الرئيسية / العدد الثالث والأربعون / قراءات : عربة الأموات رواية الغربة و الخوف

قراءات : عربة الأموات رواية الغربة و الخوف

مأمون الجاك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

هذه رواية عظيمة، ممتعة وكاشفة، لا شك. يتجه فيها منصور الصويم إلى فضاء مكاني آخر يختلف عن عوالمه السابقة ، وإن اشترك معها في ثيمات يوظفها لاستكشاف حقيقة الإنسان ومقاربتها ؛ “الموت، الجنس والدين”.

عالم بدأ الكاتب بملاحظة ورصد جنونه ، وخوائه وعبثيته في سرديات قصيرة ضمن نصوص “موقاي” المنشورة على “الفيسبوك”، لتتسع ها هنا رقعة السرد وتشمل حيوات مختلفة ومشوهة بفعل المكان الذي أوجدتها الظروف داخله، والذي يمنعها حتى من إدراك تحللها وموتها البطيء .

وعلى العكس من أعماله السابقة، يتخفف الصويم هاهنا من الشاعرية والعودة إلى الماضي، الزمن ها هنا حاضر ومستمر، كأنما تلك المصائر البائسة يتشاركها الكل وتلك القصص يعاد إنتاجها الآن وبشكل دوري .

تتكون الرواية من ٢٢ فصلا، يحتوي كل فصل على عدة مقاطع، تتبع القصص المسرودة تفاصيل الحياة التي يعيشها أربعة سودانيين في دولة خليجية ” طبيب، محرر صحفي، وسائق، وموظف بأحد القصور”… تبتدئ الأحداث بتسارع محموم مقترن بفضول طائر “الغراب”، رفيق فضل الله وأنيس وحشته، وأحيانا ضميره الحقيقي وآخره. يدفع “الغراب” فضل الله لفتح عربة الموتى، وصندوق الحكايا المتداخلة؛ ليكشف شيئا فشيئا عن عالم كابوسي : خادمة إثيوبية تقوم من الموت، بجسدها المليء بآثار التعذيب والانتهاكات، وبذاكرتها التي تكون وثيقة عما يحدث للعمالة الأجنبية في “خلية الاسترقاق الكونية ” تلك… مجتمع يحتقر الغرباء ويحتاجهم؛ بل ويطالبهم بالخضوع لقيمه وأخلاقياته الزائفة ، ساكن ومثالي على السطح بينما يمور بانتهاك الإنسان، واستعباده وتحطيمه في أعماقه، ما لا يعاينه وينتبه اليه إلا المنفلتين عن قيود ذلك المجتمع والمدركون في نهاية الأمر لاستحالة العيش هناك، وحتمية انتهاء ذلك اللقاء العابر بين الحضارة والبربرية .

تفتح تلك الأحداث المتتالية والمتصاعدة في بناء درامي متماسك أعين الرفاق الأربعة على حقيقة ذلك المكان، الذي أعاد تشكيلهم وفقا لمتطلباته: عالم مليء بالخوف “الخوف كماشة جديدة تضاف إلى شراك هذا المكان؛ الخوف من الكفيل وسلطته ومن زملاء العمل وخستهم، من الغربة في جوف الغربة، والخوف من الدائنين ومهانتهم، من العودة لمواجهة مصير مجهول، الخوف من الاحتياج والفاقة، الخوف من تلك الظروف الماحقة هناك في السودان، والخوف من فقدان دعة كاذبة تحققت هنا؛ إنه الخوف من الخوف نفسه”.

صحراء شاسعة ليست سوى مقبرة تجوس فيها أطياف شخصيات تاريخية ومقولات دينية تدفع الى الجنون وتعكس مسار الزمن. تاريخ زائف لا يخص “أبو البراء” البريء حين قدومه، والمتحول إلى شخص آخر بقيم لا تمثله لكنها تدفعه إلى التحول إلى كائن متوحش يسعى لتصفية الجميع حتى نفسه. الإنسان مجرد سلعة هنالك. كل ذلك يتكشف لفضل الله، أيمن فخري، الصادق سليمان، ومهدي الفكي، في مونولوجات داخلية تعري الذات وتجعلهم يدركون حقيقة المكان، علاقتهم ببعضهم البعض وبآخرين : يستيقظ الصادق سليمان من طموحه بلا نهاية، يؤوب فضل الله من يأسه، ويدرك كل من مهدي الفكي وأيمن فخري بأن علاقتهما بالأنثى – الممرضة الفلبينية آن والأرملة السودانية سمية – مجرد علاقة كاشفة ومعرية لحقيقتيهما.. عندها يقررون الهرب عبر عربة الأموات، متقمصين دور الموتى الأحياء، في مفارقة ساخرة، تعكس ما فعله بهم المنفى تماما : الانمحاء الجزئي لهوياتهم، وانسحاق الذاكرة؛ إذ لا يتم استرجاع الماضي إلا في شكل شظايا وكوابيس .

ومثلما ابتدأت الرواية بالغراب تنتهي به، فرغم ارتباط وجوده بفضل الله إلا أن الغراب يبدو كذلك شخصية مستقلة ومركزية في السرد، متتبعا لحيوات الشخوص، مراقبا لها، وموجها أحيانا لمسار السرد وتشعباته، ورابطا بين تلك الحيوات عبر ظهوره في أحلامها، وكوابيسها؛ بصراحته وسخريته اللاذعة ، تاركا الاحتمالات مفتوحة والمصائر معلقة ، لتردده في اتخاذ قرار الرحيل في رحلة الهروب من تلك البلاد الجحيم .

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان

4 تعليقات

  1. I¡¦ll right away take hold of your rss as I can’t find your email subscription link or e-newsletter service. Do you have any? Please let me realize in order that I may subscribe. Thanks.

  2. En effet, une centrale vapeur suggest un débit et une pression environ deux fois supérieur à ce que peut produire un fer à repasser.

أضف تعليقاً