الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: منافي الرَّب … سيرة للموت

قراءات: منافي الرَّب … سيرة للموت

193262

      تظهر في الرواية عدة من الثيمات الثنائية المتقابلة، وهو أفضل ما يمكن أن أقرأ به هذا النص، حيث أقوم بتحويله عبر هذه الثيمات إلى تجريد مفهومي للأحداث التي جرت، وهو ما يعبر عن قدرة إدراكية للنص، وللمؤلف، بصياغة المفاهيم عبر سردية بسيطة، تتوغل بشاعريتها في النفس.

      عناوين الرواية الفرعية من الأهمية بمكان، إذ تقوم بتوجيه شاعري لمكمن القصة المضمنة فيها، وأهم عنوان بالنسبة لي هو الرؤيا، الذي هو أول العناوين، وتتمثل أهميته عندي في أنه المحرك الرئيسي لكامل الرواية. فرؤيا عم حجيزي، التي ترتكز على أنه سيموت بعد ثلاثة أيام، هي التي تستدعي معرفة العادات التي كان يجريها، عبر تكنيك تغير العادة بعد هذه الرؤية، التي جعلته في مقام الإنكار للموت، مما جعل كل أفعاله بعدها تخالف لعاداته، كخروجه من المسجد قبل صلاة النافلة، ونداء زوجته سريرة الجنسي المرمز، وغيرها من الأفعال التي كانت مضادة لروتينه اليومي.

      ما جري لحجيزي في رحلة البحث عن شغفه مع الراهب، وحكاية الرهبان، هي التي تستدعي معرفة الأحداث المتعلقة بصاحبيه، سعدون وغنيمة، اللذين كانا في مقام الرفيقين لهذه الحياة، خاصة وأنهم في سن السبعين والثمانين، ففقدانهما يجعل حجيزي واقعا تحت ظل الحنين، والذكرى لحكايتهما. فـسعدون، الذي كان دفنه في اليوم الذي سبق الرؤيا، تظهر عليه معاناة خاصة، من واقع مسألة موت زوجته الثانية وولده الوحيد بالنار، ويظهر مدى الكمد عليه، إلى درجة أنه يحزن لـ (زليخة)، زوجته الأولى، التي كانت عاقراً، والتي اقترحت عليه أن يتزوج (بثينة)، زوجته الثانية، حتى يكون له الولد، مع أنها التي لم تمت الآن. لكنه ارتباط الولد باقتراح زوجته الثانية. ومن ثم يظهر عليه مدى حرقته، بحيث أنه يقول بأنه هو وزليخة انتظرا ثلاثين سنة، يدعوان الله، لكي يعطيه ولداً، وهو وبثينة عشر سنين، ولما قال لبثينة في ساعة غضب الله يحرقك أنت وولدك، استجاب الله له في تلك الساعة)، (إنه ينتظر أربعين سنة ليلبي دعوة الولد، وساعة يلبي دعوة الاحراق) دلالة على مدى جزعه وحرقته. أما غنيمة، يصبح بمثابة ارتكاز تاريخي، يوجه القارئ إلى الزمن، عبر حكاياته عن الإنجليز، الذين استعمروا مصر، ومن ثم حكاية تاريخية بعيدة عن الأتراك، وارتباطهم بالمسجد، إضافة لحكايته عن اقترابه من الموت في الصحراء.

      الشيخ مزيد من ضمن شخصيات الرواية التي لها مفاهيم كثيرة يؤطرها في النص، وأهمها أنه كمركز نفوذ في هذا المجتمع البسيط، يعمل باتجاه مضاد لعملية التمدن، من خلال خطبته عن الطريق والكهرباء، التي ستنشئهما الحكومة، موضحاً الأضرار التي سيجلبانها للبلدة، من ظهور النار، وجلب الطريق للنساء العاريات، والناس الغرباء. ويظهر نموذج تضاد التمدن أيضاً عند سعدون، وذلك عندما ذهبا لأسيوط هو وزوجته (زليخة)، بطلب منها، ليبحثا في أمر عدم إنجاب الولد، فسعدون يستنكر، ويستغرب، من كيفية عيشهم في هذه الشقق، في عملية مضادة لتصور الريف عنده بالمساحات الواسعة. ويظهر امتعاضه من اجراءات الطبيب، لفحص مدى قدرة الإنجاب عنده، مما يجعله في خانة الدفاع عن تصوره ومعرفته بالريف، في مواجهات التمظهرات المدنية، على عكس زوجته زليخة، التي أحبت المدينة، بعلة الونس.

      إن حجيزي، كشخصية محورية في الرواية، تحركها إلى كنهها، عبر سلوكياته واسئلته، ومدى كرهه للدفن، وهو ما ظهر في نهايات الرواية، بأنه مجرد غطاء لبحث حجيزي عن الونس، ومن خلفه خلود الجسد/الحياة. فرحلته مع الراهب يوأنس، تبرز هذه الثيمة بامتياز، وهما في طرفي النقيض، على معادلة هي أس ومكمن النص الروائي. فالطرف الأول من المعادلة، والتي يمثلها حجيزي، لاهم له في حياته سوى سيرة الموت، والرؤيا، وفقدان أعز صديقين له، زاد من هذا شغفه بمسألة الموت، التي عبر عنها بشوقه لمعرفة طريقة يخلد بها جسده، وهذا الشغف يمكنني أن أرجعه إلى علة في ماضيه، والتي تظهر في نهايات الرواية، بحيث أن والده الشيخ شديد كان يعمل في تحنيط الاجساد، وحجيزي كان يساعده، مما يمكننا من القول بأنه فعل ساهم في نشوء وتراكم هاجس الموت/خلود الجسد، عبر منطق كرهه للدفن، واخفائه وراء علة أنه يحب الونس. وهذا الشغف يوصل للطرف الآخر من المعادلة، وهو الراهب الذي يلتقي معه ضمن سردية تجعل الراهب يحل لهم اشكالية البئر، ومن ثم يقوم حجيزي بسؤال الراهب عن الموت، مما يجعله يسير معه في رحلة، وهي سردية تظهر الخلفية المفهومية للطرف الآخر من المعادلة بكل وضوح، فهناك رهبان أُخر(عبد الله وبرسوم)، مع الراهب يوأنس، وحكاياتهم كلها تلتقي في أنهم هربوا من نداء الجسد/ الجنس، إلى منافي الرب/ الحزن (الصحراء). وهي سردية تعبر عن مفهوم ثيمة الجسد/ الروح، حجيزي/ الرهبان. لكنهما كما قلت، على طرفي النقيض من معادلة فلسفية، فهما متطرفان، بحيث أن الأول يبحث عن خلود الجسد، والثاني ينفي الجسد، عبر عدم الاعتراف بسلطة احتياج الجنس، لدرجة أن صبحي الذي أصبح الراهب يوأنس فيما بعد، قتل سيرين، التي كانت رمزاً للخطايا، وهو الأمر الذي عالجه المسيح، عن طريق إحدى شخصيات الرواية، بأن كمال الإنسان من نقصه، ونقصه من كماله، وأن الإنسان الكامل هو الرب. فقول حجيزي أثناء رحلته مع الرهبان: (ما الذي أتى بي خلف هذا الراهب؟، أنا أبحث عن صحة جسدي بعد موته، وهو يبحث عن هلاك جسده المملوء بالحياة). أوضح دليل سردي على نموذج المعادلة أعلاه.

      في نهايات الراوية، وتحديداً عند العنوان ما قبل الأخير (العشق قتال)، تتمثل قمة الشاعرية، وقمة التصاعد السردي للحكايات داخل متن النص، وقمة العذاب والحنين لكل شخصيات الرواية. فالراهب يوأنس، وهو صبحي نفسه، يزفر بالعذاب الذي كان فيه، عذاب يمثل تفان إيماني عال، في مواجهة شهوة الجسد (سيرين)، وهي في كل ليلة تأتيه. عذاب يجعله في محاورة داخلية، حيث يسأل لماذا يعذبه الرب هكذا؟. وقمة الحنين عند حجيزي، عندما يسأل نفسه، ماذا لو أحبته سريرة، وأنشغل بها، ليعيش حياته، بدلاً من تفكيره بالموت، الذي أرهق الروح، وهو حنين للحياة؟. وقمة الحرقة عند سعدون، نواحه (الله في ساعة يلبي دعاء احراقه لزوجته وابنه الوحيد، بينما بعد أربعين سنة يستجيب لدعاء الولد) فهنا محنة عالية يمر بها. وهكذا تمضي الرواية إلى النهاية المحتومة، حسب ترتيبها لفضاء الكتابة، بأن حجيزي يموت عند شجرة برتقالة متوهمة في خياله، عبر منظور ابنه بكيري، إلى آخر لحظة في حياته، كان يريد أن يعطر نفسه برائحة البرتقال، لتمكث طويلاً في جسده بعد موته. ونهاية للرؤيا التي كانت فاتحة النص الروائي.

     على وجع العموم، يظهر بأن اسلوب الكاتب يحمل شاعرية في اللغة والقصة على حد سواء، بحيث أن بعض المقاطع تحمل في مضمونها ارتقاء عال بالمشاعر، حد البكاء، الإيمان، وحتى الشهوة الجنسية. فالجنس ظهر على مستويين من ناحية أنه متمم لموضوع شخصيات الرواية، فمثلاً: ( عند حجيزي وسريرة؛ فإن العملية الجنسية في آخر حياتهما تدل على مدى تعمق حجيزي في مسأله تفكيره بالموت، لدرجة انصرافه عن هذه الشهوة مع زوجته. وبالنسبة لسعدون وزليخة؛ تدل على عمق المحبة بينهما والحنين الي الولد. أما غنيمة والراهب يوأنس أو صبحي، فالجنس ظهر بإيحاءات، دلالة على ارتباط الحياة بالموت في الصحراء، وتكشفه لغنيمة. وعقدة ايمانية طهرانية للراهب، وهو ما جعله يأتي إلى منافي الرب = الحزن. في تمثيل لنموذج عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير /آدم وحواء). أما المستوى الثاني، فظهر في الخيالات لدى الأطفال، كمثال: (سليم حفيد حجيزي وسكيرة، فالحدث أنه كان يحبها، وكان يريد أن يجعلها تتأوه، وتتألم، كما سمع خلسة تأوهات أمه. وهو ما جعله ينزع إلى استكمال شغفه، لمدى معرفة هذا الأمر وارتباطه بحبه لسكيرة، التي صنع لها تمثالاً).

     من الموضوعات التي تظهر في سياق الرواية وحدة الوجود عند المسيح، متمثلة في قوله بأن الإنسان الكامل هو الرب، وهو ما يوازي فلسفة المتصوفة، بحلول الإله في الإنسان. وأيضا يظهر موضوع عجز تصور حجيزي لتفسير مقولة المسيح، والراهب يوأنس، التي ترتكز على أن المسيح هو القيامة والحياة، ومن آمن به فسيحيى. فحجيزي تأويله ذهب إلى شغفه الذي يرتكز على حياة الجسد بعد الموت، لكنه عجز عن الوصول إلى المقصد الروحاني للمقولة، وفكرة الإيمان التي تقود للحياة بعد الموت عند الرب. وهو ما يظهر جليا كما قلت سابقا في نموذج (الجسد = حجيزي = الحياة/ الروح = المسيح = الموت).

    ارتكز اسلوب الكاتب، في توزيع الحكايات داخل فضاء الرواية، على ذكر التفاصيل العمومية عند البدايات، وكلما تعمق، تظهر التفاصيل لكل حدث على حدى، أي من الكل إلى الأجزاء. وهو ما ساعد في التشويق، وتسلسل الحكايات عند القراءة، والاستغراق في التفاصيل بكل شعوره. وفي نهاية الأمر، استطيع القول بأن الرواية ترتكز على عنوانها (منافي الرب) بصورة أساسية، والتي تظهر عند النص الثاني بأنها الحزن، الهروب من سلطة الجسد إلى سلطة الروح، عند منفى الصحراء، وما يقابلها كمعادل موضوعي سيرة الموت، التي شغلت حجيزي، وهي كانت مواربة نفسية لها ارتكاز في ماضيه، متعلقة بمدى اهتمامه بخلود الجسد. فمنافي الرب؛ رواية تحمل في كنهها نموذج مشابه لعبد الله الغذامي في الخطيئة والتكفير، آدم وحواء، والجنس هنا يظهر كأداة مساعدة لتموضع هذا النموذج في الرواية.  كما ويظهر فيها عدة مشاعر، كالحزن، الشهوة ، الحنين، عبر اختراق قوي يتمثل في اللغة المحبوكة بامتياز، واسلوب يتغلغل حتى أعمق نقطة في  شعور القارئ.

عن خالد أبو بكر

mm
كاتب من السودان