الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات : رواية منتجع الساحرات للکاتب السوداني أمیر تاج السر

قراءات : رواية منتجع الساحرات للکاتب السوداني أمیر تاج السر

Mountajaa-Al-Sahirat
قصة متخیلة .. لکنها حقیقیة أکثر من الحقیقة نفسها !

تبدأ الروایة بتنویه صغیر من الكاتب یقول فیه أن هذه لیست القصة الحقیقیة لبطلي الروایة عبد القیوم دلیل وعشیقته بائعة الشاي اللاجئة الجميلة جدًا أببا تسفاي، اللذان تعرف علیهما في عنبر الحوادث بمستشفی بورتسودان .. لكنها قصة متخیلة موازیة، فقط النهایة واحدة؛ نهایة الواقع ونهایة النص .. اللاجئة الجمیلة أببا تسفاي مغتصبة ومقتولة ! .. أما عشیقها عبد القیوم فقد انغرس خنجر في صدره، فأي طریق قادهما إلى هذه النهایة الحزینة، وأي خیط یمكنه أن یسد ذلك الجرح الذي فتحاه لمن رآهما بهذه الحالة وقد سمع بهما سابقًا کأشهر عاشقين في المدینة، أي خیط غیر خیط الخیال الذي اختاره الطبیب والكاتب لینسج قصة موازیة لهما، قصة لن تکون جمیلة أبدًا طالما أنها انتهت هذه النهایة البشعة، قصة مجتمع مریض غابي متنمر ومدمر لكل أمل، حرب وفقر ولجوء وجوع ولا قانون، مجتمع یستمتع بقتل الأشیاء الحقیقیة الجمیلة .. کقصة الحب هذه.

لذلك لا یغرنك الاسم اللامع “منتجع الساحرات” !، ولا یغرنك الغلاف الذي یحوي سیده جمیلة تضع وشاحًا أصفرًا أنیقًا، ولا حتى بدایة الروایة بالوصف الشاعري السردي الجمیل للمكان الذي شهد أحداث القصة، فکل ذلك جزء من المظاهر التي لا تحكي شیئًا من واقع القصة المؤلم، فالجمال في المكان الخطأ ینقلب علی صاحبه مثلما ستنقلب هذه البدایة علی القارئ .. فمنتجع الساحرات هو الاسم الشعبي لساحة المزاد سابقًا و موقف باصات السفر حالیًا، كانت الساحة قدیمًا بساط رملي جمیل، ثم صارت سوقًا ومكانًا للمزادات تجد فیه کل شيء .. حتى الأشیاء التي سرقت من منزلك بالأمس !، ثم تحولت بعد ذلك إلى موقف للباصات السفریة، ولا أحد یعرف لماذا سمیت بمنتجع الساحرات !؛ فالأكید والمؤكد أنها لیست منتجعًا ولن تکون، ولا أثر لأي ساحرات فیها سواءً الآن أو حتى فيما مضى، إنه مكان -کما وصفه الكاتب- یمكن أن یحدث فیه کل شيء وکل شيء سيء، مكان یجتمع فيه اللاجئون والمشردون واللصوص والفقراء والمتنمرون والمهمشون، مكان يلم کل قذارات العالم التي یعجز حتى الخیال أن یواكبها، مكان یصیر فیه الغراب طاووسًا یحتفی به، مكان تعد فیه عروض تعرف الكلاب علی المشتبهین من العروض الترفیهیة التي تقام في الساحات والملاعب و أحیانًا في المسرح الوطني، ویأتیها جمهور شبیه بجمهور كرة القدم لیستمتع بالتعرف والعض والاستفزاز الرهیب من الكلاب لخصي ومؤخرات المشبوهین ! .. مجتمع واهم کما ذکر الكاتب؛ معظم سكانه إما بؤساء حالمین بمجد قریب أو أنهم حصلوا علی المجد فعلًا داخل أدمغة لم تعد تفرق بین الوهم والوهم الأشد .. وفي مجتمع کهذا هبطت ذات یوم اللاجئة الأریتریة الجمیلة جدًا أببا تسفاي من أحد باصات السفر، حالمةً بوطن بدیل تستطیع أن تحیا فیه حیاة كریمة!

مالذي أتی بأببا تسفاي إلى هنا؟ .. ما أتی بها هو ما أتی بآلاف اللاجئین مثلها .. هو ما شرد المواطنین وهو ما کون مجتمعات مریضة کمجتمع منتجع الساحرات؛ الحرب .. الحرب التي نعرفها جیدًا لأننا کلنا نعاني منها الآن بطریقة مباشرة أو غیر مباشرة، الحرب التي قال عنها الكاتب أنها تنشأ لأسباب مهما اجتهد السیاسیون في رصفها وزیادة وزنها فإنها لا ترتقي لتکون أسبابًا، الحرب التي قد تنشأ لأن نعجة عادیة قتلها سوء الحظ في حدود بلد مجاور، قد تنشأ لأن جرادة بلا موهبة کبیرة هاجرت من بلد لتموت في البلد الذي یلیه، ولأن السلم كلمة نابیة في عرف البعض وعلیه یجب إبادتها وتنصیب الفوضى مكانها، ولأن هنالك أشخاص كثیرون علیهم أن یموتوا بأي طریقة، هکذا وفي أیام معدودة كانت أببا ومئات الآلاف غیرها بلا ضفاف ترسو علیها أحلامهم، بلا بیوت ولا رزق ولا حیاة، فجأة وجدت نفسها واقفة في موقف باصات السفر تتربص بها الأعین وبجمالها الأخاذ -الجمال الذي یصیر فی المكان والزمان الخطأ لعنة عظیمة-، لذلك منذ ‌أن بذرت بائعة الشاي الصبیة رونقها في موقف باصات السفر اختل توازن الأشیاء بشکل مخیف؛ کبر الصبیان فجأة لیعشقوا وصغر المسنون !، کشرت الرواكیب الخشبیة الضیقة عن وجوهها وماجت صدور بائعات الشاي العتیقات من هذا الخطر المقبل، الفتی ناهوم طاردها لوجهها الجمیل، قمزحاي طاردها لهیأتها الساحرة وجسدها الرهیب متمنيها في مشروع سينمائي مثلًا أو حتى في الدعارة، أما المسن عبد الباسط شجر فقد رآها مرة لابسة ذلك الوشاح الأصفر الذي یثیر غرائزه، “الوشاح التي ترتدیه السیدة في غلاف الكتاب”! فتمناها زوجة بأي ثمن .. ولکن وسط کل هذه النوایا السیئة والنفوس المریضة كانت هناك نفس مختلفة حرك جمال أببا فیها أشیاء جیدة وجمیلة، ذلك كان عبد القیوم، اللص المشهور في مجتمع ساحة المزاد والمرشح الأول للجرائم، والذي قضی أوقاتًا في السجون أکثر مما قضاها في شوارع المدینة، لکن کل ذلک تغیر حین رأى أببا تسفاي لأول مرة نازلة من حافلة في موقف الباصات، بهر بجمالها، تقدم لها مباشرة وکلمها بلغة واضحة من دون أن یبدو مجرمًا قدیمًا، اقتادها بلطف إلى مطعم صغیر وجلب لها شطیرة محشوة بالمربی، عاین نظرتها الحائرة الفاتنة التي اصطادته بلا شک فتسلمها منذ ذلک الیوم کأنها أرسلت له وحده، غیر ملتفت لاحتجاجات من لاحظوا حیرتها الأولی مثله وأرادوا استغلالها في نزوات مترفة، بنی لها کشکًا في موقف بصات السفر لتبیع فیه الشاي، ووهب نفسه من أجلها وأجل حراستها من عیون وغرائز الزبائن والناس، ثم مع الزمن تعدلت ملابسه وسلوكه، صار یستحم دائمًا، لم یعد ینام فی الشارع، و حتى أنه صار یبحث عن عمل رغم أنه لا أحد رضي أن یشغله بسبب سمعته کلص، لذلک اضطر أن یعود للصوصیته في سبیل إسعاد محبوبته أببا؛ في أحد الأیام طلب الزواج منها فوافقت .. حینها خرجا إلى السوق معًا فأخذ خاتمًا بالقوة من أحد الدکاکین ووضعه علی یدها، حاصره صاحب المحل ورجال الشرطة حینها قال بصوت هادئ: “إنني استعرته فقط لکي أسعد به خطیبتي!” .. ثم في الأیام التالیة کثرت استعاراته لإسعادها؛ موقد مثلًا، أکواب زجاجیة،مخمل، سعف، وحینما تسأله أببا من أین لک هذا یقول لها: “استعرتها وسأعیدها لاحقًا”، ولکن من المؤكد أنها أشیاء لن تعود إلى أماکنها أبدًا، بل ستتلف عاجلًا أو آجلا، بل حتی أببا نفسها قد یأتي علیها زمن وتمرض فیه أو یتسخ وجهها أو ترتقي لحیاة أخری، فهي أیضًا ضمن قائمة مستعارات عبد القیوم! .. وذلک ما حدث بالضبط حینما وجد عبد القیوم عملًا؛ کان العمل مصیدة من عبد الباسط شجر لإدخال عبد القیوم السجن لأنه یرید أببا تسفاي لنفسه، فرتب له وظیفة في السوق ثم دبر له مؤامرة فیها أدخلته السجن لیخلو له الجو مع اللاجئة تسفاي، ثم اجتهد حتى استطاع إقناعها الزواج منه، ثم في لیلة العرس هربت العروس .. ساعدها في الهرب أناس لم یکونوا أصحاب مصلحة من أي نوع، فقط انحيازًا لمواطنتهم ونصرة للخیر الذي في نفوسهم .

