الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: رواية مزرعةِ الحيوانات

قراءات: رواية مزرعةِ الحيوانات

جورج

بقلم : عاطف جمال

      حين اشتد عليّ الضغط، بدأت أبحث عن أيّ شيء لأتهرب به من ضغط الدراسة، البروجكتات وما شابهها، فبدأت أبحث داخل أدراجي بين أسطر الروايات القديمة والكتب التي غطى الغبار أغلفتها علنّي أجد فيها ما يلهني وينسني همومي، فقادتني ذاكرتي إلى روايتين حبيبتين إلى قلبي “الأم ” التي تنتمي إلى الأدب الروسي، ومزرعة الحيوانات “التي تنتمي إلى الأدب الإنجليزي للكاتب جورج اورويل، كلا الروايتان تتحدثان عن الثورة. فأخترت الأخيرة لقصرها علّها تشجعني لأثور على ضغوط هذه الأيام. فأعدت قراءتها للمرة الثانية، لكن لنظرة مختلفة هذه المرة عن المرة الأولى التي كانت قبل سنوات، وكانت الرواية بالنسبة لي مملة نوعاً ما، لكن الآن اختلف كل شيء، ربما اختلاف تفكيري، وربما  تغيّر اهتمامي وانجذابي لهذا النوع من الروايات.

      الرواية ببساطة تتحدث عن مزرعة تقوم فيها الحيوانات بالثورة على مالكها الإنسان السيد جونز، كان للخنزيرين (سنوبول) و(نابليون ) الفضل في تثقيف الحيوانات، وحثها على الثورة. ومع أوّل فرصة تعلن الحيوانات في المزرعة الثورة على السيد جونز، وتتمكّن من طرده، لتصبح المزرعة تحت سيطرتها. وتتولّى مجموعةٌ من الخنازير لاسيّما (سنوبول) و(نابليون) إدارة العمل في المزرعة، وتنظيمه، رافعةً خلال ذلك شعاراتٍ أو وصايا تدعو إلى الإخلاص في العمل والتفاني فيه لإقامة المجتمع الحيوانيّ الجديد الذي تنتفي فيه كلّ أشكال الظلم والاستغلال، ويسوده الرخاء والعدل، وتربط بين أفراده أواصرُ المحبّة والإخاء. ولكن تحوّلت كل هذه الشعارات البرّاقة إلى سكاكين مسلّطةٍ على رقاب الحيوانات. هذا ما حدث فعلاً، فباسم الحرية استُعبِدت هذه الحيوانات، وباسم المساواة أُستُلبت حقوقها، وباسم الرخاء جُوّعت، وباسم الحياة سُفِكت دماؤها، وباسم المستقبل كُمّت أفواهها.

      تمكّن الخنزير (نابليون) من طرد رفيق دربه (سنوبول)، والاستئثار بالسلطة، مستعيناً بمجموعةٍ من الكلاب التي درّبها منذ كانت جراءً صغيرةً لتكون جهاز أمنه الخاصّ، إضافةً إلى الخنزير (سكويلير) الذي أنيطت به مهامّ الإعلامي القادر على تبرير سياسات (نابليون)، وإقناع الحيوانات بحكمة ما يصدر عنه من قراراتٍ أيّاً كانت طبيعةُ هذه القرارات، أو الدوافعُ وراءها، ومهما كان الثمنُ الذي ستدفعه الحيوانات جرّاء تنفيذها.

وهنا جزء قليل مما كان يؤديه سكويلير الذي كان يمتاز بالخطابة وقوة الإقناع، حتى تظن لبرهة أنه يستطيع جعل الباطل حقاً والعكس:

      “أيها الرفاق حاشى لكم أن تظنوا أنّ مبعث هذا الإجراء من قبيل الأثرة، فإنّ كثيراً من الخنازير لا تطيق طعم اللبن والتفاح، إلا اننا مضطرون لذلك اضطراراً، فإنّ الغرض الحقيقي وراء هذا القرار هو حفظ حصتنا معشر الخنازير وفقاً للأصول الطبية التي تحتم تقديم مثل هذه الوجبات إبقاءًا على طاقتنا الذهنية حتى نتمكن من مواصلة أعمالنا في التنظيم و الإدارة والأعمال المناطة بنا والتي تعتمد عليها المزرعة، فكما ترون أيها الرفاق: من أجلكم أنتم نشرب نحن اللبن ونأكل التفاح! ألا تعلمون ما الذي يمكن أن يحدث اذا ما فشلت الخنازير في مهامها؟ إن جونز سيعود ثانياً، نعم جونز بنفسه أيها الرفاق.”

      هنا يحاول سكويلير إقناع الحيوانات بأنه لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة لا بُدّ أن تتناول الخنازير وحدها الحليب والتفاح، حيث إنّ إدارة هذه المزرعة ومؤسستها جميعاً تعتمد علينا، ومن أجلكم أنتم نشرب نحن ذلك الحليب ونأكل ذاك التفاح. هل تدرون ماذا سيحدث لو أننا نحن الخنازير فشلنا في واجبنا؟ سيعود جونز. أجل، سيعود جونز. هذه هي الإدارة بالخوف، حيث يخيف سكويلير الحيوانات ويدفعهم إلى الإذعان من خلال التهديد بعودة السيد جونز، لأنّ المزرعة مستهدفة من قوى خارجية وداخلية وهنا يقتنع الرفاق بأن احتكار الخنازير الحاكمة للبن والتفاح هو ثمن مقبول جداً كبديل عن عودة العدو لاحتلال أرض المزرعة، أو الفوضى الشاملة. وينتهي الاجتماع بأغنية تبدأ بعبارة الرفيق نابليون لا يخطئ قط.

