الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات : “يناير مؤقت” أول أعمال الكاتب عمرو جنيد

قراءات : “يناير مؤقت” أول أعمال الكاتب عمرو جنيد

6

تحكي الرواية عن حياة يوسف الراوي، الشاب الذي ينحدر من أسرة مفككة فاحشة الثراء، كونت ثروتها خلال عهد السادات بعد إتباعه سياسة الانفتاح الاقتصادي ..

يترك يوسف أسرته وحبيبته ويذهب إلى بلاد الخليج المستعبِد للمغتربين كطاولة القمار

” نحن يا يوسف لسنا مغتربين بعيدًا عن الأهل والوطن، أرى أن هذا منظور ضحل ومعدوم الخيال يا رفيق، الوصف الأدق أننا مجموعة من المختلين جمعتنا شهوة الطمع لنجلس حول طاولة قمار نلعب ضد الزمن، ننتظر مكسبًا ماديًا، ولكن لا ننتبه أننا نشترك في اللعبة بالمقامرة بسنوات عمرنا ، إنها لعبة الخاسرين” .

وبعد عدة سنوات، يعود مرة أخرى قبيل الثورة و لم يقرر بعد ماذا سيفعل في حياته، يعود ليصطدم من جديد بعائلته، فالأوضاع كما هي لم تتغير منذ وفاة شقيقه الأكبر، البيت كما هو، والحياة البرجوازية كما هي لم تتبدل، الأوضاع الوحيدة التي تغيرت هي أحوال البلد، فلقد طفح الكيل، بالشعب، الذي لم يعد يتحمل أي شيء من هذا النظام المتبجح في سرقته

يقول عمرو جنيد

“النظام الحالي مختلف عن الأنظمة السابقة المتعاقبة التي كانت تنهب ، على الأقل لم تتخلص من فضيلة الخجل فتلقي بفتات إلى شعبها المسكين يتقاتل عليها ، لكن النظام المبارك نافذ الصبر لا ينتظر.. تخلى عن كل فضيلة بما فيها الخجل فسرق حتى فتات الفتات و ترك البطون لتأكلها الديدان”.

الرواية تعبر عن التذكر و النسيان، و الذاكرة الحية التي أحيانا ما تسجننا بداخلها، و عن الشعور بالاغتراب وسط الأهل والأصدقاء والوطن. وعن الحب الذي يخذلنا، ويتركنا في منتصف الطريق.

( عائلتي و ما أدراك ما عائلتي؟ … العائلة أول ما يفرض على الإنسان عند استقباله هذا العالم الدنيء ..

و يليه الاسم الذي هو مفروض من قبل العائلة التي لم تختارها منذ البدء … مفروض فُرِض من مفروض .. فتكون توقعات الحياة جلية ).

أما الثورة فكانت حاضرة معنا في الأحداث، بداية من ثورة تونس التي كانت شرارة البدء لثورات الربيع العربي،

والثورة المصرية بتفاصيلها التي أنقذت المصريين من شعورهم بالاستعباد طيلة الستين عاما الماضية.

يصف عمرو جنيد تفاصيل الألم والظلم والقهر والاحتقان الذي ظهر على وجوه الناس في الميدان قبيل الثورة، من خلال شخصيات رئيسية مثل داليا الناشطة ، وينقلنا لصبيحة يوم الخامس والعشرين من يناير حيث ترقب الشباب لاستجابة الشعب لدعوات النزول إلى الميدان، والاستعدادات الكاملة من جهة الشرطة في مواجهة التجمعات في كل مكان، ليقدم لنا صورة حية لثورة لن تغيب شمسها أبدًا عن الشعب.

الرواية مقسمة إلى عدة فصول ( حركات ) كنغمات مقطوعة موسيقية كلاسيكية، فنجد الرواية تبدأ بافتتاحية أوبرالية ” تنوعيات على لحن قديم”، ثم الفصل الأول أو كما اسماه الحركة الأولى ” لحن سريع فائض بالأماني”.

والحركة الثانية جاءت بلحن رومانسي يثير الأشجانّ

ثم الحركة الثالثة وهي المارش الجنائزي.

لينتهي بنا في الحركة الرابعة ب ( Grand finale).

أما السرد فقد اتخذ شكلان، سرد نفسي و تداعي للوعي على لسان الشخصية الرئيسة، و سرد راوي عليم في باقية الفصول مما أعطى تنوعًا سرديًا، و إغراق في البعد النفسي و اشتباكه مع المحيطات الخارجية ليوثق معادلات موضوعية خلاقة تولد الأفكار في رأس المتلقي و في ظني كانت هذه مغامرة كبيرة، أشفقت على الكاتب من الخوض فيها.

أخيرا هذه الرواية، قدمت لنا قلمًا جديدًا، أمين، واقعيًا، مثقفًا، ليبعث فينا أملًا كدنا أن نفقده، حول وجود أقلام جديدة أصحابها لديهم موهبة حقيقة تستحق أن نلتفت إليها.

عن لمياء يسري

mm
كاتبة مصرية ليسانس أداب ،تخصص الدراسات الكلاسيكية مهتمة بالفلسفة والتاريخ والأدب