الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات : “في مدح الحب”

قراءات : “في مدح الحب”

14238366_608118432702209_2589947218906967230_n

**

كتاب (في مدح الحب) هو عبارة عن تفريغ نصي لأحد مقابلات الفيلسوف الفرنسي (آلان باديو) والتي دارت حول موضوع الحب، يطرح فيها نظرته الفريدة حول الموضوع الذي يتكلم عنه الأغلبية بسطحية تامة

(1)

يستهل باديو حديثه في الفصل الأول من هذا الكتاب والمعنون ب” الحب تحت التهديد ” عن ” ميتيك ” الموقع الالكتروني المتخصص بتنظيم المواعيد الغرامية والذي انتشرت ملصقاته الدعائية في كل مكان في باريس ناثرة الوعود بكلمات على شاكلة : ” احصل على الحب من دون أن تنتظر الصدفة ” ، ” نستطيع أن نحب دون أن نقع في الحب ” ، ساخرًا من هذا العرض الترويجي الذي يعكس مفهوم الأمان في الحب ، لكنه في الوقت نفسه يفقده ميزة مهمة من مزاياه ألا وهي النشوة ؛ فالحب لا يمكن أن يصبح هدية تمنح في غياب تام للمخاطرة ، وهذا يشبه الدعاية الترويجية التي قام بها الجيش الأمريكي للقنابل الذكية والحروب التي محصلتها صفر من الموتى . صفر من الموتى التي تقابلها هنا صفر مخاطرة انها التهديد الأول للحب والذي يمكن تسميته التهديد الآمن ، لكن بما أنه لا يمكن أن يكون هنالك صفر مخاطرة في الحب ، فموقع ” ميتيك ” يطمئنك على طريقة الجيوش الامبريالية أن المخاطر كلها سوف تلحق بالآخر ، ما دمت أنت قد تربت جيدا على الحب ، متبعا قوانين الأمان المعاصرة ، وحينها لن تجد صعوبة في نبذ الآخر حال أنك وجدته غير مناسبا لك . الحب الآمن ؟ انه انتماء للحداثة ، فما دمت تملك بوليصة تأمين جيدة وجيش جيد ، فأنت ستستمتع بالملذات الشخصية أما المخاطر فستقع على من يقفون في الطرف الآخر .

(2)

علاقة الفلاسفة بالحب لطالما كانت متأرجحة بين نقيضين ، فبالرغم من وجود وجهات نظر وسطية ، إلا أن هنالك فلسفة معادية تمامًا للحب يمثلها في هذا الاتجاه ” آرثر شوبنهاور ” ، كما نجد فلسفة أخرى تضع الحب في مستويات عليا من الخبرة الشخصية مثل حالة ” كيركجارد ” ، لذا ظلت الفلسفة متأرجحة ما بين الشك العقلاني الذي يرى في الحب غلوًّا طبيعيا في الجنس ، وما بين الثناء على الحب بطريقة تقترب كثيرًا من الزخم الديني ، وهنا يعبر باديو عن رأيه قائلاً : ” لا أحب هذا الاجترار اللاهوتي الذي يلهمه الحب ، فحين أكون مع المرأة التي أحب أرى فعلا أن الحب هو مفارقة الاختلاف المتطابق ” ، ما يهم آلان باديو من الحب ليس قضية اللقاء الأول بكل دهشتها وميتافيزيقيتها كذلك ، بل قضيتي الاستمرارية والسيرورة ؛ لأن الحب عند باديو من تلك اللحظة لم يعد حياة تصنع من منظور واحد بل من منظور اثنين .

(3)

يسخر باديو من قضية الذوبان في الحب إذ يراها مفهوم رومانسي راديكالي يمكن تقبله كأسطورة فنية فقط ، أما اعتبارها فلسفة أصيلة عن الحب فهذا عيب وجودي خطير ؛ لأن الحب مكان في هذا العالم والتنبؤ به وحسابه في ضوء قوانين العالم أمر مستحيل ، كما أنه بناء متكامل لذا فعملية اختزاله في اللقاء المادي ونشوة البدايات رغم حقيقتها تسطيح لهذه الفكرة ، وإفقادها لميزة التماسك التي تميز الحب الحقيقي وتجعله قادرا على مواجهة الحواجز والعوائق التي يمكن أن تواجهه والخروج منتصرًا .

استمرارية الحب عند المؤلف لا تعني بالضرورة ديمومته بل هي مواصلة ابتكاره الدائمة ، فالحب هو الرغبة الدائمة في الدوام .

(4)

بقسوة يرد الكاتب على فلسفة المذهب الشكي والتي ترى أن الحب مجرد شيء يبنيه الخيال لكي يغطي الرغبة الجنسية بقشرة خارجية ، موضحا أن العلاقة الجنسية بكامل تورطها الجسدي هي دليل على الاستسلام الكامل للحب إذ أن الصداقة لا تتضمن هذا التواصل الجسدي ، لكن الحب مع استمراريته – بحسب المؤلف – يضم كل الأوجه الإيجابية للصداقة .