      اعتادت الحيوانات إرجاع كل أسباب النجاح و الحظ السعيد إلى الخنزير نابوليون: فكانت الدجاجة إذا ما وجهت حديثها إلى دجاجة أخرى إبتدرتها قائلة: “في ظل إرشادات زعيمنا الرفيق نابوليون فقد بضت خمس بيضات في ستة أيام!” وربما قالت البقرة لأختها وهي تشرب من مياه البركة: “حمداً لزعيمنا الرفيق نابوليون ما ألذّ وأصفى هذا الماء!”

      تستمر القصة لتوضح لنا كيف نجحت الحيوانات في الثورة على الظلم لكنها فشلت في بناء مؤسسات الحرية، وكيف أنّ المظالم يمكن أن تفضى للثورة، لكن الثورة لا تضمن الحرية إلاّ إذا كان القائمون على الثورة من ناحية ونخبة المجتمع لا يقبلون منطق (الحاكم مستبد لكن…) فليس مع الاستبداد عذر حتى لو أوهمنا المستبد أنّه نبي مرسل، وإلا فلنقبل أن يأكل زعماء الثورة أبناءها وشعبها كما حدث ل(سنوبول) الذي كان مخلصاً للثورة ومصلحة الحيوانات.

      رغم أنّ الرواية تستمد شخصيّاتِها وأحداثها وعناصر المكان والزمان فيها من عالم الخيال الذي يحكمه بالطبع منطقٌ أخر يختلف عن منطق العالم الواقعي، إلاّ أنّها مع ذلك كانت قريبة إلى النفس، بل إنّ المرء يكاد لا يشعر بالغربة تجاه أيٍّ من عناصرها تلك. وهو لا يرى في نفسه حاجةً إلى أسئلة من نوع: “كيف للحيوانات أن تتكلّم هكذا؟” أو: “كيف لحصانٍ أن يبكي أو أن يقرأ؟” أو: “كيف لخنزيرٍ أن يستخدم البندقيّة؟” سيبدو له كلّ شيء مألوفاً وطبيعياً وسائراً في الطريق الذي ينبغي أن يسير فيه. هذه القدرةُ على كسر الهوّة بين ما هو خيالي وواقعي ربما كانت من أهمّ أسباب انتشار الرواية، واعتبارها واحدة من أفضل مائة رواية في العالم.

      عندما وصلت إلي أخر مطافي مع الرواية، انتابني إحساس بأنّ أورويل كان يجلس بيننا ويدوّن في تفاصيل روايته، فأحداثها تدور في كثير من بلداننا الآن وكأننا نعيش في مسرحية كتبها أورويل ونحن أبطالها. الرواية مثال لكل الثورات والأنظمة الظالمة وليست محصورة بزمان ومكان محدد، واعتبارها مجرد رواية خيالية لا يعطيها حقّها ويعبّر عن نقص في فهم الرواية، هذا مع العلم أن الكاتب كان يُروج لفكرة أنّ الرواية إنّما هي رواية خيالية ولا تنتقد أي أحداث واقعية، وذلك للهروب من الدخول في مهاترات عن أسباب انتقاده للثورة الروسية، وعن أفكاره السياسية التي قد لا يتفق معه فيها الكثيرون.

      يمكنْ للثورة أن تنجحْ بكلِ يُسْر لكنْ المأزقْ الحقيقي يأتي بعدها، مرحلة بناء الدولة الممزقة و الجديدة – التعامل معها بعناية و دراية هي المرحلة التي تؤكد وعي النخبة الذين قادوا الثورة الى النجاح. في تاريخنا السوداني هناك ثورات كثيرة نذكرها كلما بارحنا الوهن والنوستالجيا، لكن كلما عدنا إليها وإلى نتائجها نجد الفشل يتمرغ في أحشائها، الثورة المهدية مثالاً، فمرحلة قيادة الناس وحشدهم إلى الثورة كان يسيرًا، حيث احتاج محمد احمد المهدي إلى قوة الكلمة لحثّ الناس؛ وعندما نجحت الثورة وسقط الحكم التركي، كان وعي الجماهير بالدولة ما زال رعوياً بدائياً لم يتخطّى مرحلة العُمَد و شُيُوخ القبائِل؛ ومن هذا الواقع البدائي أتى إلينا عبدالله التعايشي الذي كان حدِيثْ عهْد بتَجْربَةِ الدولة الحديثة، وتعامل مع أغلب المواقف كتعامله معها داخل أروقة القبيلة، حيث لم يَعرْ الاختلافات التركيبية للشعب الجديد اهتماماً، ولِذلِكْ فشلتْ دولته ووهنتْ حتى سقطت في يَدِ المستعمر مرة أخرى.

      الرواية قصة كل ثورة ينقلب أبناؤها على مبادئها، وتصبح نيرانها التي أشعلت باسم الحرية والتخلُص من الاستبداد والاستعمار تأكل ثوارها، فينقلبون على مبادئهم ويتحولون إلى ثيران هائجة يتناطحون فيما بينهم، وتتغير القوانين والدساتير بحسب المصالح والأهواء، ويقتنون سياط من أعلنوا عليهم الثورة، ويتشبهون بمن اتهموه بالتسلُط والديكتاتورية.

      في الختام، يمكنني القول بأنّ رواية مزرعة الحيوانات قد جمعت بين السخرية والهجاء، المتعة والإفادة باسلوب أدبي فريد من نوعه. وأنّ الرواية ليست مجرد عمل أدبي خيالي وإنّما عمل له دلالات سياسية وإنسانية بعيدة المدى تمتّدُ لأبعد مما كان يظن الكاتب حين بدأ بكتابة الرواية.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة