الرئيسية / احدث التدوينات / قراءة في ديوان “أحوال” للشاعر محمد عمر جادين

قراءة في ديوان “أحوال” للشاعر محمد عمر جادين

الغلاف

عندما بدأت في قراءة الديوان وقبل صدوره، كنت أتلمس طريقي لشيئين:

أولهما قراءة خاصة في عالم جادين الإبداعي، وجه آخر لإبداعه، فبداية قراءتي له كانت مقالًا سياسيًا… أحد مقالات إنجيل الثورة، ثم توالت القراءات قصص قصيرة، مقالات، مناقشات، قراءات جمالية تحمل طابعًا نقديًا لقصائد أخرى، إلى أن حان وقت التعرف على أحوال جادين، والتي كما وصفها هو: وليدة القلق والوحشة والمكابدات العظيمة.. وأصفها أنا بأنها أحوالنا، فكل من يقرأ النصوص سيجد لنفسه فيها حال أو أكثر…

ثانيهما اختراق عالم قصيدة النثر، أو بالأحرى محاولة اختراق هذا العالم والتعرف عليه… محاولة للتعلم ولصقل موهبة أحسبني على درجة من الإجادة لها، قراءة النصوص وإدراك المعاني وتحليل النصوص اعتمادًا على حدسي وذائقتي… ولكنني كنت أحتاج هنا الإحاطة ببعض المفاهيم النقدية لاستكمال القراءة ولهذا كان ديوان أحوال محاولتي الأولى في التعلّم…

ما هي قصيدة النثر؟!

قبل التوغل في الأحوال … أشارككم تعريف الناقدة الفرنسية سوزان برنار لقصيدة النثر: «قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور…خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته نهائية».

يقول عنها أنسي الحاج أحد أهم شعراء قصيدة النثر العربية:

«لتكون قصيدة النثر قصيدة حقاً لا قطعة نثر فنية، أو محملة بالشعر، شروط ثلاثة: الإيجاز والتوهج والمجانية».

و توصف قصيدة النثر بإيقاعها الخاص وموسيقاها الداخلية، والتي تعتمد على الألفاظ وتتابعها، والصور وتكاملها، والحالة العامة للقصيدة.

ونلاحظ أن قصيدة النثر والتي ألبست القوانين الثلاثة:

“الإيجاز، المجانية، والوحدة الموضوعية” لها أيضاً أشكال مختلفة فهناك قصيدة النثر التي كتبها لوتريامون وهي تختلف عما قدمه شعراء غربيون كبودلير أو لوركا، واليوت، ورامبو، وريلكه، وباوند ، أو شعراء عرب كسميح القاسم، ودرويش، ورياض الصالح الحسين، والصادق الرضي، وأنسي الحاج، وأدونيس، وأنس مصطفى، وعالم عباس، ونصار الحاج.

ومن منطلق تلك التعريفات سأحاول اكتشاف ديوان أحوال…

وقبل التورط بأحوال فلنتعرف عليها من خلال:

عنوان الديوان.. أحوال …. عنوان رئيسي

لأن الحياة ليست هكذا…… عنوان تكميلي قد اعتبره تفسيرًا، أو استنكارًا..

فمن البداية يعلن جادين عن تمرده، رفضه للواقع الذي نعيشه تحت مسمى الحياة، رغم أنه ليس إلا أحوال، تجارب تتكرر بين الذاتي وتنعكس على العام، كما قال جادين في البداية، لينتهي القارئ من الديوان وهو بعيد عن التوقع، لا يدري إن كان الشاعر نفسه هو من بداخل الأحوال أم القارئ أو غيرهما!

نصوص الديوان ومجموعاته..

النصوص خلاصة تجارب ذاتية، وعامة أسقطهما جادين بمهارة على الواقع، على الحياة التي تمضي بنا في رحلة تبدأ مع الميلاد وتنتهي بالموت … ولكن! الشاعر بدأ الرحلة كما أحسب قبل التواجد على الأرض وإن لم يعلمنا من أين تحديدًا ! وترك لنا اختبار الأمر بأنفسنا..

عندما نظرت إلى فهرست الديوان، في محاولة لتحليله وجدت أن الرحلة كما يصفها جادين بدأت خلال الزمن، لا الزمن الذي نعرفه بين ماضٍ وحاضر ومستقبل ! لا بل ذلك الزمن السرمدي، زمن ما قبل التكوين، وقبل عبورنا الأول إلى الأرض.. برزخ ما قبل الميلاد إن جاز لي التعبير وليس برزخ ما بين الحياة والموت…

لذلك المجموعة الأولى من النصوص تحت عنوان ”مجتزأ من سيرة الوقت“، ثم يستكمل شاعرنا رحلته، بعد أن يتسلل من الزمن السرمدي، إلى زمننا هذا ليطّل عبر نوافذ مُشَرّعة.ولكن على ماذا؟!

ثلاث نوافذ نحو العدم“ إنه يصف الواقع والحياة ونفسه من خلال تلك النوافذ…

وبالمجموعة الثالثة يتوغل جادين في الوصف ليجمعنا بأحوال أكثر، يقربنا مما سنختبر وسنجد ونعيش إنها ”جراح مشتهاة“ ورغم أنها جراح، لكننا نشتهيها، فلقد بدأ التورّط، تورطنا بالأحوال. هذا التورّط يقودنا إلى فاصل تحت عنوان ”أثر في رمال المكابدة“، الفاصل الأول بين مجموعات النصوص، وكأنها نقطة توقف يلتقط فيها أنفاسه، أو يساعدنا لالتقاط أنفاسنا، وكأنه قدّمَ لنا تفسيرًا لما قبل القدوم، ثم أطلّ معنا على الوجود الذي نحسبه وجودًا وهو ليس إلا عدم، ولماذا أخبرنا عن الجراح التي سنعاني منها، ثم الأثر الذي ستتركه المكابدة علينا، ومن ثم نترك نحن آثارها على رمالها، وعلينا أن نستعد لما هو قادم، لما بعد المكابدة. مجموعة جديدة من النصوص تحت عنوان ” بصيرة تنمو“.. لقد تشكلّت تجربتنا الخاصة وبدأنا في إدراك جديد، إدراك هو نفسه ما أدركه جادين عبر الرحلة من خلال تلك المجموعة، ولهذا وضع فاصلاً جديدًا يُعَبّر تمامًا عن ما نحن فيه

ضجر“ عندما نتعلم ونختبر وتخوض غمار الأشياء نعايشها ونمارسها، يصيبنا الضجر، والسأم فلا جديد، لا يوجد على الأرض ما يستحق، هل هذا حقيقي ؟!

ولكن هناك الحب.. فكيف يراه جادين ؟! بمجموعة نصوص شعرية جديدة يخبرنا عنه وتحت عنوان ”قلْ هو الحب“ تنساب نصوص تلك المجموعة بشاعرية بالغة تخبرنا عن الحب كما يراه جادين وكما يتمناه وكما يريده، وكما أن الزمن هو الفضاء التخيلّي للديوان، وهو الرفيق والصديق وربما العدوّ أيضًا، فالعقل الذي يفكر ويعقلن كل فعل وكل حال وصفه الشاعر بما مضى من قصائد، لا يسمح هذا العقل للقلب بالتسيّدْ، لامتلاك زمام الأمور، فالحب وحده ليس كافيًا، أو أن أحوالنا لا تمنحه الفرصة للبقاء والاستمرار والقدرة على الصمود، لذلك تأتي المجموعة الأخيرة من النصوص تحت عنوان ”ورطة الذات“ إنها الذات التي لم تكتمل، ولن تكتمل لا بالمكابدة ولا بالتجربة ولا بالعزلة ولا بالوحدة ولا بالمشاركة ولا بالحب، لقد حان الوقت، مرة أخرى لعبور جديد عبور إلى البعيد إلى التحرر من القيود؛ كُلّ ما على الأرض أسرْ، وحان وقت ”الانفلات“ وذاك هو الفاصل الأخير، هو الختام وهو التحليق في فضاءات حُرّة من الأزمنة ومن الأمكنة ومن التجارب.

انفلات من عبودية أسميناها حياة وكاشفنا جادين أنها ليست إلا «أحوال».

قراءة جمالية للقصائد..

في هذا الجزء سأتعرض بالتفصيل لمجموعات النصوص وفواصلها بقراءات جمالية، وهذا الجزء الممتع بالنسبة لي داخل أحوال لأنه ورطتي الخاصة فيها..

– المجموعة الأولى مجتزأ من سيرة الوقت

الوقت، الزمن هو الفضاء التخيليّ للديوان، وهو الواقع الذي تدور فيه الأحوال، وهو العدو والمنافس والرفيق الذي يمضي معنا بتثاقل برتابة، أو يعدو سريعًا آخذًا معه أعمارنا وأحلامنا

* خيبة

مادامت تجربة شعرية … فلترثي الشعر، وخيالات الشعراء.. فلتفصح عنك عن ذاتك عن خيباتك وعن الوجع… أنت اللسان وأنت القلم وأنت القلب… نبضك صوت ينطق به لسانك ويكتبه القلم حرف..

بتساؤل موجع يبدأ النص هل نحن بالفعل مشردين بين جنبات الحروف والكلمات تائهين بعوالم الشعر الغامضة، التي ما هي إلا حياة أو كناية عنها أو انعكاس لها!!

أم نحن على عرش الحروف ملوكًا وسلاطين، وإن كنا صعاليك !!

الحياة مؤلمة… قاسية .. وكأس الشعر متّرع بالأمنيات فلنغترف منه، ونسافر ونجوب مدن الخيال ونبني قصورًا ونشعل قصص الغرام بالقلوب ثم نعود لنبكي لأننا بأرض الواقع ينتهي بنا المطاف وإن لم نرض عن هذا أو نقبله.

ربما لن تتغير حيواتنا، إنما هناك هذا الذي سيجد بين السطور ومضات تمنحه ظلالاً من نور.. ربما نحن بحال أو لآخر نكون سببًا في نجاح آخرين فيما فشلنا فيه..

ربما تكون سببًا لجعلهم أحياء، أو لإدراكهم سّر الحياة.

حصار

 ولماذا يصر التقويم على تكرار كل ما يؤلمنا ؟!

ولماذا يأسرنا ويحاصرنا في ساعته الرملية تلك ؟!

نحن أسرى الزمن لا تلك الرمال التي تنساب من اتجاه لآخر وتتساقط ببطء…

بل هي أرواحنا التي تتساقط بتهافت قطعة تلو الأخرى.

ليست أوراق التقويم، وليست الرمال بل نحن دومًا نحن السجناء وأرواحنا تنشد الفرار

تستحق الانطلاق.. فمتى ستتحرر؟!

* تبدد

بتكرار كلمة، دمٌ مرات ثلاث في بداية النص يخبرنا عن الأشياء عندما تفتقد المعنى بنقائضها… عندما تخشى الاكتمال فتركن إلى التسليم بقبول ما لا يشبهها

فكل قيمة نصيبها التبدد.. ربما كما هي دمانا التي ترمز للحياة.

* خلود

بين كُنْ كفعل…. و كُنّ كـ كاف الخطاب التي اقترنت بنون النسوة تكمن الفكرة..

بين الكاف والنون هنالك سّر..

الأول فعل يعني التكوين و الصيرورة والثانية حث لهن كي يكُنّ أو توجيه الخطاب إليهن….

وهل هناك فارق بين المعنيين؟ فأين يكون التكوين إلا بما يحتوينّ هنّ؟!

وأنا الأنثى لم أنتبه لهذا يومًا، توقفت أمام تلك الأبيات حائرة، فها أنا ذا بين السطور إنها لي ولكل أنثى تلك التي تحتوي وتحمل بداخلها معنى التشَكُّل والتكوين..

هي كلمات هو لأجل هي

أسماها خلودًا…. واقتنص لها كل ما يدل على المطلق، على السيرورة والاستمرارية..

فهي التي تنقله إلى اللا هناك إلى الوجود حيث ينتفي العدم

الوجود الذي لم نعرفه أبدًا… الوجود حيث نبقى للأبد….

*تجاهل

الأماكن تلك التي لا تعنينا رغم ما تعنيه لنا !!

وهل يكتب الشاعر دون أن يهدي بعضًا مما يكتب للأماكن…

إنه ذاك الشارع الذي يحملنا ويحمل ندوبنا التي نصنعها عابرين له

لا ننتبه ، إذا كنا نتغافل عن العابرين فهل سننتبه إلى ذلك المعبور؟!

وهاهو الشاعر يكترث بالشارع.

* تعلُّقْ

ومرّة أخرى يعود جادين للحديث عن الوقت، ذلك الذي تتعلق به عنه، نؤجل كل شيء حتى حين وهذا الحين لم يأتِ بعد، وربما لا يأتي أبدًا

ولكننا نواصل التعلق والتشبث، ربما ندمن الانتظار للحد الذي يجعلنا ننسى ماذا كنا له ننتظر!

* تشكُّل

المرأة وكما يؤمن بها الشاعر يحكيها يصفها جعلها خلودًا وتشكل..

الرمز الآلهي ذكوري، والأنثى هي شهوته … ولكنها ليست تلك الشهوة التي نعرفها، إنها شهوة إلهية كيف تكون شهوة الله ؟!

