الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات : كل الأشياء .. بثينة العيسى

قراءات : كل الأشياء .. بثينة العيسى

كل الاشياء

| في ” كل الأشياء ” تتساءل بثينة العيسى عن جدوى كل شيء . العلاقات المتقاطعة بين الفرد والسلطة ، الجيل القديم والجيل الجديد ، الوطن والنضال عبر سردية تفكك هذه التشابكات في المحاولة للبحث عن معنى حقيقي واعادة الأشياء لأصلها ؛ لأن المعاني والقوانين كاللغة ” من يسبق الآخر يفوز بحق التسمية ” .

| تبدأ الرواية منذ اللحظة التي يعود فيها ” جاسم العظيمي ” إلى وطنه ” الكويت ” بسبب وفاة والده بعد أن قضى اربع سنوات في لندن منفاه الاختياري محاولًا الهرب بأحلامه التي تفتتت بسبب ستة أشهر قضاها في السجن متهمًا في قضية أمن دولة لأجل المقالات التي دأب على كتابتها في مدونته الخاصة .

| ثلاثة أيام فقط تلك التي كان يخطط فيها جاسم للبقاء قبل العودة لعزلته ومنفاه ، لكن الذاكرة التي فرَّ بها لتشفى ما كانت لتتركه ينجو ، وعبر هذه الذاكرة بدأت الأسئلة بالتناسل والعلاقات بإظهار بعض تقاطعاتها ؛ فالأب الذي رأى فيه جاسم صنمًا وجب تكسيره يكتشف عبر سير الأحداث دقة كل ما يكون يقوله عن النضال وقوى الظلام وأطفال السياسة ، ودانة ” الصديقة /الحبيبة ” التي ظن أنها أبعد ما تكون عن أعين المراقبة كانت هي دومًا المستهدفة بسبب قضية الفساد التي حاولت كشفها حتى فقدت حياتها ثمنًا لذلك .

| نجحت بثينة في رسم شخصية بطلها المركبة القلقة التي تضع القارئ في حيرة بين التعاطف معه ” حين يفشل في الخروج من عباءة أبيه الكاتب الكبير رغم كل محاولات الانسلاخ التي قام بها لدرجة أنه ارتضى أن يكون الابن العاق في نظر الجميع لكنه مع ذلك وفي أول احتكاك حقيقي مع السلطة لم يجد بدًا من الاستنجاد صارخًا في وجه سجانيه ” أنا ولد عبد المحسن العظيمي ” والعتب على الانهزامية التي أظهرها بعد خروجه من السجن وتخليه عن كل شيء ” الوطن ، النضال ، حبيبته دانة ” .

| ممتعة تلك اللحظات التي أخذت فيها بثينة تحكي عن تاريخ المكان وناسه ، رغم انغماسها في واقعها المعاصر إلا أنها استحضرت الأسواق القديمة بكل ما فيها من قصص وحكايات تجتمع لتكمل فسيفساء هذه البقعة الجغرافية ، واشخاص كانوا ولازالوا وشمًا في قلب هذا البلد ” عالية حسن وفهد العسكر ونوال ” ، هذا التنقل في السرد والتصوير بين رائحة البحر واغاني عالية وزنزانة الانفرادي وعنبر السجن جعل القارئ يحاكم الوطن دونما واسطة .

| رغم الاحتكاك الشديد بالواقع الراهن الذي تدور فيه فضاء الرواية ، إلا أن الكاتبة لم تقع في فخ المباشرة والتقريرية إلا ربما المرحلة التي بدأ فيها جاسم وصديقه نايف التحقيق في مقتل دانة وزميلها في العمل راكان ، لكن باستثناء ذلك كانت بثينة قادرة دومًا على تطويع اللغة لتخلق منها الأسئلة التي تلقيها في ” بِركة ” القارئ وكأنها تدير حوارًا معه ليست مهتمة فيه بالحصول على الاجابات منه ، لأنها بطريقة ما كانت قد وضعت اجابتها في نهاية النص .

| هل ذهب عهد الأبطال ، غسان كنفاني ، تشي جيفارا وحنظلة ، أم أن البطل نفسه مجرد فكرة لزمان قادم أكثر من كونه حقيقة ؟
فحتى في الخيال الروائي لا تبدو بثينة العيسى الساخطة راغبة في أن تمنح العالم صبغة جمالية تنتهي بانتصار الحقيقة أو ظهورها على الأقل ، إذ تدعنا نقرأ على لسان بطلها :
” هذا ما يحدث للكاتب الذي يزعج السلطة، إنه يتحول إلى موعظة؛ أنت لا تستطيع، مهما فعلت، أن تفلت من النظام ، كل شيء تفعله يمنح الشرعية لخصمك، خصمك أكبر منك، هذه اللعبة أكبر منك، وأنت مثل أطفال السياسة إياهم ، لو أنه كتب شيئاً يومها، لكان كتب عن الآلة الصماء التي تسحق القلب. الآلة التي وجد نفسه أحد تروسها. لو أنه كتب لاعترف بالأمر ببساطة : لا يوجد أبطال، وكلنا تروس “

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .