الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: قراءة في كتاب “آمال جديدة في عالم متغير “برتراند راسل

قراءات: قراءة في كتاب “آمال جديدة في عالم متغير “برتراند راسل

Capture

بقلم: محمد جمال

في هذا الكتاب الذي تم إصداره عام 1951 أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بسبع سنوات يستعرض لنا برتراند راسل المشاكل والمخاطر الكبرى التي تواجه العالم وتهدد مستقبل البشرية ويعطي بعض الحلول لمواجهة تلك المشاكل ليخبرنا أن الأمل لا يزال قائمًا حقًا وليس مجرد حلم رومانسي نحلم به.

وترتكز تلك المخاطر الكبرى وفقًا لراسل على ثلاثة محاور رئيسية وهي كالآتي :

المحور الأول هو صراع الإنسان مع الطبيعة :

في هذا المحور يناقش الكتاب تطور الكائنات منذ العصور الجيولوجية السحيقة وصولًا إلى عمر الإنسان الذي يقدره بعض العلماء بمليون عام ويستطرد راسل في كيفية تعامل الإنسان مع الطبيعة واكتشافه الموارد ومحاولاته للصيد من اجل البقاء واكتشاف النار وتكوين الأسرة والقيام بالزراعة، فالإنسان نجح وانتصر على مخاطر الطبيعة في تلك العصور إلى أن استقر في الأرض وشيد نظامًا اجتماعيًا متماسكًا.

وتشهد البشرية طفرة جديدة بالتوصل إلى الكتابة والتدوين كما تشهد طفرة أخرى في نهاية القرن الثامن عشر تعتبر هي الأكثر تأثيرًا في تحول الحياة الإنسانية، هذه الطفرة هي اختراع الآلة وتطور التكنولوجيا والعلوم الفنية الحديثة.

وهنا يظهر صراع الإنسان مع الموارد الطبيعية حيث أن الإفراط في استخدام تلك الموارد يؤدي حتمًا إلى استنفاذها ومع الأسف لا يستطيع العلم حتى الآن إعادة الموارد إلى طبيعتها مرة أخرى فاستخدام الفحم مثلا يؤدي إلى إنقاصه من الطبيعة ولن نستطيع إعادة الفحم إلى حالته الأولى قبل الاستخدام وكذلك البترول والمعادن.

وتظهر مشكلة أخرى تتعلق باستنفاذ الموارد وهي زيادة السكان، فكلما زاد عدد السكان زاد معدل استهلاك الموارد الطبيعية وهو ما يؤدي إلى المجاعات والحل لمشكلة قلة الموارد في نظر راسل هو استخدام الوسائل الفنية الحديثة بأفضل صورة ممكنة بغرض تقليل الإفراط في موارد الطبيعة ومحاولة استثمارها بأقصى استفادة ممكنة مع القيام بمحاولات علمية لإعادة الموارد المستخدمة إلى أصلها مرة أخرى ولكن طالما أن العلم لم يتوصل لتلك التقنية بعد فعلى الأقل يجب تقليل معدل استخدامنا لموارد الطبيعة، ولكن مشكلة السكان لا تزال عقبة في تحقيق هذا التقليل وهنا يقترح راسل ضبط النسل في الدول التي تعاني من زيادة سريعة في معدل المواليد ولكن هناك عقبة أيضا في تحقيق ذلك وهي العادات والتقاليد والأعراف الشعبية والمعتقدات الدينية التي تشجع علي زيادة المواليد والبعد عن تحديد النسل ففي مصر مثلا لدينا المثل الشعب المشهور “العيل بييجي برزقه”.

ومن أجل حل تلك المشكلة يدعوا راسل بضرورة التعليم ونشر التوعية وشرح نتائج الأضرار التي يمكن أن تنتج من هذه الاعتقادات والعقائد من خلال المقررات الدراسية.

المحور الثاني : صراع الإنسان مع الإنسان

في هذا المحور يستعرض راسل مشكلة الحروب العسكرية والتي تؤدي إلى تدمير البشر وهي من اكبر المخاطر التي تشارك بإسراع عملية الفناء البشري، ويشير إلى أن عدم الثقة بين الدول الكبرى فيما يتعلق بتصنيع الأسلحة وتطويرها يؤدي إلى التوتر العام بين الدول حيث أن كل دولة تخشى من تطوير الدولة المنافسة للأسلحة المدمرة فتقوم هي الأخرى بالتطوير وزيادة القدرة التدميرية لأسلحتها وهكذا ينشأ النزاع بينهما.

ومن أشكال صراع الإنسان مع الإنسان هو ما يتعلق بالعنصرية والتمييز بكل أشكاله، فالصراع بين المذاهب الدينية يشتد مع ازدياد الفقر والمرض ومع ترسيخ فكرة الحق الوحيد واليقين المطلق لأصحاب هذه الديانات، كما أن صراع الإيديولوجيات المختلفة والتمييز القائم على لون البشرة لا يقل خطرًا عن العنصرية الدينية ويشهد التاريخ على قيام حروب عنيفة نشأت بسبب هذا الصراع.

كما يستعرض راسل شكلًا آخر من الصراع في هذا المحور وهو السياسات التي تحكم الدول ويشرح خطورة الأنظمة الاستبدادية الشمولية التي تقوم على القهر والقمع فمثل هذه الأساليب تؤدي إلى الكبت الشديد ثم الانفجار في شكل ثورات قد تكون سلمية أو عنيفة تهدد مستقبل الدولة التي تحكم بمثل هذا النظام.

وأخيرًا في هذا المحور يصل راسل إلى مشكلة المنافسات الاقتصادية بين الدول وسياسة احتكار السلع ويشرح مظاهرها وخطورتها ويثبت أن الدول التي تتبع سياسة التعاون في تقديم الخدمات والسلع الاقتصادية تستمتع بالرخاء أكثر من الدول التي تمارس سياسة الاحتكار.

ولكن ما الحل الآن لتلك المشاكل ؟

يقترح راسل حل جوهري للتخلص من هذه المعاناة البشرية وهي إقامة حكومة عالمية منظمة بميزانية معينة وجيش عسكري قوي من أجل إعطائه صلاحية تنفيذ قراراته التي يجب أن تكون ملزمة للدول التي يتم إصدار القرار بشأنها.

وهذه الحكومة العالمية أيضا يجب أن تضم أعظم عقول العالم في كل المجالات سواء السياسية أو العلمية وإقامة مثل هذه الحكومة يجب أن يكون بالتناوب والتداول كل مدة معينة بالانتخاب ولكن لا يجب أن يكون نظام انتخابها ديمقراطي بالكامل كما لا يجب أن يكون ارستقراطي بالكامل بل يكون مزيجًا بين هذا وذاك.

بهذه الطريقة يمكننا تخفيف النزاعات العسكرية والقضاء على الأفكار العنصرية بالمناهج التعليمية الجيدة التي تعرض التاريخ الإنساني بشكل موحد حيث لا يتم التفرقة العنصرية بين القوميات وبعضها وبين إتباع الديانات والعقائد المختلفة ولا يتم النظر إلى الأجانب من غير قاطني الوطن الأم بنظرة دونية أو استعلاء أو ازدراء فيكون العالم وطن واحد لا فرق بين مواطنيه.

يمكننا أيضاً القضاء على الاحتكار الاقتصادي للسلع والخدمات وممارسة سياسة التعاون الاقتصادي بدلًا منها ليعم الرخاء على الجميع لكن بمعدلات متفاوتة نسبيًا.

المحور الثالث: صراع الإنسان مع نفسه

هنا يقوم راسل بتحليل المشكلات الأخلاقية التي يواجهها الإنسان وما الذي يجب أن ترتكز عليه الأخلاق حيث أن معظم البشر لديهم أوامر أخلاقية يجب تنفيذها ونواهي يجب البعد عنها وهذه الأوامر ينفذها الإنسان لا بسبب كونها أوامر أخلاقية بل بسبب الخوف من عواقب عدم تنفيذها وهنا يكمن الخلل الأخلاقي النفسي لدى الإنسان.

الخوف إذا هو ما يرتكز عليه البشر في تنفيذ الأوامر والنواهي وهو المنهج الذي كرسته الأديان في النفس الإنسانية فنحن البشر الآن مطرودين من الجنة بسبب خطيئة آدم الأولى وبسبب شعورنا العميق بالذنب نقوم بكبت كل شهواتنا وغرائزنا الإنسانية ولا نسمح أبدًا بممارستها حتى لو كانت أخلاقية ولن تؤدي إلى أضرار لغيرنا، وتنفيذ تلك الأوامر والنواهي لا تجعل من الإنسان خلوقًا بل تجعله صبورًا حتى يجد منفذًا لشهواته وغرائزه.

والسبيل الوحيد لتحسين سيكولوجية الخوف والذنب والعقاب هو أن يخلق في الناس وهم لا يزالون صغارًا نزعات وقابليات تقودهم إلى حياة لا تنطوي على أي صدام عنيف مع الآخرين لأن الأشياء المرغوبة توجد في نمو الإنسان نفسه وفي أعماله البناءة وليس في أشياء تعتمد في جوهرها على إقامة العقبات في سبيل الآخرين، فالإنسان لا يجب أن يقتل ليس خوفًا من العذاب الإلهي بل لأن القتل جريمة تؤدي إلى إنهاء حياة الإنسان وإلى انتشار الحقد والغل والعنف وهي صفات تجعل الإنسان يحيا حياة غير آمنة وغير سعيدة.

ويضع راسل فصلًا يتصور فيه حياة الإنسان السعيد بإبداء بعض النصائح وبعض الحلول التي يعترف بأنها لن تصلح مع الأسف لكل المجتمعات بسبب الصراعات الذي قمنا بذكرها من قبل.

فيضع راسل نموذجًا لتربية الطفل بطريقة معينة تنطوي على تنمية سلوكه بشكل صحيح يقوم على غرز المبادئ الإنسانية من حب ورحمة وعطف وعمل وتعليم وأخلاق لا ترتكز على الخوف من العقاب في حالة عدم تنفيذها بل ترتكز على شرح نتائج تطبيقها بصورة مبسطة.

وفي مراحل نمو الإنسان مع توفير حاجاته الأساسية من طعام وشراب وسكن وتعليم وعمل يكون قد قطع أشواطاً كبيرة في تحقيق حياة سعيدة ولكن قد يتعرض لمشكلة الحياة الرتيبة المملة ولذلك يقترح راسل بتوفير فرص للمغامرات بحيث يخوضها الإنسان السعيد للتغلب على الملل.

كما يختتم راسل كتابه بفصل “العالم السعيد” وهو العالم الذي يحظى بالحكومة العالمية التي أشرنا إليها من قبل.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة