الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: عسف العسس: اجتراح سياسي بلغة رفيعة

قراءات: عسف العسس: اجتراح سياسي بلغة رفيعة

خالد

      عسف العسس؛ مجموعة قصصية كاتبها الهادي علي راضي، تسير بقصصها الثمان ضمن سياق سياسي مرتبط بالظلم والحرب في المقام الأول، وسياق اجتماعي يكشف بعضٌ من تأثيرات السياق الأول.

      عند قراءة هذه المجموعة وجدتُ اساليب سردية مبتكرة ومتعددة. فمثلاً:

      قصة أدخنة متصاعدة: تمتاز بعناوين داخلية مؤشرة على الحالة اللاواقعية التي يعيشها شخوصها، بينما ضمير المتكلم والسارد يتناوبان في كشف المشهد الغير ملموس إلا في ذهنية القارئ، وتناصاً مع مرجعية العامة في الحالة اللذيذة التي يوصلها الحشيش وما شابهه من مغيبات للعقل؛ إذ أن الدلالة تكون في أنها ملاذ آمن تكشف الهروب من احتقان ما، ويظهر في هذه القصة عند نهايتها ( أنزل ببلدة شوارعها من زجاج وماؤها حليب، نساؤها عاريات إلا من قبعة صغيرة بيضاء تغطى أحد النهدين، رجالها طوال ضخام، يرتدون السواد من قمة الرأس حتى أخمص القدمين، يطاردون النساء العاريات، يطاردهم شرطي يحمل هراوة…) إنه احتقان إيديولوجي من كلمة (يرتدون السواد) يوصلنا إليها الكاتب بعد رحلة عروج خيالية، إن نهاية القصة والتي تمثل الانفصال عن الواقع بمثابة مواز نفسي واضطراب من تناقض في نفسية المُنفصِل عن الواقع، ومدى الألم الذي يتجسد في هذا الحلم (نزوله ببلدة شوارعها من زجاج…)

      عسف العسس: تتميز بأسلوب الرسائل عبر البريد الإلكتروني، ومضمونها يُعنى بسيطرة العسس على البلدة وتحويلها إلى ثكنة عسكرية، وتتناول بصورة أدق المليشيات التي يختلقها النظام الاستبدادي لحمايته كما من دلالة (جاء أناس مريبون، ليسوا بعسس، لكنهم يقومون بأعمال العسس…)

      مونولوج أنثى خائبة: حالة شعرية تتجسد قصة أنثى تعلن عن مناحاتها، واللغة هنا هي ارفع ما يكون بالنسبة لهذه المجموعة القصصية؛ فالانتقالات اللفظية المتوغلة في الوجدان ( ازدراء، طيف، تأزم، هذي) تتكثف شعورياً عند احساس القارئ.

      مناضد ملونة: اعتبر هذه القصة تمثل لغزاً مثيراً يتحدى عقل القارئ لتفكيكها والبحث في دلالاتها اللفظية والسردية وأكتفى هنا بطرح اسئلة يمكن أن تكون بمثابة مفتاح لمن يقرأها.

     ماهي العلاقة بين النبوءات المسرودة في القصة من مستوى: (اللون/ الشكل/ الشخص/ التحرك) وعند عمل توازي لكل نبوءة باختزال هذه المتغيرات ستكون كالتالي:

(منضدة فضية اللون، ثلاثة أرجل، مثلث الشكل، تهاوَت “الزوجة”، مهر بنت شيخ البلد)

(منضدة ذهبية اللون، رجلين اثنتين، بيضاوية الشكل، كما الملسوع هب واقفاً “الوالد”، مهر زوجة شيخ البلد)

(منضدة خضراء اللون، رجل واحدة، دائرية الشكل، تهاوى “الوالد”)

(منضدة حمراء اللون، مستطيلة الشكل، لاهثاً “الختيم”)

(منضدة بلون العشب، دائرية الشكل)

     هذه العلاقات بين المتغيرات تتجمع عند نهايتها مع قول العرافة، وهذه القصة تتوغل في المضمون الشعبي المجتمعي المؤمن بالعرافات والنبوءات.

      تحور: تتميز هذه القصة بأنها تدور في إطار التحور الخيالي الذي يعوض حالة الحرمان الجنسي لبطلها.

      زوار الليل: اسلوب تقريري صحفي أفلت من الملل والاستغراق في التفاصيل كثيراً بواسطة العناوين الجانبية، وهي تجترح مضمون سياسي يلمس حالتين في فعل الخير بالأضاحي (إصلاح المدرسة، التبرع للإخوة في الحرب) يمثلان دلالة بين فعل البناء وفعل الهدم في المجتمع.

      لحن نشيد الثورة: تكثيف سياسي عبر نافذة الفن وخصوصاً الغناء وهو الذي يتأرجح بين اقتناعات الفاعل في الوسط الفني والثقافي وبين السلطة التي تضعه في مأزق تلبية لطلباتها، تمثل حالة سردية مواجهة بين السلطة الغير راضية عن مالات الانتاجات الفنية فيما هو لا يصب في مصبها.

      الطائر المعدني: هي القصة الثانية التي يلحفها الغموض في هذه المجموعة، واسلوب التشغيف القرائي عبر طريقة السرد بواسطة طفل بكل حمولاته المعرفية الضئيلة كما هو طبيعي، ووصف كل الأحداث التي تتكشف عند نهايتها ويجد القارئ أن هناك حرب، وأنهم قد ذهبوا إلى مخيمات اللاجئين.

      في النهاية استطيع القول أن هذه المجموعة إلى حد كبير جداً من نوعية المجموعات التي بها خيط ناظم فكري يجمع بينها، وقوالب سردية متعددة تجعل القارئ في حالة متابعة لهذه المجموعة دون انقطاع وتلمس جوانب متعددة عند القارئ من (الأخيلة، العقل، الشعور الوجداني، اللاوعي المكبوت جراء الايدلوجيا السياسية) فهي متكاملة لنشبها كافة مستقبلات قارئها.

عن خالد أبو بكر

mm
كاتب من السودان