وينبِه أن على الفلاسفة أن يتساءلوا لماذا يملك الحب هذه السلطة وهذا القبول العظيم عند الناس ، الروايات والقصص والأغاني الكثيرة التي اتخذت من الحب موضوعها الأساسي ؟ لا بد بأن هنالك شيئاً كلياً في الحب ، هذا الشيء الكُليّ يخبرنا به باديو قائلاً : الحب يقدم خبرة جديدة للحقيقة حول كيف تكون اثنين وليس واحدًا ، وأن نعيد اختبار العالم ونقابله بوعي غير وعينا المنعزل ، ولهذا نحب الحب ، لأننا نحب الحقيقة حتى لو كنا لا ندرك ذلك .

ورغم اهتمامه بالاستمرارية في الحب ، لا ينفي باديو أهمية البوح بالحب وإعلانه ؛ لأن البوح هو عملية تحويل ” الصدفة ” التي أفرزت اللقاء إلى ” قدر ” تبنى عليه الحقيقة ؛ ولكي ترسخ هذه الصدفة لابد من تكرار عملية البوح والإعلان هذه باستمرارية ، دون خوف من الكلمات ، ومن سخرية الأخلاقيون من جملة : ” سوف أحبك دائمًا ” ، فهذا التزام وولاء حقيقي داخل سرمدية الزمن ، السرمدية التي هبطت إلى داخل الزمن بفعل الحب .

(5)

في الفصل الخامس يناقش باديو العلاقة بين الحب والسياسة ، وأوجه التشابه بينهما ، فالسياسة الثورية التي تتبنى مبادئ الحرية والمساواة تشبه إلى حد كبير الحب الذي تمثل إحدى تعريفاته اختبار العالم من وجهة نظر الاختلاف ، ثم بقليل من التلاعب اللغوي يرى أن هنالك تشابها آخر يتمثل في كون الدولة التي غالبا ما تسقط في اختبار تحقيق هذه الأهداف الثورية وتخون الأمل السياسي تقريبا ، تشبه إلى حد كبير الأسرة التي تعتبر واحدة من أقوى أسباب خيانة الحب ، وهذا يعود لكون الدولة والأسرة كلتاهما تتعاملان مع السيرورة التي تتمثل مواجهة الواقع نقطة بعد نقطة وقرارا بعد قرار ، بعيدا عن إعلان الحب الأول ، والثورية السياسية التي تعتنق المساواة .

يؤمن باديو كذلك بقوة العلاقة بين الفن والحب ، إذ أن الأول يتمتع بميزة عظيمة ألا وهي تحقيق العدالة للحدث ، ومحاولة استعادة كامل قوته الكثيفة ، وهذا بعكس التاريخ الذي يقوم فقط بترتيب الأحداث بعد وقوعها . إذا فالفن يستعيد بُعد المعاني ويخترق ما نراه ، وهنا تتراءى لنا العلاقة الوثيقة بينه وبين الحب الذي هو لحظة يخترق فيها الحدث الوجود . ويضرب مثالا بالسوريالية كحركة فنية اتخذت من الحب كمبدأ ودعم محتمل للثورة في الوجود ، ومع ذلك – بحسب باديو – لم يهتموا كثيرا بالاستمرارية ، والتي تنبه لها أدبياً ويا للغرابة أحد كبار كتاب العدمية والتشاؤم ” صمويل بيكيت ” إذ أنه تجاوز الاهتمام بالموضوع الكلاسيكي ذو المعالجة النمطية في كل قصة حب : ” صراع المحبين الشباب في مواجهة استبداد العائلة ” واستحالة الحب بكل اختباره وتراجيديته وخفوته وفراقه ونهايته ، إلى توكيد استمراريته في أعمال مثل ” أيتها الأيام الجميلة ” و ” كفى ” .

(6)

في كتابه ” معنى ساركوزي ” يسخر باديو من التمترس الفرنسي خلف خطاب الهوية والدفاع عن القيم والذي يفرغ في آخر الأمر عند هوية واحدة هي الهوية الرأسمالية العالمية باعتبارها الهوية الممكنة الوحيدة ، لأن في انتصار منطق الهوية تهديد للحب ، فالحب يثق في الاختلاف ، بينما الهوية تشكُ فيه ؛ لذا يجب مقاومة عبادة الهوية بالحب لكل ما هو مختلف وفريد وغير مكرر فـ” أن تحب هو ما لن تفعله مرتين ” كما يقول صاحب كتاب نظرية الذات .

(7)

أخيرًا :

هل لنا أن نتساءل بما أن مؤلف الكتاب هو فيلسوف ، هل يقول الفلاسفة أشياء نعرفها فعلا بمصطلحات لا نعرفها ؟

فالتعبيرات والتصورات والاستنباطات البسيطة لكل فرد منا تصير عندهم أشياء محملة بمعاني كثيرة ،ربما تكون غريبة بطابعها هذا ، رغم أنها قد تكون داخل الصياغة الفلسفية منطقية .

و هل يمكن تبسيط هذه الكلمات لتصير بمتناول الجميع ، أم أن هذا من غير الممكن لأن هذه المعاني تبنى داخل التساؤل الفلسفي نفسه ، و لذا تظل محتكرة هناك ، كثمرة بعيدة ، لن تأتيك إلا إذا ذهبت إليها ؟

(8)

آلان باديو، من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث).

 

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

2 تعليقات

  1. جميل

أضف تعليقاً