أي أنها البداية، هي الخلود.. هي ما يحدث بينهما هي كلمة والكلمة أنثى

حتى شجرة الخلد كانت هي، ليست الخطيئة، ولا هي الغواية بل هي تلك البذرة التي تشكلت

ونتاج البذرة ما نبت كشجرة ليأكل منها الرجل، كلما أكل كلما اكتشف غوايته الحقيقية

غوايته هي، دون أن تكون، بل هي ما زرعه الله ببذرتها التي كانت…

الرجال يشعرون بالحنين… الذي هو عورتهم الحقيقية، بينما حاجتهم فهو إلى حنانها لا إلى جسدها… خدعتهم رغبتهم بها فلم ينتبهوا إلى الحقيقة وخدعتهم أوهام رغبتهم في الجسد، فما نالوا سواه… أما جنوحهم فهو إلى ما لا يُحاز، إنهم يميلون ابتعادًا عن ما لا يستطيعون نواله وحيازته، فما تعنيه الأنثى حقيقة لم يدركه الرجال بعد.

* ضياع

بين قصيدة وأخرى من القصائد التي تتخذ أبعادًا عاطفية وتُعبّر عن الشاعر، عن أحواله عن نفسه….. يعود ليلقي في طريق القارئ بقصيدة تذكره بما كتب في المقدمة، قد تحكي أحوال عنه أو عن آخرين. قد تكون لها دلالة نفسية مرتبطة بالشاعر شخصيًا، وقد تكون فقط عن هذا الغريب، الذي مات دون أن يموت، منفاه هو غربته ، والمقربون الذين لم يعودوا مقربين.. وربما تكون للقصيدة تلك الدلالة الرمزية على ضياع الرجل، برمزية الإشارة إليه بالغريب، التائه والبعيد عمّا يجب أن ينال، وعلى اعتبار ارتباط هذه القصيدة بسابقتها.

– المجموعة الثانية : ثلاث نوافذ نحو العدم

جربوا أن تفتحوا نوافذكم كما فعل جادين … ولكن بعد أن ننظر معه من كل نافذة على حدة

استوقفني العنوان ..هذا الجزء تالٍ للمرحلة السابقة… التي كانت كنوع من التمهيد …تُرى كيف تطل النوافذ على العدم؟! و لماذا ثلاثة؟! وما هو العدم من وجهة نظره؟! هذا ما سأكتشفه بالقراءة.

  • نافذة تُطّل على اليوميّ… النافذة الأولى.

ولازال للوقت والزمن سطوتهما على أحوال جادين ! وما الذي ستحصل عليه عند إطلالة من تلك النافذة ؟! تلك هي الرتابة و النمطية التي لا تتغير وروتين الحياة التي تبدو بلا معنى ! الرتابة التي تمضي بالتزامن مع مضّي الأيام.. وتلك هي المفارقة فالأيام تمر تقتنص من أعمارنا ما تقتنص ولا تمنحنا بالمقابل إلا الرتابة… العادي … الذي يتكرر

وفي هذا النص استعار محمد مفردات الطبيعة التي تنم عن الحياة ليقابل بينها وبين العادي الذي نعيشه فتخيل أن الرتابة حقل تنبت فيه الركاكة أشجارًا وتحصد الملل لأجلنا نحن من ننظر من تلك النافذة .. لا شيء سوى الملل…

لا صوت ولا صورة ولا عطر ولا جمال..

لا عصفور ولا وردة ولا غيمة ولا عشبة …

لا شدو ولا عطر ولا لطف ولا همس ولا رقة ولا ابتسامة

إذا افتقدنا كل الجمال فكيف تكون الحياة إذًا ؟!

ننفق الظل في اجترار العبارات الكسيحة.. والمقعدة…

إنه العادي… فكل شيء بلا معنى… لا جديد … لا حياة…. نجترّ ما تلوكه أرواحنا كل يوم كل لحظة وتعود لتجتره من جديد.. ومن المقعد والكسيح ؟! أهي العبارات ؟! أم أصحابها الذين ينتهون من اجترارهم الرتيب العادي ويعودون لخيباتهم الباذخة…

ويا له من تعبير ساخر وموجع فهل تكون الخيبات باذخات فاخرات عاريات شاهقات ؟!

نعم !! عندما نكون في العادي الرتيب الممل…

  • نافذة تُطّل عليّ…. النافذة الثانية.

ما نتاج اليومي المتكرر الرتيب الذي بلا معنى إلا أنا ذاك السادر في السهو

وها أنا ذا أنساه مني وأنظر عليّ، هكذا جعل جادين النافذة الثانية.. نطل منها على الإنسان بعد أن أطللنا على حياته اليومية من النافذة الأولى…

إنسان العادي، كيف سيكون إلا تائهًا في الغفلة ؟!

غوايته هي الذكريات، هي بقايا الحياة التي تمتلكها يومًا، لقد كان من قبل هنا، وكانت له حياة، وها هو في صراعه مع العدم يلقي بالذكريات في وجهه، ليخبره عن كيانه الذي له يفتقد، وربما ليطرحها عنه فلم يعد بحاجة إليها !!

فها هو جادين يواصل استخدام مفردات تنم عن الطبيعة ويجعل من ذات الإنسان بذورًا يلقيها في حقل الشتات… الحقل الثاني بعد حفل الرتابة إنها محاولة للمقاومة، للبحث عن حلم رغم كل تلك البعثرة.. لكن الحلم ليس نبتة مستقر، بل نبتة خفيفة تحملها الريح حيث التحليق، والفوضى.. وتلك الفوضى ليست إلا حرية الخروج من النمطية والرتابة.

علينا ألا ننسى أن قصائد النثر في حد ذاتها نوع من التمرد على الواقع الرتيب المتكرر المنظم بعشوائية… إنها محاولة حرة في عالم الفوضى التي قد تحمل بحياتها نظمًا جديدة، وقوانينًا جديدة، وحياة جديدة.

ولذلك قدم لنا جادين محاولة حرة في القصيدة.. بالتحليق حيث البعيد… الـ هناك.. الأقاصي خارج الوجود المألوف، لوجود جديد ينبثق من رحم العدم.. وجود خلقه الشاعر، لأجل الإنسان… وجود وُلِدَ من أجله الإنسان نبتة جديدة .

لينسال منها هو نفسه كفكرة .. قد تتحقق أو لا … ولكنها ستبقى .

ربما وجودنا نفسه ليس سوى فكرة .. ولكننا لم نفهمها بعد.

  • نافذة تُطّل على اللاشيء…. النافذة الثالثة.

وماذا بعد اليومي، وأنا إلا…. اللاشيء، وكم من اللاشيئية حولنا ؟!

وكأن جادين أبى إلا أن يمضي إلا بعد أن يخبرنا عن اللاجدوى .. اللاشيء … اللاقيمة.

إن النوافذ الثلاث تطل على العدم فكيف به الوجود وكيف بنا له ننتظر ؟!

إنه العبث !! عبث التوقع وعبث الرغبات وعبث الأمنيات…

لا شيء مؤكد… ولقد أخبرنا بعد إطلالة على نافذته الثانية عن ربما ..

الفكرة ربما تتحقق أو لا !!

وهنا يجعلنا نشعر بل ونتأكد أنها لن تتحقق … فهو يتساءل في النهاية…

هل سننجو من العبث ؟!

ومازلنا مع مفردات من الطبيعة وكم أوجعني استخدامه لها هنا وأحسبه يقصد هذا ليعصف بمن يقرأ القصائد الثلاث..

بدأها بالزهو، وإزهار الخيبات…

ولأن الوقت والزمن هو العامل والفاعل الرئيسي الذي لا يلبث أن يُطّل علينا من كل قصيدة، وبعد كل قصيدة، إنه العدو .. إنه من لا يمنحنا الفرصة، وهو من يمضي ببطء وبلا جدوى…

فكيف بها الثمار والأوراق في كلّ هذا الوقت ؟! كيف بها نتاجًا في حقول الرتابة والشتات ونحن التائهون في الغفلة ؟! ليست إلا أوراقًا معطوبة، وثمارًا للفجيعة التي تعصف بنا، الناضجة بدود المرارة الذي ينمو بداخلها

وها هي العصافير تنوح همًا وحزنًا بدلًا من أن تشدو أو تغرد، على لحن نشاز، ها هي الرياح التي تعصف بنا مهاجرين نغادر ونهجر أماكننا … تتساقط أوراق أشجارنا … في إشارة إلى أعمارنا التي تنقضي بلا جدوى… تائهون بلا جهات… بلا دليل

وها هي الخديعة رابضة .. جالسة القرفصاء بكهفها… تسُدّ علينا الطريق…

يسود التباطؤ الذي يتناسب قطعًا مع الرتابة ..

ولأننا مخدوعين ننحاز ونحابي لكل ما هو معطوب مثل الوقت ومثل أوراقنا …

لم نعد نمتلك القدرة على التنبؤ لا مكان الحقيقة .. مجازًا كعبور أو مجازًا كمعنى !

ويكون السؤال القاتل …

هل نحن ناجون من كل هذا العبث ؟!

– المجموعة الثالثة جراح مشتهاة

ومتى نشتهي الجراح ؟! إلا إذا كنا ندرك أننا أبناء الغياب والمكابدة والألم، نعلم تمامًا أننا هنا يصاحبنا ذاك الحزن، يسكننا، يرافقنا، ويحتوينا …الوجع منا وفينا ومعنا أينما اتجهنا …

نشتهي الجراح لأن قلوبنا المكسورة لا تنبض إلا بشجوى الحزن فهو الذي يرسم ملامحنا وهو الذي يشكلنا، ونحن لم نُخلق للفرح..

بين ذكرى تبقى وتنسى أننا نرغب بنسيانها، وغياب لا نعلم هل هو غيابهم عنا أم غيابنا نحن عن أنفسنا، تبقى لنا الحسرة على ما مضى وفات ولن يعود لأنه ذهب مع النسيان فلقد أْهدِرَ كل ما كان وأصبح محل الفقد وها نحن قد أصابها العزوف حتى عن ما كنا نرتجيه، ونتمناه، فنفوسنا مقيدة وأرواحنا مسجونة فكيف بها أن تشتهي أو تطلب حتى ما تحترق مانحة له…

لقد تلاشى كل شيء ، احترق داخل أرواح هي نفسها تشتعل وتشتعل حتى تستحيل رمادًا يتطاير يتشتت ويتلاشى في الأجواء…

* ذكرى

حبيبة هي أم هي؟!

وكأنها مناجاة الحبيبة التي غابت ولازالت صورتها معلقة على جدران القلب، ولا زال هو يحاول النسيان ولكنه ينسى رغبته في النسيان..

لو اعتقدنا أن الأمر ليس إلا ذكرى حبيبة فربما بجانبنا الصواب، فالحبيبة في كل القصائد رمز يتخطى ذاك المدى الضيق من رؤيتنا للأشياء، وهنا الحبيبة قد تكون الذات الذي أراه باحثًا عنها بين قصائد الديوان … وربما النصوص التالية ستتضح معها الصورة أكثر.

*غياب

وهنا لا أعتقد أن الغياب غياب الحبيبة .. قدر غياب الأنا تلك التي ارتحلت بعيدًا..

هنا يخاطب جادين أناه التي غابت منذ بدأت تتطلع وتطلب، منذ بدأت ترتجي و تبوح باشتهاء عمّا ترتجيه… لقد أصبحت أناه غائبة بعد أن اعتنقت الشرود و زهوه والاستسلام لاحتمالات شتّى والرحيل خلالها، بعيدًا عن واقعها، وربما عنه هو نفسه…. إنه يخبو لأنها ليست هنا

الحبيبة أم الأنا… فهي لم تعد هنا… والنص التالي يخبرنا عن هذا.

* حسرة

وربما على الاثنتين… الحبيبة والأنا التي ضاعت..

وفي توظيف للتكنولوجيا التي أصبحت جزءً لا يتجزأ من عالمنا، بما تمثله قصيدة النثر كقصيدة حداثية يستخدم جادين كلمات ( الهاتف الجوال/ تطبيق الواتساب/ الدردشة) إنه يخبرنا عن واقعنا مستخدمًا أدواته. ثم يعود بنا سريعًا… إلى مناخ النص الشعري، أوجعته الحسرة، لا حبيبة.. لا دردشة .. لم يعد قلبها نابضًا به وبحبها له.. لقد رحلت منذ عاصفة نزوح، لقد هاجرت غادرت ارتحلت.. لقد غابت منذ النص السابق

ويصف لنا الغياب كيف كان، وما هي دلائله ؟

يد ملوحة بالوداع، وعناق لم يكتمل. وقهوة فاترة فقدت حرارتها تحتسى سريعًا، وضحكت باردة بلا روح من قلب حزين، ودموع انهمرت غزيرًا على خد فقد لمسة حانية أو مشاغبة

فالأحوال جميعها مائعة … لأن الغياب عمّ أرجاء الروح منذ أن اعتادت الذاكرة على النسيان … ألف نسيان.. وواحد…واثنان…وثلاثة….إنها الحسرة …

* هدر

استوقفني هذا النص منذ قرأت الديوان للمرة الأولى…

فجادين ببراعة يصف ما قد نجيب به على أسئلة مثل: كيف ينتهي الحب ؟! كيف يضيع ؟ كيف تخبو شعلته ؟ كيف يخفت ويزول ؟ والأسوأ كيف يُهدر ؟!

إن الهدر هو الضياع بلا معنى بلا سبب بلا قيمة … وبلا طائل، كمن يُهدِر ثروته، كمن يهدر حياته، كمن يُهدِر عمره، كمن يُهدِر حبه….

يُعدد جادين أسباب هدر الحب… بين وصايا فارغة … وصايا تعلمناها وبِتنا نستعيدها ونمارسها ونحن نحب، تلك الوصايا تفقد الحب تلقائيته…. حكايات غبية ربما نضعها نصب أعيننا ونحن نحب، فلا نعيش الحب… ولا نكتفي بتلك الوصايا والحكايات، بل نعاند أيضًا ذاك العناد المهين القائم على رصيد بائس من وصايا، وحكايات…

يُهدٙر الحب بأنانيتنا النرجسية، ومطالبنا المستحيلة، ولأننا نرجسيون، فمشاعرنا متكلفة، مصطنعة مدعاة ليست حقيقية ليست على شيء من القوة والصدق بما يحفظ الحب…

فلهفتنا خاسرة لأنها ليست لهفة على الحب، بل لهفة على ما قد يُمنح لنا باسم الحب، ولأن عاطفتنا منطفئة فاترة وربما باردة.

ويواصل جادين اختيار كل ما يناسب إهدار الحب، مرة أخرى باستخدام ألفاظ معبرة عن الواقع المعاش… فيخبرنا عن السذاجة المعرفية، كسبب من أسباب إهدار الحب، والتكلّس الرؤيوي والخواء اللزج… ولأن أحوال أراد جادين أن يصرف انتباهنا أم لا، جزء من تجربة ذاتية وواقع الحال….

هنا ينعكس أكثر من معنى ليخبرنا عن ذاتية التجربة، طبيعة محمد وتخصصه الكيميائي، وانتمائه لهذا الجيل بما يؤهله لأن يقدّم لنا رؤية خاصة/عامة عن الحب، إن اختيارات الشباب في هذا الجيل تقوم على عدة معايير، منها المعرفة كأحد المعايير المهمة التي تقوم كعامل ربط بين الأفراد في حكايا الحب… وهذه النقطة تحديدًا أحتاج أن أستفيض في شرح دلالتها، ومن خلال النص؛ السذاجة، عندما تقترن بالمعرفة فهذا يعني أن أحد الأرصدة التي ينمو بها الحب باطراد، لا تكفي ولا تفي، بل إنها هي نفسها قيمة مهدرة فكيف تقترن السذاجة بالمعرفة؟! وعليه فإن استخدامه لتعبير التكلّس الرؤيوي ما هو إلا نتاج تلك السذاجة المعرفية… وهنا استخدم جادين لفظة تكلّس وهي لفظة علمية لها دلالة بيئية تعبر عن الحفريات التي تكلّست وفي هذا إسقاط على من يعيشون الحب من خلال منظور قديم بالٍ كحفرية عتيقة، أو دلالة كيميائية وتعني رواسب كلسية لكربونات الكالسيوم، وهي نفس الإشارة للقديم المرفوض، ومن ثمّ يبدو الخواء اللزج، المناخ المحيط بالتجربة، المعنى الخالي من القيمة هو ثالثة الأثافي التي تهدر الحب، اللزوجة طبيعة تحتاج الكثير من المقاومة للتخلص منها، ولأننا بما سبقها لا نملك ما يكفي لخوض التجربة، فيُهدر الحب.

ويعود جادين الشاعر ليعدد لنا أسبابًا أخرى لهدر الحب..

مواعيد ضائعة، في إشارة أخرى للزمن الضائع المتكرر، السراب اللامع بين الواقع الذي عليه الحياة، وبين أحلام المحبين الذين لا يلاقون سوى السراب، ومن يستخدم معان تترتب على بعضها البعض في كتاباته فتكون النتيجة الحتمية هي اللا اكتراث ويُهدٙرْ الحب.

حب هذا العصر نتاج له فيكون طبيعيًا التذمر والشكوى والتخبط والتيه.. والتفاخر والتعاظم، والكسل والتردد… والحمقنة … ثم في النهاية يخبرنا جادين عن العقلنة…

إنه يختار نقيضين كلاهما يهدر الحب… الحمقنة والعقلنة…

بين الحماقة والتعقل يُهدر الحب .. أو بأحدهما يُهدر الحب..

الحب في وقتنا هذا يبدو مستحيلًا ونادر الحدوث وضعيف المقاومة … فالأحوال لا تصلح كي ينمو الحب ويشتد غرسًا ينبت نضوجًا….. إنه وهم يتبدد في زمن الخيبات المتكررة.

وتلك الخيبات هي التي تجعل جادين يعزُف عن قبول الحب في نصه التالي.

* عزوف

لم يعد بالإمكان تكرار التجربة، لقد أصبح الشاعر/قلبه طاعنين في الحزن…

لم يعد لديه القدرة على الحب، فتلك الصبية التي تناديه نظراتها، تخدش قلبه الزجاجي، في إشارة إلى أنه سريع الكسر، معطوب لا يصلح الحب أو المغامرة أو التجربة.. لقد ارتضى لنفسه الوحدة، وسنينه القادمة عجاف، فعندما تفتحت سنابله في إشارة لشبابه لم تتفتح إلا على الخيبة والخذلان وحيدًا سيمضي نحو موته الذي ينتظره بلا جراح أو آلام جديدة…

أو تعتقد أن الموت ينتظر؟! ربما أنت ميت بالفعل يا صاحب القلب الزجاجي.

أو تعتقد أنه رحيم؟! لا أحسبه سيكون أرحم عليك منك، كما تعتقد.. لا أحسبه كما تشتهي …

ليتك تعيد النظر في عزوفك، فالصبية لازالت على انتظار..

هو الحب … في كل الأحوال.

* قيْد

قد يبدو هذا النص خارجًا عن السياق، لأنه حوار مع سجّان.. حوار قد يبدو بعيدًا عن الحب، وربما يكون حوار مع الحب نفسه ممثلاً في الحبيبة التي شبهها بسجّان.

إن جادين كما يبدو وكأنه وضع هذا النص عرضيًا، ولكنه ليس بنصٍ عرضيّ… أراه يخبرنا عن شيء قد نغفل عنه بخضّم حديثنا عن الحب، الحرية .. تلك التي يقيدها الحب .. سواء اكتملت حكاية الحب أم لم تكتمل ! الحب قيد، ليس بذاته قيد، بل كما نتعاطاه، كما نختبره ونجربه ونخوضه ونعيشه…

هنا يخبرنا جادين عن عصفور في قفص لا يتركه سجانه حرًا منطلقًا بلا قيد، ولا يمنحه من الرعاية والعناية ما يغريه بالبقاء طواعية..

إنه بذكاء يخبرنا أننا أسرى الحب .. رغم حريتنا التي نفقدها باسم الحب، ورغم الحب الحقيقي الذي نفتقده نفسه.

أترونه كان نصًا عرضيًا ؟!

* تلاشي

هاهو بآخر نص من نصوص المجموعة يخبرنا عن الحب الذي ألقي بالقلب… كلفافة تبغ لازالت مشتعلة … والقلب بذاته محترق، ورياح خفيفة تهُبّ فتزيد جذوة الحب اشتعالاً.. اتقادًا.. كإشارة في أجواء مظلمة تحذر العابرين .. الباحثين عن الحب… فالقلب يحترق .. والحب ليس إلا بقايا ستنطفئ بالنهاية … هنا مكمن خطر… هنا عازف عن الحب، يراه قيدًا ويتوق للانطلاق حرًا…

لكن العابثين، وربما الواهمين أو من يغلبهم فضولهم.. يقتربون طلبًا للقلب وصاحبه والحب…

احذروا لن تجدوا شيئًا مما تبتغون فهنا أذى سينال منكم.. وطلبكم لن يتحقق…

– الفاصل الأول.. أثر في رمال المكابدة

من النصوص الأكثر طولاً وأكثرهن وجعًا… لم يبالغ جادين عندما وصف أحوال بأنها نتاج الوحدة والعزلة والوجع والخيبات، والمكابدات العظيمة…

وأحسبني لن أبالغ إذا اعتبرت أن نص أثر في رمال المكابدة هو نص إنساني حد الدهشة العميقة المؤلمة، والاكتشاف الصادم، أن تلتقي الآخر فقط مجسدًا بك، في ملامحك، انعكاس صورته على المرآة ليس إلا انعكاس صورتك أنت..

رغباتك، حزنك، شهواتك، انتصاراتك وانكساراتك، هزائمك، دموعك، خيباتك، ذنوبك وآثامك، حروبك الخاسرة، من تفتقد لهم، من أحببت ومن كرهت ومن اشتهيت أو تمنيت، من رافقوك أو تخلوا عنك، من صانوا عشرتك أو باعوك، من قابلوا وفاءك بالخيانة، ضحاياك أو جلاديك…. وأخيراً… أنت ولا سواك …

بطل القصيدة قناص، يقبض بإحكام على زناد بندقيته وينتظر طريدته وأثناء انتظاره يخبرنا جادين عنه، وعن أحواله…

لماذا جعله قناصًا ؟

لأننا هو بمشوار الحياة نقتنص اللحظات والنجاحات والأشخاص والأموال والمناصب… نسعى لاقتناص الحياة نفسها، أو على الأقل نصيبنا منها ….

والقناص في المشهد رغم براعته وتجارب صيده السابقة، إلا أنه يكابد القلق، تقتنصه الذكريات لنفسها …

يرسم جادين الانتظار ماثلاً أمامنا في القناص الذي تتفصد حبات عرقه ولا تسيل، إنه يكابد صبره وانتظاره وقلقه، وخبرته التي تبدو الآن بلا فائدة …

يتكاثف/ينضح/اللاذع…

كيمياء جادين التي تتبدى في اختيار ألفاظ تتناسب مع ما تشبع به دراسة..

يرتجف إصبع القناص على الزناد يوشك أن يضغط عليه قبل الأوان… إنه يترصد توًا طريدته وينتظر بينما تترصده الذكريات مكابدة….

ذكريات سابقة، رحلات صيد، أصدقاء غائبين، خدمته بالجيش وحروب خاضها، وجثث مضى على أشلائها، أنين الجرحى…

المشهد هنا به شيء من إسقاط على حال الوطن، الذي لازال مستعرًا بقتال ومشتعلا بصراعات… لم يحدثنا هنا عن أعداء، بل خدمة بالجيش وحروب… في إشارة حزينة لانتماء مؤلم، انتماء لوطن يتصارع أهله ويقتتلون…

القناص بأشد حالات الحزن فتكًا، ذاك الذي تنضح مسامه بالعرق فيتكاثف ولا يسيل، تسقط من عينه دمعة تسيل دافئة على خده فيرتعش لها قلبه……….

هو إنسان أجبرته الحياة على أن يرتدي ثياب القناص… أو اختارت له أن يكون على حال من أحواله.. ينتبه القناص إلى اقتراب طريدته، فيستعيد تركيزه ويستعد

رغم كل شيء، لا زال محترفًا على شيء من الخبرة الوفيرة والمكاسب التي حققها واللتان تساعداه على أن يرجئ الضغط على الزناد، فليبق برمال المكابدة منتظرًا، وليعد للذكريات…

ولأن جادين محترف، -أحسبه هكذا وإن أنكر تواضعًا- فهو يخبرنا عن سّر من أسرار الاحتراف، أنت لا تفكر في المبدد والضائع من الفرص ومن المكاسب، عندما تترصد انتصارًا أو تنتظر نوال قنص له تسعى، لا بل تفكر في أشياء أخرى تبدو أكثر حميمية وعاطفة. وقناصنا هنا يفكر بالنساء وشهواتهن وكيف يطيش لبه حين يكشفن له عن فتنتهن، يفكر بابنه الذي لم يراه منذ أن كان صغيرًا يتلعثم ينطق الكلمات، في حبيبته التي خانته فكفر بالحب وما استطاع للوفاء بعد ذلك سبيلاً أو تمكن من الإخلاص لامرأة بعدها.. بل اكتفى بوحدته وذكرياته التي يستعيدها ويسترجعها لحظات الوحدة بفراشه …

ذكريات داخل الذكريات … هكذا أمضى القناص وقته، وهكذا اقتنص جادين الفكرة داخل الفكرة.

ينتبه القناص إلى اقتراب طريدته فيستعيد تركيزه ويستعد.

إنه يراها جيدًا، ينظر إليها من خلال المنظار، تفاجئه بوقفتها الشامخة وتحديها له،

من منهما الطريدة ومن القناص؟!

إن مخاوف القناص تتجسد أمامه في طريدته، ويرتبك هو لنتوقف ونتساءل من الطريدة ؟ ومن القناص ؟!

وإجابة السؤال ليست في المشهد وحسب، بل في الفكرة نفسها…

الفكرة المقصودة التي هي فكرة النص الرئيسية….

إن المشهد ليس بين قناص وطريدة، قدر ما هو مواجهة بين إنسان وآخر، بين إنسان ونفسه…

و….. تفلت الطريدة…

لقد أحكم الزناد وصوّب الرصاصة التي أخطأتها لتفر هاربة..

و……

يشعر بألم في ذراعه، ويجد بقعة دم صغيرة …

لا يدري من أين ولا كيف أصابته ؟!

ومن فينا حيال أنفسنا قناصون ومن طرائد ؟!

ومن منّا حيال الآخرين قناصون ومن طرائد ؟!

ومتى ستنتهي مكابداتنا ؟! أم ستبقى ماثلة أمامنا أثرًا بالرمال.

– المجموعة الرابعة.. بصيرة تنمو

كي تنمو البصيرة .. علينا أن نطلب المعرفة… كي ننال ما نبغي من المعرفة علينا أن نرضى بنصيبنا من الخذلان والخيبات والخسارات… علينا أن نتقبل مرارة الحزن، تبقى بحلوقنا وبأعيننا، تقتنص لحظات الفرح المعدودات في حياتنا تحفر أثرها عليها… كما تحفر أثرها على قلوبنا..

جادين يأخذنا برحلة تشكّل البصيرة، ربما تكون رحلته الخاصة، وربما تكون رحلة أيٍ منا .

ما لفت انتباهي برحلته تلك التي وصفها لنا من خلال أربعة نصوص تحمل سردًا منطقيًا لتراتيبية الأحداث…

تجوال.. وصف الرحلة

توهان… تأثير الرحلة

لهاث.. مكابدة الرحلة

نضج… نتيجة الرحلة

لازال الزمن يُطل بين نصوص جادين … إما علانية بألفاظ تدل عليه أو مستتراً من خلال فهمنا للنصوص.

* تجوَال

هب خطواتك للأرصفة… ابدأ الرحلة دون خارطة .. دون هدف محدد ودون رؤيا مسبقة… رحلة جادين التي بدأها بالتجوال ربما تشبه الرحلة الصوفية لكن بدلالات أخرى… هي رحلة نخوض غمارها بكامل تفاصيلها التي تأخذنا، هدفنا الخفي الغير معلن الاكتشاف… اكتشاف أنفسنا من خلال الرحلة.. هي رحلة خلاص تشبه رحلة سومرست موم في حد الموسى… وزادنا الوحيد هو الدهشة والبراءة التي تأخذنا كالأطفال عندما يبدؤون في التعرف على العالم من حولهم …

لذلك يطلب منا القيام بها بتحرر من كل القيود … الهدف، المعتاد، المأمول، المنتظر…

أشخاص كان أو أشياء أو غايات…

فنحن نمنح أنفسنا للأماكن .. للعابرين البسطاء الذين لا يسترعون انتباهنا.. لأماكن لم ننتبه لوجودها.. مبان لم نكتشف ملامحها من قبل… عوالم لم نخضها رغم أنها موجودة بطريقنا …

هل أنهيت تجوالك؟!

حسنًا آن لك أن تنفرد بأنت… في مكان تستهويك رائحته.. ركن خاص، منفرد أعلم أنك ستستدل عليه … ستنفرد بنفسك فيه حد الاكتمال … مع قهوتك… ومع ذاك الذي أصبح بداخلك.

* توهان

آه لو تتوقف الرحلة عند تجوالك السابق وتبقى بعدها بركنك المنفرد ؟!

ليتها!! لكن!

رحلتنا أطول.. تبعث على التوهان … إنها رحلة عبور بمشوار الحياة المرهق الطويل،لذلك لا تمضي بها هكذا دون أن تمضي على مهل …

الغرباء … من قال أنهم غرباء.. إذا التقينا أحدهم بطريقنا، وتمهلنا فألقى علينا التحية، وتفرّسنا بوجهه متأملين ربما استطعنا اكتشاف ما يجعله قريبًا منا…

إنه يشبهنا، نفس التجربة، نفس الأرق، نفس الحيرة ونفس الثقل الذي تحمله روحه …

ذكرياته التي خلّفتها جراحًا عميقة لا يبرأ منها..

يحاول التناسي فلا يستطيع.. يبدأ في الارتحال والتنقل … هو تائه وهائم .. قلبًا وقالبًا…

يمضي لنفس الوجهة التي تتجه إليها أنت ….. يطارد نفس السراب الذي تطارده..

ولا وصول …. إنه اللانهائي.. إنه الشتات.

* لهاث

يا له من لهاث لرحلة شاقة .. أنفاس متقطعة لبقايا إنسان إنسالت ذاته

القمر أحمر.. هو قمر دامي في سماء ملبدة بالوحشة.. الرحلة ذاتها موحشة … كئيبة تفتكر بنا ونحن نمضي بها وفيها نكابد آلامها ونحتمل قسوتها…

وهذا النص يضج بالقسوة… تفوح منه رائحة الدماء… دماؤنا … فنحن ضحايا وربما ضحايا أنفسنا..

برمزية العلاقة بين القمر والذئاب التي تعوي له ملقية عليه تحية المساء، مرسلة له نداء الحنين، يقولون بالأساطير أن الذئاب موطنها الأصلي القمر… وهناك على تلة الفقد .. تسكن الذئاب.

نص دامي، نعم …

اللهاث فيه لهاث الذئاب التي تنتمي الفتك بك. ولهاثك أنت أثناء فرارك منها إليها…

القمر… دلالة على ذاك الذي ترتجيه، تتمناه تلتهف عليه وتتهافت… وتلة الفقد هي موطن كل ما تتمناه وترغب فيه وتحتاجه.. والذئاب هي كل ذاك … هي رغباتك، ولهفتك، ومصيبتك، وحاجتك، ونفسك الملتاعة، وحنينك المستمر.

* نضج

نضج … نهاية الرحلة…. نهاية الاهتمام .. نهاية الغاية … نهاية المُرتجى…

النضج يعني ببساطة اللامبالاة… بهذا الفراغ الفسيح حولك… الذي يُسمى بالعالم…

إنه عالمنا البشع السيئ اللامبالي بك … عالمنا الطائش الجانح… عالمنا الخرب التعس القبيح

اتركه.. حرره من قبضتك… لا تتداركه، لا تهتم به إن اتجه نحو السقوط في هاوية الطيش… دعه وابتعد بلا اكتراث… حتى لا يكتسحك معه في طريقه، فهو يمضي بمنتهى الجنوح لا يهتم بك أو لغيرك ولن يهتم..

اتركه وأنت تنظر له من قريب… قريب جدًا… وهو يسقط …

و كعادته بالترتيب … يقدم لنا جادين العالم ويصفه كمعنى وقيم وتحقق …ثلاثتهم على الترتيب يسقطون واحدًا تلو الآخر… فلا يبقى شيء… انج بذاتك ولا تهدرها عبثًا بلا طائل…

جادين… هل لي أن أسألك لا استنكارًا وإنما دهشة … وهل يعني النضوج فقدان الاهتمام درجة بعد درجة ؟! هل تعني التجربة ذاك السقوط في بئر اللاشيء ؟!

أو لا ترانا نشبه عالمنا ذاك المتهاوي ؟! هل ترانا نجونا ؟! …….. لا أعتقد !

– الفاصل الثاني… ضجر

إذا كانت التجربة انتهت بالنضج… الذي يعني اللامبالاة بهذا العالم …

فلابد من أن الوجود به وفيه لا يعني إلا الضجر….

الملل السأم .. الرتابة التكرار الاعتياد الرغبة الفاترة وممارسة الحياة بفقدان المعنى والقيمة والتحقق…

ضجر نص من النصوص الفاصلة بين المجموعات الشعرية بالديوان …

فاصل كجسر عبور بين ما كُتِب منها وما سيُكتب…

ما اخْتُبِر من الحياة وما سيُختبر ….

ولكن أهناك شيء لم يُختبر بعد ؟! لهذا حديث آخر…

لا شيء يعجبني…………. تعبير بين ” ” كلمات درويش، والتي تعبر عن فكرة جادين هنا، إنما بكلماته هو وتعبيراته الخاصة وأفكاره التي هي نتاج تجربته والتجارب المحيطة به..

فارق زمني وفاصل كبير بين جيل درويش وجيل جادين… حياة درويش وحياة جادين.. تجربة درويش وتجربة جادين ولكن في إطار واحد .. هي تجربة الإنسان .. هي أحوال …

تعالوا نعيش مع تجربة الضجر …

صاحب التجربة يحكي عن نفسه بلسانه … وحاله ليس إلا حال الكثيرين ممن يشبهونه …

وحيد وبائس وحزين… لا يعجبه شيء ويصيبه الضجر من كل شيء …

ساخط ومتبرم وغاضب….

كيف يمضي يومه ؟!

إنه يرى نفسه بلا فائدة لا لنفسه ولا لأحد ..لا يهتم بأحد ولا يعبأ بأحد ولا ينتمي …

لماذا ؟!

لم يجرب الحب بعد !

لا يعرف معنى الصداقة أو العائلة

رغم أنه كأنداده يألف العيش في البيوت كحيوان داجن…

ولكن من قال أن جدران البيوت التي تجمعنا هي التي تمنحنا الحب أو الصداقة أو العائلة ؟!

من قال أننا نشعر بالانتماء داخل تلك البيوت ؟! من قال أننا لسنا بغربة ؟!

نص حداثي بامتياز… قراءة لواقعنا المؤلم.. أو واقعهم، جيل صاحب التجربة …

ولأنه قراءة بواقع فعلي .. يصف لنا بداية يومه … يغتسل اغتسالًا طويلاً ليمحو عن جسده آثار رغبات ليلته الفائتة.. وكأنه سيستعيد حيويته بهذا الاغتسال ..

يبدأ مشواره الضجِّرْ بالنظر إلى نفسه بالمرآة… لم يتغير شيء ..

نفس الملامح التي تشكلّت بعد آخر صفعة من الحياة وصدماتها خلال معركة ما جرت بينهما … وربما نفس الملامح قبلها.

يخرج للعالم .. يذهب لعمله محملًا بكراهيته له يحملها بحقيبته كما يحملها بنفسه، نفس السخط والضجر … خصومات بدأت ولم تنته… بالطريق نفس المارة الغير مكترثين بشيء، فهم يلهثون وراء حياتهم الضائعة … مثله تمامًا..

في الطريق ربما تثيره النساء .. بل أجسادهن، التي يتمعن بها وينشغل عن الطريق فتكاد سيارة مسرعة أن تدهسه.. وينفعل السائق ويصرخ فيه .. شجار جديد .. وكراهية أخرى … وشتائم وسباب… وما الجديد ؟!

يذهب لعمله، ويستكمل رحلة الضجر

عمل يكرهه.. بمجمل الكراهية… قتامة وسودواية العمل والمكان ونفوس البشر..

أعينهم الفضولية وهيئاتهم التي تدعو للسخرية… ربما ليسوا غرباء تمامًا بالمناسبة… مؤكد أنهم يشبهونك … فهم نفس المشاة اللاهثين، وسائق السيارة المسرعة، واللاعنين ببذاءة في الطريق…

فلتستكمل عملك الذي تكرهه.. ولتدفن نفسك به ولتتذكر المهام التي عليك إنجازها ولا تنتهي..

وتكمل ضجرك … فلا القهوة ولا المسكنات تزيل الرهق أو تسكِّنه…

أنت أصلا ضجر .. مصاب بالضجر والسأم تترقب الوقت كي يمضي وينتهي…

إنه كالسلحفاة بطيئًا.. ب….ط….ي….ئً…ا

الوقت معضلة جادين الكارثية التي يقع هو دائمًا بينها وبين التجارب التي تسارعت ومرّت جميعها…

بتفكير متأمل ندرك أن المعضلة ليست الوقت تحديدًا…

بل كونه أحد شقي الرحى… أو كأنه السندان، أما المطرقة فهي التسارع الخبراتي الذي يصيب إنسان هذا العصر بما لا يتناسب مع عمره الزمني… فالحياة تمضي ونحن لاهثون خلفها والوقت يمضي بطيئًا مملًا…

وبينهما نحن …. فكيف بنا الحال؟!

وربما يتضح لنا التناقض الذي يحاصرنا ونكابد تبعاته ولا نستطيع المقاومة بين المهام الكثيرة المطلوب منا إنجازها، والتي لا تنتهي ولا يكف الرؤساء عن استعجال إتمامها، ومع هذا فهي لا تنتهي رغم أن الوقت البطيء هذا قد يمكننا من إنجازها وإتمامها … ولكن هذا لا يحدث… ربما لأنه الضجر.

وأخيراً يمضي الوقت .. ينتهي الدوام.. ويعود صاحبنا إلى المنزل حيث استكمال الضجر اليومي ..

مفردات ساعات النهار الباقية، برامج مملة بالتلفاز، وجيران مرعبين… حيوانات داجنة أخرى في بيوت لا تعني الألفة أو الانتماء … معاناة أخرى حتى يأتي الليل لعله ينقذه…

لكن ليله ليس بأفضل من نهاره… فالليل ليس إلا ساترًا لما يستطيع أن يفعله دون فضول أو إزعاج …أن يمارس حياته السريّة التي لا تكتمل فهي ليست إلا حال …

فنحن في زمن الحب فيه مفقود، وممارسته ليست إلا استمناء… يذهب بعده لينام …

ضجر…

– المجموعة الخامسة … قل هو الحب

مجموعة الألق بالديوان.. النقاء.. التهجد في محراب الحب طلبًا للسكينة.. للرفق.. أملًا في الراحة .. رغبة في بلوغ مرفأ الأمان .. رسو سفينتنا والبقاء هناك حيث كل ما نشتهيه بين شاطئي حرف …

محاولة لعلاج النفس المعطوبة وإبراء الروح من جراح ثخينة أوجعتها واتحدت معها حتى باتت جزءًا منها… رغم العزلة والوحدة، والمكابدة، واجترار الخيبات وابتلاع الخسارات… رغم الاعتياد والتكرار و الضجر والسأم .. رغم التورط وإدمان الألم … رغم التسليم بأحوال الانتهاك والارتباك .. رغم الهروب والفرار

إلا أننا نكذب ونخدع أنفسنا لو لم نعترف ببساطة أن الدواء يكمن فقط في الحب …

وبانسياب مشاعر لا تعترف لا بحدود أو بمسافات أو تقبل الرضوخ للصعاب تنسال كلمات جادين في نصوص هذه المجموعة التي أبى إلا أن يكتبها وكأنه يصالحنا ويصالح نفسه الموجوعة ولو لبعض الوقت… وهذا ما كان …

وجدت نفسي أعقد مقارنة بينها وبين ثلاثية الانتظار الشهيرة لدرويش وانتظرها/ في الانتظار/ لم تأتِ، والتي تتضح فيها رؤية درويش للحب، وللحبيبة، ولما يتوقعه أو توقعه بحضورها، بلقاء حميم تخيله وتحدث عن تفاصيله، والذي لم يحدث، بعد أن انتظار لم يُتَوّج بالحضور ليصبح وحيدًا..

أما هنا بنصوص المجموعة الإثني عشر يقدم جادين رؤية أخرى، للحب والحبيبة وللتوقع والانتظار واللقاء، والعزوف وأخيرًا البقاء وحيدًا.

ربما ما يِشّكل فارقًا بين نصوص درويش؛ اللقاء، درويش انتظر ولم تأتِ، لكن جادين عاش التجربة مكتملة بما تعنيه من معان معنوية وحسيّة، لكن انكساراته منعت التجربة من الاستمرار، وحرمته من الحبيبة.. ربما هو الفارق بين جيل درويش، وجيل جادين.

* نداء

تبدأ المجموعة بنص نداء، والنداء قد يكون لمن هو موجود بالفعل، أو لمن نتمنى أن يكون موجودًا…

يناديها ولا يخبرنا، هل كانت هنا من قبل وذهبت أم أنه يرتجي وجودها فيناديها علّها تأتي.. بكل الأحوال يخبرها عن ما سيكون إذا ما أتت…

في هذا النص تعلن اللغة الشعرية عن نفسها بين كلمات توافقت بالنهايات والمعاني لتتضح موسيقى النص بين المقاطع الثنائية .

اللقاء/ البقاء – الأمنيات/ الذكريات، الذات/ الشتات – النخاع/ وداع – الأعالي/ تعالي

كذلك يستخدم المقابلة والتضاد في اختيار الكلمات التي يؤكد تناقضها على اكتمال المعنى بقوة

نضمد/ جرح/ ترياق – ندفن/ نعيش

واستخدم أفعالاً جعلت للّقاء شعائر خاصة به نرجم/ نسعى/ نطوف

إن وقع الكلمات على الأذن خفيفًا لطيفًا يرتحل بالقارئ حيث الحب…

ولأن الحزن رفيق، فلا يفوت جادين أن يثبت لنا أن الدواء هو الحب..

فعندما ستأتيه سينتصران معًا باللقاء على الفراق، ويمنحان الروح سّر البقاء وسيثملان حتى النخاع بكأس العشق المترّعة بالأمنيات التي ستمنحهما من قوة الحب ليلعنان الحزن، ومرارته، الفقد الذي سكن داخلهما عشًا له…

إنه يؤمن بالحب الذي به سيرجم نصب وداع ماثل بداخله يؤكد على حتمية الافتراق..

هو يعلم تمامًا أننا من نُوجد للفراق سبيلاً كي يفصل بيننا وبين أحبائنا .. ولكننا باللقاء نهزم الفراق وسنسعى إلينا .. منا إلينا في إشارة مؤكدة على أن الخيار لنا لأن الحب منا …

سنطوف بالقلب كل آن فهو كعبتنا التي نجح إليها كعشاق.. وسندفن جسد الشتات .. فلقد التقينا.. توحدنا واتحدنا كما من قبل كنا…

وربما إشارة التوحد ذاك لم يقصد بها جادين ما قبل الفراق … بل يقصد ما قبل قبل الفراق… إنه اللقاء الأزلي الذي جمع بينهما قبل اللقاء بلقاء قديمًا.. قديمًا بتكرار يؤكد على هذا المعنى..

الآن سنلتقي معًا… نحلق بالحب ، والأمنيات سنرتفع ونسمو سويًا … نحو الأعالي ….

فـ تعالي

* تخيّل

لقد ناداها في النص السابق وله أن يتخيل الآن كيف ستنطق بها ؟! كيف ستخبره: أحُبّك

إنها كيمياء الحب… وكيمياء الألفاظ…

ستشتعل بقلبه الحرائق و تتوهج عيناه بذاك البريق

فيرنو ويدنو ويلامس… بالحواس استشعر قربها …ولامس بها ابتهاجه وفرحته…

وجودها كما صنع البهجة.. لوّن سمائه الماطرة بالحزن بقوس قزح ….

وكم تصنع كلمة الحب! ولو كانت تخيّل

* غوايات

بها نهتدي عندما يكونون هم غواياتنا فنحن على اهتداء..

ربما عليّ أن أذكر نهاية النص أولا… ليس هذا فحسب….

سأقرأ النص كله من النهاية للبداية … لأنني فهمته هكذا..

هي لعنة العشق في ذاته المنشطرة… لذلك هي غواياته…

هو حائر.. مقسوم بين حالة العشق التي يرغبها، وأحواله الأخرى التي تمنعه عنها…

لذلك هي غواية الغواية… هي السر … هي المسافة المرتحلة ليصل إلي اللانهاية… هي البعيد .. واللانهاية هناك في ذاك البعيد…

هي غواية الروح لأن الروح تنشد هذا البعيد…

هي الموجة المنفلتة من أعماق التيه بالبحر الذي يغويه…

وهي غواية الضوء بالنوافذ المشتعلة وأين هو منها ؟!

هي غواية الليل حيث الغموض والظلام و الأسئلة والممتنع وأخيراً هي غواية الصمت ..

لماذا قرأت النص معكوسا ؟!

لأن الغواية هداية…

سأقرأه ثانية ولكن من بدايته…

لأجلها وبها يغويه الصمت، فيفكر بالممتنع و تخطر على باله الأسئلة، بالوقت المناسب للغموض والأسئلة…. الليل المظلم، فيسترشد بنظرة من نوافذه المشتعلة بالضوء، ربما يأتيه من هناك من البحر حيث التيه وحيث الأعماق، حيث الموجة المنفلتة التي يرتحل معها…

هناك ليصل للبعيد… حيث اللانهاية والمسافة التي تفصله عنها لاستكمال الرحلة …

الرحلة التي ستأخذه بعيدًا عنها، ولكنها معه فهي لعنة العشق في ذاته المنشطرة….

بين حال وأحوال..

بين غواية وغواية…

بينها وبين ……………….. هدايته.

وربما الحبيبة … هي غواية الذات … لأنها منها … لأنها هي.

* اختلاس

أعرفها تلك القبلة، هي حق أصيل بالحب، هي لحظة صدق حتى لو مُختلسة من حبيبة ساهية، هي ما يمنحه الحب من ذاك الشعور بالبهجة ممثلاً في وردة ولحن معزوف وقوس قزح ملون

ولأنها تلك الحبيبة التي تصنع قبلة على خدها السحر فإنه يصفها في النص التالي كـ دفق.

* دفق

ما تصنعه دفق؛ بحنانها واهتمامها، بوجودها هذا الذي يشيع الألفة داخله، برقتها التي تنسكب، بكلماتها التي تخفف من رتابة الوقت وملله، وكل ما يعكر صفوه، هي والوقت… الزمن الذي يحاربه جادين بنصوص الديوان، العدو الجاثم على أنفاسه والرابض فوق أحلامه، هي كأحد الأحلام من تستطيع قهره والانتصار عليه.

ولأنها تفعل، ومع إدراكه هذا فهو يبتهلها كصلاة وكدعاء، يبقى جوارها ناسكًا أدرك سّر الأسرار فخر خاشعًا، لسطوة الحب أو ما تمثله الحبيبة سيان ..

ثم أشرق….

ذاك التعبير ذكرني برسومات القدماء على جدران المعابد، وذاك التبتل والخضوع الذي يبديه الإنسان تجاه الشمس التي تمنحه من فيض نورها فينعكس إشراقًا عليه…

* رقص

عندما نحب فكل شيء قابل للتحقيق والحدوث.. لا تحتاج سوى لهفتنا ومشاعرنا الغامرة وإيماننا بما يجمعنا من الحب.. عندما نحب فكل شيء ميسور ..

لأننا نستمد قوتنا من هذا الحب الذي يجمعنا..

إذًا فلنرقص على أرض خشنة وتحت ضوء الشمس

فقط بإيقاعات زاهية يمنحها لنا الحب من خلال جهاز التسجيل.

رغم المعنى العميق للنص.. إلا أنه يحمل ذلك التساؤل المحيّر….

هل سنفعلها ؟! هل الأمر بهذه البساطة ؟!

* عناية

في نص عناية الزاخر بالصور الجمالية والتشبيهات المتنوعة جادين يصف حبيبته، ويا لها من حبيبة، هو لا يصف ملامحها الخارجية قدر ما يصف ملامحها الداخلية، لا يخبرنا عنها إلا أنها سمراء ساطعة.. هي كالشمس سخية محبتها وارفة وعطاؤها كنهل عذب، هي ابنة الطبيعة التي لا تنتظر مقابل للحب.. يصف عنايتها به، وكيف به تهتم، ثم يفجعنا في النهاية بحديث آخر، فالحب رغم كل شيء عمره قصير مقارنة بالزمن ذاك الذي يمضي برتابة طيلة الديوان.. لماذا ؟! هذا ما سنعرفه بالنهاية.

هذا النص أحد النصوص الموجعة التي تقطر حزنًا، لكنه حزن ينساب إليك في نعومة لترتشفه قطرة قطرة، كصفاء الحبيبة الذي استمتع جادين بارتشافه.

إنها مشرقة وصافية وناصعة نقية بلا حدّ، ألفتها كعطرها تفوح وتتسرب إليه، بهاؤها عنوان للألق، منتهى الألق، وحنانها يهطل في الروح يسقيها لترتوي.

هي كالوردة، ندية، مورقة، برحيقها الذي يشتهيه، رغم المعنى الحسّي الذي تمنحه لنا القراءة إلا أنه يعني ما هو أكثر فها هو يصف حبيبته بأوصاف أكثر عمقًا… كعمقها الذي لا يطال، هي تعرف، وتستشعر أبعد من المألوف، ترى حدّ التجلي بحدسها البالغ حدّ اليقين، وإدراكها الذي لا يخدعه التباس، فهو واضح أبدًا.

هنا أتوقف فلقد تذكرت ثانية الشمس والآلهة القديمة، والأنثى عندما كانت رمزًا للعطاء والمنح، وقبلة للتبتل والمناجاة.. حبيبته ترعاه وتحوطه بالعناية.. بتلطفها المنسكب.. ليس مجرد لطف عادي، بل تلطّف غزير منسكب..

باستخدام جادين لتشبيهات قوية المعنى بأفعال وصفات تدلل على الاكتمال.. اكتمال حبيبته.. أو اكتمال رمزية الأنثى في نظره.. ربما كان هذا الاكتمال مفهومًا في عصور مضت.. لكننا الآن حيث إيقاع الحياة اللاهث، والزمن الذي على النقيض يمضي برتابة تأخذ من أرواحنا فالحال سيكون شيئًا آخر.

الحبيبة تنشد نجاته، من الأحوال .. أو تنشد نجاته من الوحدة والغربة وخيبات الأمل..لكنه الدائب في التعثر والانكسار، يطارد نقصه.

وكعادته يستخدم تلك الألفاظ التي تعود بي للكيمياء، واستخدامه للفظة دائب يبدو قويًا وبعيدًا عن المعاني المعتادة، لم يقل دائم التعثر دائم الانكسار، بل دائب، إسم فاعل من الفعل دأب بما يعني أنه اعتاد وأجاد الدأب على تلك الانكسارات، لم يعد كيانًا خاصًا، يعني تلاشي عنصر ما في مكون آخر، وهكذا وصل به هول الحال..

الحبيبة ترمز إلى اكتمال، وهو يطارد نقصه، يحاول أن يدركها، أن يطالها… قبل غيابه الأخير قبل سقوطه في الهاوية.. قبل النهاية التي ينتظرها ويترقب لها.

وهكذا أوجعني النص كما قرأته، وهكذا أراد أن يخبرنا جادين عن النهاية التي يلوح لنا برايتها بين نص وآخر.

* اكتمال

اكتمال، نص آخر يستكمل به الحديث عن الحبيبة، لكن بعد أن أخبرنا عن نقصه الذي يستشعره، ربما لم يكن على صواب، لكنها الأحوال.

الحبيبة هنا تعبّر عن معنى الاكتمال في كل ما تنطق به..هي فقط تقول… الحب، الحنان، اللهفة، العذوبة، تقوله هو نفسه…

هل هي ساحرة ؟! أم آلهة قديمة كما تخيلتها أنا ؟! أم هي رمز لكل ما يُفتقد ؟!

عندما تقول الحب تفصح الوردة وتنطق بلغة رحيقها كل الكائنات، يختال الندى وترقص البتلات على أنغام تعزفها الرياح.

تقول الحنان فتزول الوحشة عن المكان وتغادر الكآبة أنحاءه، أما هو فتعمُر (أنوائه) بالفتنة الصاخبة…

استخدام جادين للفظة أنواء استوقفني

فاللفظة جمع لكلمات عديدة تختلف في الهجاء والمعنى

فلو هي جمع نوء، فقد تعني منازل النجم في السماء، أو المطر الشديد، أو الرياح السريعة أو العطاء، أو ما ينوء بها الكاهل من أعباء..

ولو هي جمع نوى فقد تعني الأسفار والبعد وقد تعنى الدار…. وهناك معانٍ أخرى..

أعتقد أنه استخدمها كتعبير عن مزيج من معنى الدار أي داخله، ومعنى منازل النجم وهي بشكل ما تعني أحوال، وبمعنى ما ينوء به من أحمال تثقله.

وأعود للحبيبة التي تقول العذوبة فيخضّر العاشق، لقد أزهر بعذوبتها، انبثقت فيه الينابيع والتقت البساتين وانطلقت الغزلان.

تقول اللهفة فيسرع الوقت ذاك البطيء المتثاقل، تخّفْ الثواني وتمر اللحظة الحاضرة سريعًا

ليمضي الأنا نحوها في ألفة… والآن، حان أن تقوله هو، ليتحرر منه، ليصبح شيئًا آخر أو أشياء أخرى عكس ما هو عليه دون قولها.

هو كنسمة عابرة، كخطوة نحو مشتهى، كجمال فصيح لا يخفى سّره عن أعين العابرين..

وهنا لي وقفة أخرى ليس مع النص وحده، بل مع الديوان ككل، أحوال لا يتحدث بصوت واحد عن بطل الأحوال فقط، أو عن حبيبته.. هو بين حين وآخر يذكرنا بالمارين والعابرين بالحياة من حولنا بالكائنات وأصوات الطبيعة وعناصرها، ربما لدلالتين،إحداهما رؤية جادين للحياة لا تعني الوحدة أو التعبير عن ذاتيته قدر ما هي تعبير عن المجموع. والأخرى، ربما بمراوغة منه، يُصّر على تذكيرنا: لا تبحث عني أنا فقط داخل النصوص، فربما هي أحوالي، وربما هي أحوالك أنت.

* إتحاد

بزخم الكيمياء يبدو هذا النص من عنوانه وحتى نهايته… رمزية المعنى العاطفي الوجداني تتلاقى مع المعنى العلمي بألفاظ كيميائية..

اتحاد… تصنعه القبلة.. إنها كيمياء العناق والاتحاد فيها نوع من الكيمياء، ألا نعرّفْ الحب بالكيمياء التي تجمع بين عاشقين دون تفسير الأسباب؟!

القبلة هنا ليست اشتهاء، ولا غريزة يحتاجها الجسد بل تنتمي للروح، إنها تعبير عن حاجتها للآخر ونزوعها الآخر الذي هو أنت في صورة أخرى.

القبلة كما يصفها جادين شفافة كقطرة ندى على خد وردة، بهية كصباح مشرق بعد ظلمة ممتدة، كفاكهة أخصب الحقول.

هي أكسير الحب ومحفزّه الدائم…..

كيمياء لتفاعل مستمر، كيمياء الاتحاد بين أنا و أنت.

* نزوع

بدلًا من اشتهاء اختار جادين عنوانًا يحمل نفس المعنى ولكن بقوة، قوة النزوع إلى الاشتهاء .. فهو يشتهي أداء أفعال بعينها تجاه حبيبته ليعبر لها عن حبه إياها..

ربما ما يخبرنا عنه النص رغم أنه أحد النصوص الدافئة الملآنة بصور تفيض بالحنين والدفء.. تشبيهاته تُعبّر عن أحوال كل منها في حد ذاته استثنائي، أن كل الأفعال مسبوقة بكلمة أشتهي، فهو يشتهي ما لا يطال، يشتهي ما يبدو محالاً.

أن يكتب إليها بإحساس جندي عاد للوطن بعد الحرب سالمًا..

أن يهديها غيمة مكتنزة بالوداعة تعبر برقة وعلى مهل ينساب منها اللطف في ظلها الذي يغمرهما.

أن يقطف لها وردة بهائها لأنها نبتت بداخله تشربت ذاته وحُمِّلت بها.

أن يلتقيها وفي اللقاء سحر وأسرار فهو همس وبوح واندماج وتوحد معًا ومن ثم انعتاق

إجمالاً

وأخيرًا يشتهي إخبارها أنه يحبها ….

وهل نشتهي إلا ما لا نستطيع الحصول عليه ؟!

* بوح

تُرى هل تحققت أفعاله المشتهاة، وحان البوح باللقاء؟!

نص آخر من تلك النصوص التي تفيض بعاطفة مشبوبة، تجسدت في وصفه للحبيبة، وهذه المرة اقترن الحسي بالمعنوي ، ولكن بغموض جادين المحبب في الكتابة، وطريقته غير المعتادة، فهو لا يصف كما اعتدنا وصف الحبيبات حتى لو بدأ في رسم ملامحها، عيناها، شفتاها، جسدها، يبقى الوصف دلالة على العمق لا على الملامح الخارجية، ذاك العمق الذي يستكمله بوصف ذاتها.. هكذا هي حبيبته وهكذا يراها،وهكذا يخبرنا عن حبهما.. عن حبه لها

وفي هذا النص استخدم جادين نسق خاص ليبدو النص منفردًا عن النصوص الأخرى بما يميزه..

بما يميز البوح، إنه الإمعان… فكل ما تمثله الحبيبة ممعن … والإمعان إغراق في التفاصيل .. هي ممعنة في الغواية في العمق في التوغل في الكشف في الاختراق والاجتياح والمباغتة في النصوع والمحاممة والألفة والثورة والانفلات .. تدرج وصف جادين بداية من العين ثم الشفاه وسمرتها الساطعة وأخيرًا جسدها ..

وإلى هنا ينتهي الوصف المادي إلى المعنوي حيث الذات ..

إن كل الأفعال التي ارتبطت بالملامح اكتملت بإمعان الذات ، ذاتها التي اجتذبته ليتورط بها بكل الرحابة التي تمنحها إياها، بكل اللانهاية، بها كلها هي الممعنة في توغله في نبضه وإدمانه لها.. في انعتاقه بها واعتناقه لها..في تكوّنه…

بكل هذا وأكثر يحبها..

* إليها .. كما ينبغي

عنوان النص الأخير في المجموعة .. خاتمة النزوع والبوح …

إليها كما ينبغي، إليها لأنها لم تعد موجودة ربما…

فبعد أن اشتهى إخبارها وبعد أن باح لها، أنه يكتب إليها.. عنها ..

يخبرها أنه أحبها هكذا مطلقًا كما ينبغي أن يكون الحب..

يستخدم جادين مفردات الطبيعة التي تنتشر بين نصوص الديوان ليعبر بها عن رؤيته للحب.. وربما الحياة نفسها…

رؤيته المطلقة قبل أن يغادر أرق مجموعات الديوان من النصوص إلى مجموعة جديدة

بين الشمس وفيض الضياء الذي تنشره في السماء… بين الظل الذي ينمو كالنبات جوار المباني وفوق المساحات وتحت الأشجار يحبها مطلقًا

بين الورود الأنيقة وعبيرها ورحيقها… وبين ضوء القمر يكشف العتمة وينير الدروب بنقاء وبهاءً يحبها مطلقًا

بين سكون البحر وأمواجه الهادئة ورياحه المنسابة ومراسي السفن يحبها مطلقًا

بين دوي الرعد ووميض البرق والأمطار الهاطلة لتروي وتسقي عطاش الأراضي والقرى والمدن يحبها مطلقًا

ويواصل جادين رسم صورة كاملة لهذا الحب المطلق، يستحضر الذي يركض حثيثًا يسابق أفعاله نحو الأبد

وفي مقابل الوقت يستحضر حياة إنسان

يخبرنا عنه طفلاً يشب عن الطوق يحمل أحلامه ويربي الأمنيات ويتبع خطاه نحو الأمل

إنه يحبها مطلقًا.

ولا يكتفي جادين بتلك الصور التي وصفت الطبيعة والوقت وحياة إنسان ..

إنه يستكمل الوصف بكامل الشسوع حيث الكون والمجرات والكواكب والنجوم التي تموت وتنتهي.

وهكذا يحبها مطلقًا..

تلك المطلقية تتفق مع شيء واحد أبدية الوقت ونهاية كل شيء آخر بما فيه أعمارنا..

الآن يمضي، وربما لا نلتقي الغد ولا نبتئس..

يكفيه أنه أحبها مطلقًا.

المجموعة السادسة…. ورطة الذات

ها هي ملامح النهاية تبدأ…

نهاية الديوان.. نهاية أحوال.. نهاية التجربة، أو التجارب، نهاية النبوءة أو اللعنة ..

هنا يبدو الحب بعيدًا، والأحلام، والأمنيات..هنا كل شيء فقد قيمته وأهميته، لم تبق إلا الحيرة والخيبات والانكسارات والوحدة والعزلة والاستعداد للرحيل ..

إنها نهاية تبدأ بورطة الذات… عنوان مجموعة النصوص القادمة…

* نمو

دعوني أمنح النص صوت الجميع… لا صوت فردي كما كتبه الشاعر

أليست تلك أحوالنا ؟! كيف ننمو ؟!

هل بأيام وأسابيع وشهور تمضي، وسنون يقتنصها الزمن من أعمارنا لصالحه.

ربما ! لكننا ننمو على الجانب الآخر بما نتعلمه ونكابده ونعانيه

نتعلّم… نتعلمنا

كلّما أخطأنا، توهمنا، وندمنا، وتعثرّنا في ظنوننا بطريق الحقيقة

كلّما انكسرنا سقوطًا في هاوية التوقع، عصفت بنا الخيبات ومزقنا الخذلان، وبعثرنا الألم

كلّما لم نستفد بالاستدراك أو ننجو بالتدارك

كلّما خدعنا السراب بالوصول ولم نجدنا

بين الفقد واللوعة والوحشة والحزن والارتباك

كلّما لا أنا… أنا لا أنا

هنا لي وقفة، مشوارنا بالحياة منذ الميلاد وحتى المغادرة هو ذاك الطريق الذي نمضي فيه لا لتحقيق أهداف معينة أو الوصول لغايات مطلوبة، فكل هذا ينتفي إن لم نجد أنفسنا، في كل ما نفعله ليبدو المشوار عبثي بلا معنى، هنا نستكمل النص

نقطة توقف أخرى، لقد اتضح معنى آخر…… فلا أحد

كيف بنا الحال إذا لم نجدنا، فهل سنجد غيرنا ؟!

سنجد أشياءً أخرى

الانهزام، البؤس، النزوح، والترحال، الأرق

القلق…. فهو الرفيق الوحيد الذي يمضي معنا استكمالاً للنصوص، ولورطة الذات.

* رهق

تتبدى ملامح القلق في النصوص المتبقية من المجموعة.

هنا مرحلة جديدة حيث انتصر الوقت، العدو المصاحب لنا بين الأحوال

لم يعد يمضي متثاقلاً ببطء ورتابة كما كان الحال في البداية، بل أصبح يركض سريعًا، بعد أن ترك أحماله تثقل كاهلنا لقد أصبحنا أسرى له يفتك بالأحلام المتلاحقة فلا تتحقق ويبدد الصحو بطيشه فلا يكن ذا جدوى، تلك اللاجدوى التي يهدرنا في البحث عنها ومحاولة التحقق من العدم يورطنا في المفقود، ما لا يُدرك، ولا نناله.

لنبقى مهجسين بكل أنواءه التي نحملها دون أمل في الخلاص..

* ترصّد

ولكننا لا زلنا نحاول .. ربما محاولة أخيرة تتبدى في الترصّد…

عندما نترصد فنحن نحاول اقتناص ما لم ندركه يومًا، كي ننجح في الاقتناص علينا أن نصبح كالصياد .. نترصد في سكون، ربما هو السكون الذي نستحضره، وربما هو سكون العزلة التي نحن فيها، وفي محاولة تبدو كحلم من أحلام اليقظة يبدأ الترصّد

سائر بطريق ترابي لا ينشد سوى الصفاء

وهنا لي وقفة، جادين يهتم في كل نص من نصوص الديوان يرسم ملامح المكان ليتلاءم مع أجواء النص وليعبر عن ملامحه التي تختلط بملامح المكان، المكان جزء من الحدث كما الزمان (الوقت) رفيق لكل النصوص..

الطريق هنا طريق ترابي أغبر لا ينشد السائر فيه اتجاهًا محددًا بل يمضي به، صاعدًا تلة نبض، أو هابطًا منحدر قلق، هنا حتى الأحوال لها ملامح، لها قدرة على القيام بفعل، والأشياء والموجودات لها صفات تستعيرها من الأحوال.

فتلك تكشيرة حرة تطارد السائر، يتحاشاها ليقفز فوق جزع ملل ساقط، فيبتسم لعصفور حنان يغرد الألفة – ويا له من تشبيه استوقفني- أحببت التشبيه وأحببت ما رسمه جادين به..

إنها تلك الحالة التي يرى عليها الكائنات، إنه يمنحها تجسيد ما ينشده ويصبو إليه، ويختار هذا بعناية خلال النصوص..

فأي حنان هذا الصادر عن عصفور، ليغرد الألفة !

وأي غزلان تلك التي هي الطلاقة، تركض في سهول المودة، يرنو هو إليها ناظرًا !

يقطف الطازج من التوّق، كما تُقطف ثمار الفاكهة من البستان، ويلتهم الغبطة الحاضرة التامة.

ولا يكتفي برسم صورة جمالية تبعث على الراحة، بل يُذّكرنا في التالي من النص بالألم والحزم والخوف، فها هو يهدهد الخوف الراجف، يمسح دموع الألم النازفة مكفكفًا لحزنه…

جادين توحد مع تفاصيل المكان، مع كائناته التي منحها وجودًا به، ومع مشاعر موجعة يداويها، وليس هذا بالأمر السهل فلقد أصابته الحيرة والالتباس حد أن يخشى الانفراط

( انفراط روحه) ..

وتأتي السطور الأخيرة لتخبرنا عن رحيل..

هنا وحشة يتداركها بحضور تام حيث البعيد، سيمضي إلى هنالك حيث ما يكفيه من هطول..

ربما هنالك الحرية التي ينشد.

تلك هي غاية السائر في الطريق، تلك هي غاية صاحب أحوال.

* تخلّي

كم يختار بعناية عناوين النصوص ربما بالشكل الذي يمنح القارئ لمحة خاطفة عن النص التالي كنتيجة لما قبله من النصوص..

لا أنكر أنني وبداية من هذا النص نال مني الألم النابع من إدراك عمق الوجع وسطوة المكابدة التي يعانيها بطل الديوان، فهو يستكمل رحلته نحو طريق النهاية المنشود، والتي بدأها بالتخلي.

لقد رحل بالفعل بروحه وكيانه وإحساسه قبل أن يرحل بالجسد، إنه هناك حيث الصمت.

لم يعد هنا ما يستحق البقاء .. فالصمت تحول لكارثة تجتاح كيانه..

إنه ببساطة انفصل عن العالم .. لاشيء يربطه به، سيئًا أم طيبًا !!

لا نظرة جارحة ولا تحديق سافر ولا دنو قريب..

هنا هو يعني التخلّي عن ما يربطه بمن حوله، أساءوا له أم أحسنوا إليه.

فقدت كل قيمة تأثيرها ويبقى الصمت حائط الصدّ لديه حيال كل شيء..

هناك صخب بداخله تشكل على هيئة مناحة تصرخ من هول الصدمة التي تكتنفه .. لقد أدرك أن كل شيء بلا جدوى ولا يكفي الندم على ما مضى أو كان لإسكات مناحته

الصورة مؤلمة حد الوجع، الصراع أوشك على الانتهاء فكل ما تعلق به من قبل فاسد، وكل ما حاول أن يستدركه لم يساعده على النجاة.

إنه يتشظى، يتفتت، ويتبعثر. لقد ترك نفسه تمامًا استعداداً للرحيل ..

سيمضي ساهيًا متغافلًا عن عمد، يصاحب النهاية دون اكتراث بالهاويات التي تنتظره في الطريق.

* نزوح

حان وقت النزوح… الهجرة … إنه هنالك بالفعل… لقد هاجر إلى البعيد…

وكما نرتحل لمكان جديد يصيبنا الأرق، لم نعتد المكان لم نرتاده من قبل .

حان وقت إفراغ حقائب السفر…

ماذا يحمل معه ؟! وأين سيضعه ؟!

إنها ليست رحلة عادية، ومحتويات حقائبه تناسبها تمامًا

إنه نزوح ما بعد التخلّي، وهذا يعني أن يفرغ نفسه من مشاعره التي حملها معه

فلا لهفة.. نحن نتلهف عندما نرغب ونتمنى شيء أو أشياء وهو فقد الرغبة والتمنّي، فليخبئها إذًا بعيدًا عن العابرين وانفعالاتهم العابثة كما يراها …

ولا توق لشيء، فليخفيه جيدًا حتى لا يسرقه لص ينخدع به ..

إنه يواصل التخلّي والتخلص من تلك الوسائل التي تربطنا بالحياة يؤلمني عندما يحتار أين يتخلص من الحنين، يؤلمني المعنى والفعل كما يؤلمه ويقلقه !

يا إلهي، كيف هان عليه أن يتخلص من هذا الهادر الذي يسكننا، إن الحنين ثورة تكتنفنا، وها هو يوشك على الانفجار، هل بيد صاحب أحوال ممارسة طقوس التخلّي تلك واحدًا تلو الآخر؟!

ربما حنينه أدرى بحاله، حنينه يدري عنه ما يحاول أن يخفيه عن نفسه، لكن الأمر أقوى منه، لقد كان مسكونًا بالحنين من قبل ويعلم قدر تأثيره، إنه لا يرغب في إيذاء أحدهم بهذا الحنين.

يخبرنا أنه يرتب انفعالاته تباعًا !!

يرتبها؟

انظر إليه كما ينظر إلى نفسه بين ضفتي الوجع، إنه يتحول إلى انعكاس بلا ملامح خالي الوفاض مما يشكله، جسد منهك لا يقوى على المكابدة لكنه يخوضها حتى آخر وجع

للحظة تخيلت أنه سيتراجع عن قراره، لكنه أبى إلا أن يستكمل المشوار، فقط منح نفسه استراحة بالهروب إلى نزهة الأحلام، ربما يصحو منها، وقد غادره الغياب وأنه لم يكن سوى كابوسًا بعد سهوة قصيرة إثر نوم طويل.

ليته هكذا….

لم يكن سهرًا طويلاً، وليست بإغفاءة قصيرة، لقد صاحبت الغياب عندما قبلت التخلي وبدأت بالنزوح….

كلنا نفعلها، حين غياب، حين اختيار، حين إجبار.

* جنوح

ربما هو ما أصابك حين أسلمت نفسك لنزهة الأحلام

النص مقسم لجزأين كلاهما وجع. بالنظر إلى تراتيبية النصوص كما وضعها جادين الجنوح بعد التخلّي والنزوح ليس إلا حيرة بين وجعين

الأول منحه كلمة تكررت ثلاث مرات

سهو .. بمعنى غفلة أو ذهول..

يخبرنا بعدها عن طواف حول العدم وسعي بين الوهدة والوهلة..

فالوهدة هي أرض منخفضة لحد أن تحتوي على حفرة أو هوّة، والوهلة هي الفزع الذي يكتنف الطائف حول العدم ساعيًا بينهما ولتكتمل الصورة ها هو يقف في المواربة، المخاتلة أو الخداع، ليقذف التام والمكتمل بحجر الاشتباه.

إنها طقوس حج بين طواف وسعي وقذف (رمي) بالحجر، وعلى القارئ أن يترك لخياله العنان ليدرك عمق الفكرة من خلال تلك الاستعارات اللفظية التي استعملها جادين.

الجزء الثاني أو الوجع الثاني

واستخدم فيه كلمة ملح وكررها أيضًا ثلاث مرات

ولأنه طعم الملح، هاهو يتمطّق به (والتمطّق) هو إصدار صوت باللسان عندما نستطيب الطعام وكأنما يستطيب مذاق الملح بفمه، لقد اعتاد عليه وعلى ما يعنيه ذاك الطعم،

الملح مصاحب للدموع وللعرق، نتاج حزن أو مشقة ما نعاني منهما.

اعتاد لعق مذاق الحذاقة في فمه والطعم الحريف الباقي إثر المكابدة.

وهكذا يكتمل جزئي النص وتتضح صورة الجنوح.

* لطافة

استكمالًا لقراءتي المتشابكة للديوان، أتتبع الرحلة التي أوشكت على الانتهاء، رحلتي مع ورطة الذات، في نص يبدو للوهلة الأولى دخيلاً أو خارج السياق، حتى من عنوانه الذي يشير بمحتوى يختلف عن كل ما فاته من نصوص المجموعة، لكنه ببعض التمعن لا ينفصل عنها،وربما يؤكد فكرتي عن ترابط النصوص، فها هو جادين بما زال متعلقًا وعالقًا به من اللهفة والتوق والحنين، يحكي لنا عن لقاء في الحافلة بفتاة بما يمثل شيئًا من اللطافة… تخفف من وجع نصوص المجموعة، و لكنها بالوقت ذاته تشي بألم، دلالته هي تلك اللحظات الخاطفة التي نقتنصها لأنفسنا، أو تقتنصها هي من براثن الخيبات التي تغمرنا، والانكسارات التي تسكننا، والألم الذي يرافقنا، لنتأمل شيئًا مما اعتدنا تأمله بأحوال معتادة، نبحث عن الألفة، ونشتهي اكتشاف بعض مافقدناه بمشوارنا.

الفتاة التي تسكنها البراءة وتنعكس على وجهها بغمازتين وجدائلها المضفورة وابتسامتها الساحرة، والتي تحمل معها مستلزمات احتفالها بالعيد، لا تدري أن كل ما هي عليه عيد لا ينتهي وطقس فرح لا يزول.

الفتاة ترمز إلى ما يخلفه هذا الراحل إلى البعيد، مما كانت عليه الحياة من ألفة، وربما وداع لحياة لا زالت تحمل شيئًا من اللطافة.

* تهيئة

آخر نصوص المجموعة، وهو بالفعل تهيئة مناسبة لما سيأتي بعده كآخر نصوص الديوان..

إنه يعدّ نفسه للكتابة، لتدوين آخر ما يرغب في البوح به عن أحوال.

يهيئنا ويهيئ نفسه، ينتقي أفضل ملابسه الرثة التي أصابها البلى من كثرة ارتدائها، بما أصابها بسبب الجلوس في الطرقات والاحتكاك بالأرصفة، لا ينال منها الصابون ما يكفي كي تتنعم به، ولا تعرف رشة العطر إلا من لقاء عابر في الحافلة بسيدة تنضح “بالكبرتة” وهو طقس من أشهر طقوس تزين المرأة في السودان، يسهل التعرف عليه من رائحة العطر الذي ينتشي به من يجاورها أو يمر بها..

يصف لنا نفسه وحاله الذي لا يختلف كثيرًا عن حال ثيابه، فلم يكن مهندمًا، مصفف الشعر حليق الذقن.

ولكنه الآن يستعد لممارسة طقس هام لا بد أن يُعِّد نفسه له جيدًا. ويستكمل بارتداء حذاء لا يختلف حاله كثيرًا عن حال الثياب أو حال صاحبهما، حذاء بالٍ راغب بالشكوى مما فُعِلَ به.

نظرة أخيرة على نفسه، قبل أن يغادر .

لصنع قهوته التي يحتسيها على مهل نافثًا دخان سجائره ……. كي يجلس للكتابة.

وهل هناك تهيئة أفضل من هذه، وهل هناك ما هو أفضل من الكتابة ؟!

قطعًا لا.

– الفاصل الأخير ……. انفلات

وها هي النهاية…

انفلات… إنه التحرر المشتهى… والغياب المأمول.. والرحيل الذي سعى إليه بطل الأحوال، أو يسعى إليه جادين، أو ما يسعى إليه أيضًا أحدنا في مشوارنا مع الحياة ومع أحوالنا…

هل النهاية مؤلمة ؟! هل الرحيل صعب ؟! هل الغياب موجع ؟!

ربما ولكن !!

لو الأمر كما وصفه جادين منذ بداية الديوان وحتى آخره…

فخلّوا التفكير في الألم والصعوبة والوجع…وتذكروا

إنها منطقية الحياة …وطبيعة الأحوال

حانت لحظة الوداع، الوداع الأخير، وداعي أنا الكائن الغريب الذي خاض الأحوال، وأخبرني عن رحلته بين النصوص والكلمات، وداعي للحزن الذي رافقني، واللحظات التأمل الناعمة والموغلة في عمق الألم…

إن قارئ أحواله لا يسعه إلا التورط بها، والوقوع في حبها، فألمها رغم فداحته شغوف يلامسك برقة، يهدهدك على استحياء يخبرك أن لا تبتئس، ربما هي لعنتي وحدي وربما هي لعنتنا جميعًا معًا، نحن في الهمّ سواء، إنها مكابدة إنسان؛ أو لسنا جميعًا هذا الإنسان ؟!

يومًا ما سنتحرر جميعًا كما تحرر ذاك الراحل إلى هنالك، إلى البعيد.

لقد تخلص من عبودية وقيود الحياة التي هي مفروضة علينا، فهو لم يكن راغبًا يومًا في قيد الوظيفة، ولا بمستقبل مأمول يسرق حاضره يسارع في طريقه إليه كفرس رهان يظلّ راكضًا في سباق محموم مطاردًا أحلامه ليسقط صريعًا في النهاية ينسى كأن لم يكن…

في إشارة للحكمة التي تركها لنا درويش في واحد من أبياته الشهيرة، تنسى كأن لم تكن.

البطل حر … حر تمامًا من الرسن، يمضي في طريقه يتنفس الصباح برئة متحررة من قبضة القيد وهاجس الاختناق بيوم كئيب رتيب ممل التفاصيل، يتسكع في الطرقات بلا اتجاه محدد.

يمضي حيثما شاء ومتى شاء فليس مشغول البال بأجراس المواعيد..

يستمتع بقهوته كما يستمتع بنشوة مغازلة حبيبته،مجالس أصدقائه وينادمهم يسخرون سويًا من الواقع، يتشاركون الألفة الوارفة ظلالها عليهم.

يقرأ بذهن خال من الرهق المستبد، بتمعن وإغراق في التفاصيل بإعادة اكتشاف الدهشة وإيغال عميق في عميق الرؤى، يستكشف خبايا الوجود الشاسع يتحرر من ذاته، يحطم أسوارها يمضي للآخرين، يكونهم تمامًا فبهم لن يكون.

يتوحد في الليل فالليل طائر خرافي الوجود ينشر جناحيه في المدى… تخفت منابع الضجيج ويعمّ الهدوء … يحتويه السكون ويحلّق هو في الفضاء البعيد .. إلى اللانهاية إلى نفسه، إلى العالم المشتهى والوجود الطليق….

هو انفلات من ال (هنا) حيث ال (هنالك) حيث البعيد…..

هل أتمّ انفلاته ؟! أم سيأتي الصباح ليجد نفسه قيد أغلال الأحوال من جديد !

ملاحظات نقدية

يقال أن الأدب يميل للفوضى والنقد يميل للتنظيم..

إذن فلنجعل الأدب يقوم بمهامه في إحداث الفوضى ثم فليقم النقاد فيما بعد في ترتيب تلك الفوضى كما يحلو لهم ولن يغير ذلك من الواقع في شيء.. ففي النهاية، لا بد مما ليس منه بد.

بالضرورة لا يعني النقد، إلا لفت انتباه الشاعر/ الكاتب لتفاصيل، تزيد النص بوجودها ثراءً وقوة، أو تفاصيل أخرى تُضعف جانبًا منه أو لا تتفق مع محتواه، بما يعني حذفها أو استبدالها، أو غير هذا من منظور القارئ (الناقد).

وهذا ما أحاول القيام به هنا.. ببعض الملاحظات.

  • هناك أكثر من لفظة استغربتها في نصوص محمد الشعرية، لأنها علمية الدلالة، وأغلبها كيميائي كما أسلفت بالشرح بمعرض قراءتي الجمالية للنصوص. ومنها: التكلُس، أكسير، التنشّق، مُحفّزْ…… وغيرها

شرحت ما تعنيه لجادين من طبيعة دراسته، لكنها بالنسبة للقارئ العادي ستكون ألفاظًا غريبة المعنى ربما تنفره، فهي بعيدة تمامًا عن الشاعرية، ليست إلا كلمات جامدة.

  • وهناك استخدامه اللا قبل أسماء أو أفعال، مثل:

اللايُحاز، اللااكتراث، اللايُحَدّ…. وغيرها.

ما جعلها على شيء من الصعوبة، بما يغرق القارئ في محاولة فهمها وبما يقتنص من قيمة استمتاعه بالنص، وفاعلية دهشته، وبالتالي إحساسه به وتذوقه له.

  • وجود بعض التشبيهات والاستعارات والصفات، والجمل التي تتبدّى بين الصعوبة والغرابة والمبالغة، كقاموس خاص بجادين، يُشكّل الفضاء التخيلي للنص منها:

سلحفائيته، المضّقة، المظنّة، تُقعي الخديعة في كهفها القرفصاء، الزهونة، الطرائد الناجزة، التمطق، المحاممة…..وغيرها.

  • إضافة إلى استخدامه بعض الألفاظ التي هي بالضرورة حداثية، أو تعريب لكلمات أعجمية تخص عالم التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي مثل:

الهاتف الجوال، الواتساب، الدردشة، جهاز التسجيل.

لا أنكر أنني استنكرتها لغرابتها عن السياق بالنسبة لذائقتي.. حيث شعرت أنها خرجت بي من فضاء النص التخيلي، عن النسق الشعري، لكل نص لكن بالوقت نفسه هناك ما استوقفني.. النص الشعري بأكمله وإحساسي به، كونه نتاجًا لحالة حقيقية واقعية تتصل بوقتها الحاضر، فهي ليست غريبة عن السياق العام..

نحن في عالم التواصل الاجتماعي و الدردشة والعلاقات الإنسانية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتلك الوسائل، لذلك فالحالة العامة بالقصيدة متكاملة، وموسيقى القصيدة نابعة منها كوحدة واحدة ككل.

  • في معرض قراءتي للديوان، كنت أتوقف أحيانًا عند ترتيب النصوص داخل المجموعات، لاستبدل قصيدة بأخرى في الترتيب، أو يروق لي ترتيب قصيدة بعد أخرى.. ولأن الديوان كما ذكرت عن تقسيماته لمجموعات تجمع نصوص كل واحدة منها تراتيبية واحدة تدلل على معانٍ مرتبطة بعضها البعض، أعتقد أن نصوص المجموعة الأولى مجتزأ من سيرة الوقت تحتاج إعادة ترتيب النصوص، لتكون كالتالي:

حصار- خيبة- تبددّ- تجاهل- تعلّق- ضياع- تشكلّ- خلود.

فبين حصار الوقت لبطل أحوال في مشوار رتيب يصاب بالخيبة، وتتبدد أوقاته، وبين تجاهل للموجود وتعلقّ بما لا ينال، يكتنفه الضياع، ليدرك حقيقة التشكلّ الذي رمز له بالأنثى، كمعنى للحياة لا يدركه إلا بعد المغادرة ويتحقق له الخلود. أما في مجموعة جراح مشتهاة ربما يكون جيدًا لو استبدل ترتيب نص قيد ليكون بعد نص حسرة يليه نص هدر، بما يتفق مع معنى النص الذي يخبرنا فيه عن قيد الحب، أو الحبيبة، فيكون منطقيًا تفسيره لهدر الحب، بما يجعل من عزوفه عنه أمرًا طبيعيًا. كما أنني أعتقد، أن التتابع الزمني للمجموعات فقد جزء من منطقية تسلسله الزمني، عندما سبقت مجموعة جراح مشتهاة مجموعة قل هو الحب حيث أن مضمون الأولى الرمزي يبدو مناسبًا لتبعية الثانية والتي لم تكتمل فيها تجربة الحب، فتصبح الجراح نتيجة لها، لا سابقة عليها.

  • رغم أن جادين، حرص على توجيهنا لشمولية التجربة سواء خلال النصوص وتوظيفه للأصوات الجماعية في بعضها، أو بحرصه على مراوغة تتكشف بإشارة داخل أحد النصوص تبدو عرضية لتؤكد عمومية الأفكار، أو حتى بمقدمة الديوان إلا أن ذاتية التجربة تتضح للقارئ عندما ينظر جادين على نفسه من إحدى النوافذ الثلاث، وعندما يخبرنا عن ضجره بخلفية تتفق مع درويش -فلا شيء يعجبهما- الذات تُطّل علينا بين وقت وآخر من خلال النصوص، كما يبدو جليّا في تجربته الخاصة التي تجعله مترددًا بين التخلّي والنزوح، وترتيبه لانفعالاته، وبين رغبته في اكتشاف أن ما يكابده من غياب ليس إلا كابوسًا سرعان ما يستيقظ منه حتمًا.

ورغم شاعرية بعض النصوص، وشاعرية محتواها إلا أن هذا لا يمنع من وجود صراع بين عقل جادين وبين مشاعره بما انعكس على النصوص لتبدو حيرته واضحة، تكشف بتجرّد عن ذاتية وخصوصية التجربة لا عموميتها.

  • افتقد الديوان نسقًا واحدًا يؤكد على تناغم وحدة العمل ككل، ليس في المضمون الذي بدأ واضحًا ومؤكَدًا في أغلب نصوص الديوان، إنما في التفاوت بين طول النصوص ليبدو بعضها قصيرًا للغاية لا يزيد على بضعة أسطر، بينما افتقد البعض الآخر الإيجاز، كأحد الملامح الأساسية لقصيدة النثر، والذي لم يتوافر في بعضها لتبدو أطول من اللازم، بمفردات مكررة بين أفعال أو صور جمالية أو جمل متتالية كتفسيرات لنفس المعنى. عدم التناسق هذا أخلّ بالوحدة التي تجمع بين قصائد الديوان جميعها حتى وإن كان لكل قصيدة إطارها الزمني ووحدتها الموضوعية التي تميزها، كون القصائد جميعها مضفورة ببعضها البعض.

  • تكرار بعض الكلمات والألفاظ أكثر من مرة سواء بالنصوص فرادى، أو بالديوان مجتمعًا، أفقد قوة تأثير بعضها، برتابة ربما قصد جادين أن ينقلها إلينا ليصيبنا بالضجر، كما في نص ضجر نفسه، أو ليُشعرنا به كوسيلة لمعايشة أجوائها.

نجح في هذا في واحد من أهم نصوص الديوان وأجملها من وجهة نظري وهو نص أثر في رمال المكابدة، والذي بدا من الإمتاع الحدّ الذي يجذب القارىء لتبقى عيناه متعلقتين بسطور النص حتى النهاية رغبة في الاكتشاف.

كذلك نص لهاث السريع الإيقاع، كمشهد حيّ نابض بالخوف الذي يخطف أنفاس القارئ مترقبًا.

  • لا تفوتني الإشارة إلى نجاح جادين في نقل تفاصيل الصورة التي رسمها في أغلب النصوص، خاصة إشاراته للأنثى ونظرته لها من خلال وصفه إياها، وإسغاب الوصف بصورة لا تخلو من الشاعرية وتشير إلى رمزية التقديس، بما يعني تقديس الحياة وإن لم تكن هي تلك الحياة التي نعيشها بالفعل، بل الحياة التي لها يفتقد. كذلك اتضح اهتمامه الواضح بالطبيعة والكائنات بما نقله إلينا من ألوان وأصواتهم وأشكال، لنبتهج بألوان قوس قزح، ونتلمس بهاء وسطوع ألق الشمس، ونستمع لعصفور ونرنو لغزال، وننصت للرياح ونحن نتابع موجات البحر المتتابعة.

  • أحببت أثر في رمال المكابدة، مجموعة ثلاث نوافذ نحو العدم، عناية، اكتمال، رهق، نضج، لهاث، وأخيراً انفلات ثاني أجمل النصوص في الديوان والذي بالفعل يمنح القارئ الانعتاق الذي يتوق إليه أسوة ببطل أحوال الراحل إلى هنالك البعيد.

في النهاية أذكركم وأذَكّر نفسي أن قصيدة النثر من أكثر القصائد التي توجه لها انتقادات خاصة ممن يتمسكون بالشكل التقليدي للقصيدة الشعرية، ومن تلك الانتقادات الألفاظ الغريبة، تصريفات أفعال غير مستعملة، وغير معتادة، استعارات وتشبيهات غير معتادة، صيغ مبالغة للوصف. ولكن مرة أخرى وبالعودة إلى سوزان برنار وتطرقها لفكرة استخدام القوانين بقصيدة النثر كما قالت:

من المؤكد أن قصيدة النثر تحتوي على مبدأ فوضوي وهدّام لأنها ولدت من تمرد على قوانين العروض وأحياناً على القوانين المعتادة للغة، بيد أن أي تمرد على القوانين القائمة سرعان ما يجد نفسه مكرهاً على تعويض هذه القوانين بأخرى، لئلا يصل إلى اللاعضوي واللاشكل إذا ما أراد عمل نتاج ناجح.”

وتستكمل رأيها لفقرة أخرى تقول فيها:

عليه أن يرد إلى الكلمات سلطتها وقوتها الدالة وأن يجد لغة تلخص كل شيء: العطور والأصوات والألوان“.

وهذا ما حاول جادين تقديمه، باستخدامه ألفاظًا لها سلطتها وقوتها الدالة بالنسبة له كشاعر يُطوّع اللغة ومفرداتها كما يشاء، حتى وإن كانت تعريبات لكلمات ليست عربية، أو اجتراحات لغوية تمثِّل قاموسه الذي يعبّر به عن جو النص، قد يكون وُفِّقْ في اختيار بعضها أو لا. لكنه بالنهاية وكما ذكر الدكتور محمد صابر عبيد في كتابه «الفضاء التشكيلي لقصيدة النثر»

“أن الشاعر لسان عصره والممثل الفني لثقافته ، والشعر كلامه وخطابه وهويته، وهو يخاطب جغرافيا الراهن بلغة يختلط فيها الماضي بالراهن بالمستقبل ، وتكييف الطبيعة الشعرية الخاصة بما يتلاءم ومعطيات هذا الراهن (اتفاقًا – اختلافًا )، خطاب مضاد، يتمرد على ميراثه الشخصي بمستوييه (القصيدة العربية)، والخاص (قصيدة النثر).

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .