، لا أريده أن يأخذ كل ما أريد أن أتذكره. أنا كفاية نفسي هكذا، يا ثادريميس. سأحتمل ما أريد وما لا أريد”، قال. تأمل وجهها العالي جاثيةً على ركبيتها: “تجعلينني قلقاً”.)

      مقطع يوضح علاقة النحت، بالخيال، بالشخص المرتبط بذكرياته، بخلود عملية النحت في الذاكرة ضد النسيان، وأستمرارها.

      في نهاية تلخيصي هذا أقول بأنها رغم قصر عدد صفحاتها (87 صفحة) إلا أنها تتطلب قراءات على عدد من المستويات، من خلال تفكيك المفردات التي هي قديمة في اللغة العربية مثلاً: إيوان: ومعناها كما ورد في المعجم وذات المعني المشابه لسياق النص: دار شامخة مكشوفة الوجه معقودة السقف. ثم تفكيك ومساءلة الحبكة على مستوي المفاهيم والغاية منها، والتي تعتمد قبلها على فهم مسار القصة من حيث الشخصيات هي بشر وتماثيل تتكلم، والهة حوائك، فهي ليست في شخصياتها ذات جنس واحد، وفهم حمولة كل شخصية وقولها وبنائها في الرواية.

      في النهاية أقول أنها رواية مختلفة للغاية، تغوص في الخيال، وتجيب على سؤال الإكتشاف المجهول من كل النواحي، سرداً، لغةً، مفاهيماً.

عن خالد أبو بكر

mm
كاتب من السودان