سمي هروبها ب “فرار الملكة”! .. إسم جمیل ولکن هل یغیر ذلك من حجم مأساتها وتشردها في الشوارع وتربص الغرائز بها .. سمیت الروایة ب “منتجع الساحرات”!، أي منتجع وأي ساحرات! .. تغیر عبد القیوم للأحسن من أجلها .. ولكنه مجتمع لا بقاء فیه للأحسن بل للأسوأ .. جاءت أببا من الحرب في وطنها إلى مدینة هادئة طامعة فی حیاة مستقرة فتفاجأت بحرب أخری ربما أشد ظلامًا؛ .. قبل أن تقتلنا نحن تقتل کل ما في أنفسنا من خیر .. الحروب الأخلاقیة، الإنسانیة، تناحر المجتمعات المهمشة التي اتسعت فی عالم الیوم، العبودیة والعنصریة، الطمع والرغبات العنیفة والفظائع التي صار الخیال بالنسبة لها طفلاً ودیعًا، إنها روایة تعرینا وتدیننا تمامًا، روایة تحكي ما یحصل في مجتمعاتنا ومدننا وقرانا الصغیرة الآن، مجتمعات ماتت وما زالت تموت الإنسانیة فیها کل یوم ..

فحتى البیت الذي أوت إليه أببا طردها بسبب جمالها الفاتن لتستقبلها الشوارع والأزقة والحلم الذي لم یعد لدیها غیره، عبد القیوم الذي اشتاقت له جدًا، وحده الذی نظر إلى قلبها، وحده الذي فتح یدیه لها وطنًا، حتى أنها أيقنت أنها جاءت من وطنها لأجله؛ وربما قامت الحرب لأجل أن تلتقي بعبد القیوم! .. طمعت أن یطل عليها من زقاق ما، عاشت داخل الوهم الذی یلف المدینة کلها، مثلما عاش فیه عبد القیوم داخل السجن منتظرًا أن تتم شهور حبسه فیخرج لیجدها تنتظره، لكنه خرج ولم یجدها؛ فقد وجدها قبله ناهوم الفتی الذی کان یتربص بها، دعاها للإقامة في بیته مؤقتًا فوافقت لأنها لم تری نوایاه، اغتصبها ثم قتلها فی نفس الیوم و ذهب إلى عمله کأن شیئًا لم یکن، لذلک حین خرج عبد القیوم من السجن لم یجد غیر السراب وأطلال الکشک الذي بناه لها، توجع عنده کثیرًا، شک أن أببا لم توجد أصلاً، أنها کانت فقط خیالاً في رأسه، والآن یعیش کل ذلک الفراغ، ثم في لیله ظلماء غرس خنجرًا في صدره ثم مشی یترنح في شوارع المدینة ..

القصة متخیلة .. كان ممکن أن یتكرم علینا الخیال بنهایة سعیدة، أو حتى طاقة أمل بسیطة، کأن یقول أن منتجع الساحرات هو الإسم المستقبلي للساحة ! .. سترجع بساطًا رملیًا ومنتجعًا تتمشی علیه الساحرات بکل اطمئنان، وأن أببا هي نفسها السیدة التي علی الغلاف، وأنها ستتمشی یومًا في الساحة بوشاحها الأصفر دون أن یثیر غریزة قاتلة عند أحدهم، وأن عبد القیوم سیلاقیها هنالك ویكملان المشي والحیاة معًا دون أن یضطر لاستعارة الأشیاء لها، لکن هیهات .. أي نهایة سعیدة وأي أمل قد ینتجه واقع کهذا .. إنه واقع لن یستطیع حتى الخیال أن یبارزه، فلا تنتج إلا القصص المشوهة المأساویة.

عندما کانا عبد القیوم وقمزحاي في السجن فجأةً اکتشفا تغیرًا غریبًا، رئیس السجن حلت محله امرأة والسجناء تغیروا لیحل محلهم سجناء غریبي الأطوار، لیستغربوا أکثر حین عرفوا الحقیقة؛ وهي أنها ترتیبات عید السجین التي یستقبل فیها السجن وفدًا رسمیًا تفقدیًا من العاصمة، لذلك یبدلون السجناء بآخرین مزیفین نموذجیین أکثر لیعکسوا صورة مشرفة للسجن! .حینها طرح سؤال نفسه؛ “لماذا هم هنا” .. لماذا عبد القیوم وقمزحاي السجینین الحقیقیین وسط هؤلاء المزیفین؟ .. ربما هو خطأ إداري، ولكنه خطأ قد یجعلهما یخرجان من السجن فورًا، ربما عبد القیوم یستحق الخروج؛ فهو سجین حقیقي ولص قدیم لکن آخر جریمة كانت مؤامرة علیه، أما قمزحاي فهو مجرم حقیقي بل کما قال الكاتب “حقیقي وأكثر من حقیقي” .. وذلک ما أرید أن أقوله عن هذه القصة، نعم هي قصة متخیلة عن علاقة عبد القیوم وأببا تسفاي .. ولكنها حقیقیة، و حقیقیة أکثر من الحقیقة نفسها؛ .. ذلک لأنها تحدث یومیًا للمئات من المشردین واللاجئین والمهمشین في عالمنا المتهاوي هذا .

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .

أضف تعليقاً