الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: قراءة في رواية ” زهور تأكلها نار ” للروائي السوداني أمير تاج السر .

قراءات: قراءة في رواية ” زهور تأكلها نار ” للروائي السوداني أمير تاج السر .

33024497

بقلم: الجزولي إبراهيم 

1

في روايته الصادرة مؤخرًا عن دار الساقي ” زهور تأكلها نار ” التي اقتحمت القائمة الطويلة للبوكر هذا العام 2018م يورد الروائي السوداني أمير تاج السر إفادة أو تساؤل إحدى قرائه ” ماذا عن المرأة داخل النص ؟ المرأة السبية والجارية بحسب قوانين اباخيت ؟ من يخبر بما يحدث ؟ ” .

استنتجت القارئة سارة “ع” هذا السؤال من رواية ” توترات القبطي” التي تحكي عن مأساة وألم الرجال ، فجاء الرد رواية كاملة يا للعظمة ويا للوشائج التي تصنعها الكتابة ، يقول جون بول سارتر ( وإنما بواسطة الكتاب تتوطد صلة تاريخية بين هؤلاء الناس الذين يخوضون غمار تاريخ واحد ، فيتعاونون على السواء في عمل ذلك التاريخ والكتابة والقراءة هما الوجهان للحقيقة التاريخية الواحدة ) . 

2

يمكننا آن نلمح في هذه الرواية بأنها محتشدة بالشخوص حتى يخيل إلينا أننا لا نستطيع أن نحصيها ، فهناك أسماء عابرة ليس لها تأثير فعلي على الأحداث وتطورها واتصالها فهي ليست شخوص ثانوية حتى ، لكن هذه الشخصيات بعلاقاتها وتشابكها تلعب دورًا هامًا في إبراز البعد الاجتماعي وإثرائه داخل العمل الروائي .

تمكن الكاتب بذكاء فائق من إدخال كل الأصوات التي تضج بها مدينة السور في سيمفونية مضبوطة الإيقاع فهناك بعض الأصوات تدخل لوهلة لكنها تسمع وتفعل فعلها في دواخل القراء ،  هذه الوهلات تبدو وكأنها أقحمت دون لازمة وهي حقا لم تحرف مسار السرد لكنها شيقة وربما تجسد مشاعر ومفاهيم إنسانية عظيمة وشائكة ، مثلا ” وقيل بكى زوجته آم إيليا التي انتحرت بالسم منذ سنوات ، لسبب بسيط تافه هو أن الزوج عاتبها على استهلاكها الماء في الاستحمام ، حيث كانت تستحم كل أسبوع مرة ” ص 27 . شخصية وحدث أم ايليا عابران لكنهما يجسدان الهوس والهدر وما يفوق الجنون ، وعدم التيقن من انهمار حياه البشري بسلاسة وطبيعية أي يمكنه أن يتحول إلى عدم تحت أي دعاوي .

في عصر الحداثة الأدبية تعدد الشخصيات في العمل الروائي أصبح ضرورة ملحة للتعبير عن هذه المشاعر والرغبات والآمال والجنون والحياة اليومية بكل تهتكها ، لذلك يعرف باختين الرواية بأنها ” تنوع من الأصوات الاجتماعية المختلفة ، ويبدو كذلك أنها تنوع من الأصوات الفردية الحائزة على تنظيم فني ” .

3

يبدأ السرد الذي ترويه خميلة جماري البطلة التي تتمحور حولها الأحداث بتفاصيل دقيقة عن الأنثى وأبرزها بشكل ايجابي وكان اختيار شخصية خميلة يوضح الدور الذي تلعبه المرأة في الحياة بشكل عام ، فهي مثقفة ومتفتحة العقل وبعد دراستها لعلم الجمال عادت إلى مدينتها السور ضاربة في العمق الوجودي والاجتماعي ، وبدقة عالية خاض الكاتب غمار الأحاسيس والمشاعر الأنثوية المتقلبة مستكشفا العوالم الجوانية “الداخلية” راصدا تفلتاتها وكياستها ولحظات حبها الطفولي الزائف ولطافتها وتيهها وتفاهتها وثرائها الذهني حتى نضجها وتشكلها واكتمالها البيولوجي ، ولم يكتف بهذا بل استطاع الولوج إلى منطقة الوعي الذي يشكل القانون الأخلاقي الداخلي والنضج الإنساني الذي يسمو بالحياة ، كما عمل على اختبار وتبيان كيفية ارتباطه بالعوالم الخارجية الاجتماعية العملية .

يتهادى الحكي بسلاسة إلى مكان الأحداث “مدينة السور” والمكان في السرد الروائي يرتبط بالشخصيات وتجربتها الحياتية لان الإنسان هو الوسيلة التي بها تتبدى الأشياء ، لكنه أيضا يعمل على تنظيم الأحداث وربطها ، وهنا يبرز ما اشتهر به كاتبنا وهو الواقعية حيث كانت وجهة النظر السردية موضوعية مع بعض الكشف والاستبصار الذكي ، فتعرض إلى كل الآراء والأنماط المختلفة بدءا من يوسف دامير حاكم المدينة التركي المتغطرس مرورا بوجهاء البلدة وتجارها ونسوتها ومثقفيها ومعاتيهها ومهوسيها بقصصهم الشيقة الغرائبية كقصة يعقوب نوفو الذي حاول أن يبيع زوجته ماريا صامويل القبطية من دون أي أسباب فانتبه تاجر الرقيق إلى خاتم زواجها فأوقف البيع ، ثم للأسف توفي يعقوب هذا اثر رفسة حمار غاضب صادفت أحشاءه فمزقتها ، تمتلئ الرواية بمثل هذه الحكايات التي تحفز المتلقي وتكسر النمط الخطي والتتابع الرتيب . 

4

يتدفق السرد الحكائي بسلاسة في حياة هادئة مطمئنة في الفصل الأول الذي يحمل عنوان ” شغف ومدينة ” برغم التعدد الديني والعرقي الذي تحفل به المدينة ، فلا توجد عصبية من أي نوع فالحياة ماضية والسكان يتقاسمون المحبات والأحزان ويتصاهرون ويحتفلون ثم يحصل أن يلتقط ميخائيل خبرا مفاده أن ثورة كبيرة قد اندلعت في مكان قريب من مدينتهم بقيادة المتقي ينتهكون القرى قتل وذبح وشهوات مراقة ، من بداية الفصل الثاني الذي يعنون ب ” ليل” تزداد الوتيرة وتمضي هادرة في طريقها المخضب بالفجائع والآلام العظيمة ، إن الأنساق والتجارب التي يعريها الكاتب ويفضحها ليست بغريبة على المتلقي فالأهوال والتعذيب والقتل الوحشي هو مادة يومية على القنوات الفضائية والعالم الاسفري فنموذج داعش وبوكو حرام كافي لتعريفنا بهذه الأهوال لكن اللغة الشعرية التي استخدمها لها دور في تكثيف المشاعر والتأثير على القارئ ، ثم يأتي دور الكتابة في خلق الدهشة أو كما يلخص فيكتور شيكلوفسكي بان كل عمل روائي حداثي يرمي بالضرورة إلى تفكيك الحس البديهي بالأشياء في العالم .

اخطر ما في الثورات الدينية أنها تنطلق من فكرة يقينية، أنها على حق تناضل من اجل إحقاق الحق والعدل والكرامة الإنسانية ، هذا ما تنبهنا له الرواية بأنه ” ثمة معسكران لا ثالث لهما ، معسكر الإيمان ويمثله المتقي وجماعته التي تأتمر بأمره وتفتك حتى بآفات الأرض في تغلغلها الفوضوي ومعسكر الكفر الذي نمثله كلنا مسلمين وأقباط ويهود وبوذيون مادمنا خارج جنون الثورة وخارج مشروعها العنيف ” ص 59-60 ، وهناك رؤية نضالية ودعوة إلى التشبث بالمبادئ والثبات على الحق والموت من اجله وهو ما يجسده موقف عبيد المشاء حامل الرسائل الشهير الذي حاول إيصال خبر الثورة إلى العاصمة ولكن اقتنصه الجهاديون وقبل أن يقطعوا رأسه صاح بصوته المبحوح المميز :

يسقط الظلم . . يسقط الرعاع .

كما تنبهت الرواية إلى نقطة محورية وكانت مثار جدل في دراسة المجموعات الجهادية المعاصرة وهي انخراط الصبيان والشباب اللطفاء وحتى الشابات في مثل هذه الثورات ، لكن ما يعاب عليها في تناولها لهذه الظاهرة المؤرقة غابت عنها الرؤية الفكرية والأفق التنويري الذي يساهم في تحجيم وتغليظ نشوء هذه المجموعات .

في نهاية الرواية وبطريقة غاية في الجمال والسحر يتلاعب الكاتب بأفكار قرائه ويجعلهم يفرحون ويحزنون ويتوقعون ويتوقون إلى النهايات ذلك في قصة هروب خميلة الذي يمتزج فيه الحلم بالواقع ويتداخلان لتظل النهاية مفتوحة ، وهذا من السمات التي ظهرت في الرواية الحداثية أن يكون الناتج السردي مشوشًا ومرتبكًا وفوضويًا .

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة