الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات : هكذا كانت الوحدة

قراءات : هكذا كانت الوحدة

17493297

 

(1)
الوحدة كانت هكذا : أن تجد نفسك فجأة في العالم كما لو أنك قد انتهيت لتوك من المجيء من كوكب آخر لا تعرف لماذا طردت منه . سمحوا لك بإحضار شيئين ( في حالتي المقعد والساعة ) ، يجب أن تحملهما على عاتقك كلعنةٍ ما ، حتى تجد مكانًا تصلح فيه حياتك انطلاقًا من تلك الأشياء والذاكرة المشوشة عن العالم الذي أتيت منه ، الوحدة هي عملية بتر ما غير مرئية ولكنها فعالة جدا كما لو كانوا ينزعون عنك البصر والسمع, هكذا هو الأمر في معزل عن كل الحواس الخارجية, وعن كل نقاط الصلة, وفقط مع اللمس والذاكرة يتوجب عليك أن تعيد بناء العالم, العالم الذي يجب ان تسكنه والذي يسكنك .
(2)
” هكذا كانت الوحدة ” رواية الإسباني خوان خوسيه مياس تحكي عن ” إيلينا ” المرأة التي تجاوزت عقدها الرابع ، وتجد صعوبة حقيقية في مد جسور تواصل طبيعية مع زوجها .. ابنتها .. شقيقها وشقيقتها بسبب صراعات داخلية تحبسها دومًا في عالمها الخاص ، تبدأ الرواية بالحدث الذي يمثل أساسها وهو وفاة والدة ” إيلينا ” ، والذي يكشف لها حجم الوحدة الذي تعانيه في حياتها رغم عدم وجود أي ارتباط عاطفي بين ” إيلينا ” ووالدتها المتوفاة ؛ لدرجة أنها لم تحضر عملية الدفن متحججة بالمرض .
(3)
هذه الوحدة تفاقمت لاحقا عند اكتشاف ” إيلينا ” لدفاتر مذكرات والدتها أثناء عملية توزيع الميراث ، المذكرات التي فتحت أمام ” إيلينا ” الكثير من المشاعر المتضاربة العاجزة عن فهم الجنس البشري ككل ، فتضخمت في وعيها الهوة السحيقة بين زوجها رجل الأعمال الناجح وابنتها المتزوجة ، وشقيقاها ، وزاد من حدة هذه المشاعر عند ” إيلينا ” كونها رأت في نفسها نسخة مشابهة لأمها رغم الاختلاف الظاهري الذي يراه الجميع ، هذا الشعور بالتسلسل الممتد من أمها ثم لها والآن ابنتها الحامل زادها ألمًا وبؤسًا ، وزاد من عجزها في فهم ذاتها ، حتى تجيء تلك اللحظة التي تقرر فيها التوقف عن كل هذه المسرحية والتحول لتعيش حياتها الخاصة ( رواية كافكا التحول أو المسخ كانت حاضرة كثيرا اثناء السرد ، ولم يكن من المستغرب أن يضع مقتبسًا منها كمدخل لروايته ) .
(4)
تنقسم الرواية لجزئيين وظف الكاتب في الجزء الأول منها الراوي العليم و المحايد دونما تورط في الأحداث ، جاعلاً من مذكرات والدة ” إيلينا ” المتوفاة ، والمنزل الخاص بها ، والعلاقة العجيبة مع وكالة التحري التي كان عليها مراقبة انريكي زوج ” إيلينا ” بطلب منها فضاءات للسرد ، بينما اقتصر الجزء الثاني على مذكرات ” إيلينا ” وجعلها هي نفسها راوية الأحداث حتى تكتمل عملية التحول الكاملة ، والتخلص من حياة سابقة لم تعد تجد نفسها فيها ، إذ تقول : ” واحدة من القرارات التي اتخذتها كانت ألا أعاود الكلام مع من لا يفهمني. الأمر غير مجدٍ على الإطلاق .”
 
(5)
” إيلينا ” بطلة الرواية ستجدها بطريقة في ” المسخ ” لكافكا أو ” الغريب ” لألبير كامو ، و ” قواعد العشق الأربعون ” لإليف شافاق ، امرأة تعاني من الوحدة كما لو كانت مرضا عضويا – للدرجة التي بدا فيها ما قرأته في تقارير وكالة التحري عن خيانة زوجها لها ، وإعادة التعرف على نفسها من خلال كلمات المتحري أمرا مسليا . خوان مياس غزل من أحداث يومية رتيبة وعادية تفاصيل حياة كاملة لرواية استحقت الفوز بجائزة «نادال» الإسبانية عام 1990.
(6)

خوان خوسيه مياس واحد من الكتّاب الإسبان المعروفين، ولد عام 1946، ودرس الفلسفة والآداب في جامعة كومبلوتس في إسبانيا، له الكثير من الأعمال القصصية والروائية فضلاً عن عمله في الصحافة. ومن أعماله: «العقل هو الظلال، امرأتان في براغ، هي تتخيل، الحديقة الخالية، ساذج وميت وابن حرام غير مرئي». ترجمت أعماله الى أكثر من خمسين لغة، وتصدرت قائمة أعلى المبيعات أكثر من مرة.

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

أضف تعليقاً