الرئيسية / العدد الثامن / قراءات : محاولة لفهم اللغز الإنساني بواسطة حذاء ، رواية (آلام ظهر حادة)… حينما يبدع كرم الله

قراءات : محاولة لفهم اللغز الإنساني بواسطة حذاء ، رواية (آلام ظهر حادة)… حينما يبدع كرم الله

قراءات

إبراهيم جعفر :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

“أنا زوج حذاء رجالي ، مقاس 42 …”

انطلاقا من هذه الأنا المتكلمة ، وعلى مدار 17 فصل معنون ، موزعة في (133 صفحة) ، بلغة حصيفة ، ناقش عبد الغني كرم الله ، جملة من الأفكار الشائكة ، وطرح -بواسطة هوية حذاء- العديد من الأسئلة الرمزية التي تجبر القارئ على التأويل وإعادة التأمل في مشاكل الحياة ، وإيجاد الحلول!

 ولما كان الحذاء ، وهذا على الدوام ، هو الرفيق الملازم للإنسان ، تماما كالظل ، على اختلاف أجناس البشر وأنواعهم ، وتعدد هوياتهم وأعراقهم ، وأيضا في كل أعمارهم… نجد أن كرم الله ، قد استخدم هذه الخاصية المرنة ، للغوص داخل عمق المجتمع ، وللتنقل واثق “الخطى” ، يطرق الأبواب ، مستترا وراء الحذاء…

الرواية تحكي قصة زوج حذاء ، منذ الولادة وحتى الهرم ، قام الراوي بمنحه كل متطلبات السرد ، فملّكه الخطاب ، وبنى له شخصية كاملة ، بمقومات البطل ، فجعل للحذاء لسانا يتكلم ويشكي ، وذاكرة يستند عليها ويراجع بـ” كان ” و ” كنت ” ، وجسد له ظهر من جلد البقر.. وبطن من البلاستيك.. وشعر ممشط هو السيور. وكذلك حواس ، كالبصر الذي فتش عبره في معاني وتصرفات الإنسانية. وكالإحساس بالألم الناتج عن هذه التصرفات.. وأيضا خلق كرم الله ، للحذاء ، رحم ومولد وطفولة ونضوج وأم وأب وجد وإخوة ، كما صنع له هوية فردية ينتمي إليها -جنس الأحذية.. ونوعية -لكل ماهو معمول من الجلد.. وجمعية -لأمه البقرة الأصل.. وصادم لنا ، في كثير من جنبات الرواية ، بين هذه الهويات المعقدة ، وهو ما قد يكون إسقاطات لكيفية التعامل مع مشكلة تعدد الهوية في المجتمع !

ليس هذا وحسب ، فحذاء كرم الله -إن جاز التعبير- مشبع بالأحاسيس والمشاعر ، من حب وعشق ، شوق وتوق ، حنين وغيرة ، عزة وكرامة ، وتضحية وأماني.. فهو يفطن لجمال الأحذية النسائية ذات الكعب ، ويمني نفسه في كثير الأحايين بالطيران والتحليق ، ويصاب بالحزن والتعب واﻹجهاد. ويتندر ، وينكفئ على قفاه من الضحك..! ونجده تارة داخل معمعة يواجه أعداءه بصرامة ، من الشوك والحجارة والأقدام.. وأخرى نجده مع أصدقاءه ، الشجر والأطفال يعلم ويروي… ومرة نجده يمرض أو يصاب بالدوار وأخرى يسكر وينتشي وثالثة يحلم بلا منام (فالأحذية هنا لا تقفو ولكنها تشارك الأحلام) ، بل وأبعد من ذلك ، حين وضح عبد الغني أن للأحذية اجتماعات -وقت صلاة الجمعة ، وفي الأماكن المحتشدة- لمناقشة الحريات والمطالبة بالحقوق.! 

هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، استخدام لغة الحوارات الضمنية ، و انعكاسات الأقوال ، مما منح للحذاء التفاعل التام مع الأخر والمحيط ، وتجنب إدارة حوار مباشر إلا في ما يتطلب. وأجاد تخير الأسماء للأماكن.. كما وألف مجموعة من الأمثال المحورة ، بما يعكس مدى تطور تفكير الحذاء واكتسابه الحكمة بالتدرج ، فيقول: “تموت الأسود في الغابات جوعا ، وحذاء العمدة تمتطيه الحسان”
و”الحذاء كالريح إذا سكن مات”
و”الأحذية على إشكالها تلبس”
و”تجري جري الوحوش – ويهترئ الحذاء- وغير رزقك ما بتحوش”
و”لا حك جلدك -من ألم الشوك والدبابيس- مثل ظفرك”
و”حذاء بلا أرجل يوازي جسدا بلا روح”
… وغيرها الكثير.!

وانعكس ذلك على الأفكار المطروحة : من حتمية القدر والتعامل معه ، وجدلية الغاية والوسيلة ، والهوية بين الأصل والتعددية… وكذلك في ارتفاع حس الحذاء الناقد ، بما جرت عليه العادة وليس من منطق ، كأن يكون للأطفال حديثي الولادة أحذية بمقاسهم ، ويتساءل ساخرا ، الحذاء عنا ، لما هم يولدون حفاة بلا حوافر مادام أنهم يحتاجون للحماية؟!

كل هذا ، أهل الحذاء لمحاولة الفهم ، وبطريقة التهكم ، للغز الإنسانية الكبير ، والتعرف على همومه باختلافها ، فالحذاء منذ البدء حين وجد نفسه حبيس قفص زجاجي مغلق ، في واجهة معرض ، متمنعا بسعر مرتفع ، ظل يراقب الناس وتصرفاتهم من بعيد… ولما انتهت عزلته مع سيدة دفعت ثمن شراء حذاء رجالي كعربون محبة لعشيقها ، نجده انطلق مع مالكه الأول ، يجوب عالم الرفاهية وجنون الحب ، ويتعلم من تصرفات الناس وانطباعاتهم… وكذا لما انقلب الحال رأسا على عقب ، وتمت سرقته بالخطأ من قبل لص ، وتحول بعد ذلك لملكية (جابر) ، فأذاقه الأخير إزلال الفقر والبهدلة ، وتحول من حذاء المهمات الواحدة ، إلى حذاء متنوع الاستخدام ومتعدد الراكبين ، ومن أحد هذه المشاهد المؤلمة الغير معتادة عليه ، والتي شق فيها إلى نصفين أو كاد ، بسبب قيادة جابر لدراجة هوائية خربة ، استشف العنوان!

ومع جابر وزوجته فاطمة وأولادهما والبنت الصغيرة عائشة ، تنفتح عوالم جديدة أمام الحذاء ، ويخطو طرقات وبرك وطين آسن ما كان ليخطوها قبلا ، ويتعجب من أن لجابر عدة حيوات ، وأنه -أي الحذاء- حينما يذهب معه إلى الخمارة كان يسكر كما يسكر الإنسان ، ويترنح بترنحه…! ومع سمرة فاطمة يعي الحذاء ماهية الجمال… وبرفقة “عشة” الطفلة ، التي تفهم وتتخاطب بلغة الأشياء ، يشرح لنا الكثير من المعاني والقيم لفهم حياتنا !

لكننا حينما ندرك أن الحذاء الكبير هو جسد الإنسان نفسه ، والذي ترتديه أقدام الظروف والهموم ، المرض والنزوات.. والروح والأحلام ، وتسير به في الطرقات الوعرة كمجرد وسيلة لغاية ، وأننا على تعدد هوياتنا ، مازال لنا ذات الأصل ، كما هو الحال “للحذاء وأخته كرة الجلد”.. وإن تعاونا ، وأدركنا جميعا فروقات الأخر ، وقدراته المغايرة عنا ، وحاجاتنا المتبادلة الملحة ، فإننا سنسجل بالتأكيد هدفا.. وربما ، ولما لا ، قد نقترب من حل لغز الإنسانية .!

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

أضف تعليقاً