الرئيسية / احدث التدوينات / قراءة في رواية (عاصفٌ يا بحر) للروائي /عاطف الحاج سعيد

قراءة في رواية (عاصفٌ يا بحر) للروائي /عاطف الحاج سعيد

received_1586911241347453

 ليست كتلة روائية واحدة، بل خطابات متصارعة..

قراءة / هيثم الطيب

إضاءة:-

هي على شكل نداء (عاصفٌ يا بحر)..

والنداء فعل تنويري وصوتي،يُفعل في زمن صعب لقضية صعبة برؤية سردية تناقش حلم وحزن،وهناك بحرٌ يعمل على قتل فائض وعي بحلم،هي الصورة التي تقول بكل الرواية (فائض بوعي لتحقيق حلم،ثم بحر عاصف يقوم بمحاصرة حقيقية)،رواية تقوم على قول بنظرية تأريخية عالمية بأن (بحرٌ) مفترضٌ فيه واقع جديد عَمِل على أن يكون خارج دائرة الإلتزام بالمحافظة على الإنسان..

رسم الكاتب (بحرٌ) كذلك، برمزية محاكمة لظرف تأريخي وإنساني بين ثنايا (رواية معرفية)،بيقين أن ذلك (البحر) جزءً من محاصرة قريبة من القتل،مهمته تتمثل في ذلك القتل على طريقته،الكاتب يريد برمزية آنية القول لنا (لا وعي بحلم)،وبرمزية آجلة (هناك مع عاصف مثل ذلك وعيٌ بقتل يُكمِل بداية كانت هناك في وطن ما)..

ظني أن تجسيد (بحر عاصف) في رواية،لا تعني مطلقاً نهاية حياة لبعضنا في حالة كونهم هاربين،بل قراءة البحر نفسه كدلالة صامتة على كل فعل محاصرة تقوم به سلطة (بكل شكل من أشكالها)،كل سلطة (الفقر نفسه سلطة صعبة)،وغير ذلك من يقين واقعي بأن كل سلطة حول ناس هنا وهناك تعمل في محاصرتهم،عاصفٌ في قتل بعضنا وصامتٌ على فعل آخرين رغم ما في ذلك سوءات..

رمزية عاصف،وتفكيرنا في تشريحية رمزية (صامت) بقراءة ثانية لنص الرواية،أفترض فيه أن النصف الصامت الضعيف في ذلك البحر قد يكون ضمير العالم أو ضمير سلطة يتضاءل مع كل موت لإنسان،ويتراجع بصمته في أعماق عصف بحر محاولة منه صناعة عالم صمت خاص به أو ربما صنع ذلك الجزء العاصف في البحر..

أقرأ الرواية من زاوية تخيلية أخرى وهي نص فصامت في البحر،يعرف كل شيء ويمثل كل ضعف،ويمكن مساءلته بالكامل،لكنه متى أحس بذلك أغرق نفسه في صمت وغرقه عصف البحر لكن بلا موت،فالموت يصنعه البحر لأناس بعينهم،يعرفهم بصوتهم وخوفهم وأعينهم المقهورة..

ذلك سياق تنويع الخيَّاليات في قراءة الرواية،ونحاكم البحر نفسه على كونه صنع نصفا ًصامتاً ونصفا ًعاصفاً يعمل بطريقة كل سلطة قاهرة يمارس الإغراق على أصوات ضعيفة،وفي نفس اللحظة لا يفعل ذلك مع سلطة تستحق الموت،لماذا ولماذا يا بحر..؟

زاوية أخرى،ضعفنا نحن الذين غرقنا،أو سنغرق أو سيُغرقنا،هل تساءلاتنا للبحر موضوعية أم خوفنا من سلطة تحاصرنا دفعنا لفعل سؤالي نحو البحر،هروب مع خوف يصنع سؤال بلا هُوية أو منطقية..

تساؤلات محاكمة ونوستالجيا زمانية ومكانية،هما يشكلان محورا هذي الرواية،نوستالجيا تحسها في التفاصيل التي يصنعها خيالك المنطلق من فكرتها،هي رواية تصنع روايات داخلك،ليست إشارة قضية واحدة،أو توصيف لبحرعاصفٍ..

 هي ليست كتلة روائية واحدة، إذ من المفترض النظر إليها بوصفها خطابات متصارعة،وقراءة ذلك على نحو فلسفي وتشريحي وتحليلي،وفي كلياتها كرواية هي مشروع نقدي حقيقي لإتجاهات في حياتنا ومجتمعنا،غُلالتها في بحر كونه عاصف،لكن ما وراء ذلك ما هو أكثر من استحقاقاً بوصف (عاصف)،تلك هي قراءتي لها من زاوية (فكرتها)،فالرواية صاحبة الفكرة هي (رواية المعرفة)،التي تصنع خيالاً في إتجاه بحثي عن حلول،لكنها في ذات الوقت تمارس مقاربة خيالية إمتاعية قريبة وبعيدة،بمنظورها في رؤيتها للقواعد الأخلاقية المعالجة للمآزم الاجتماعية، فتبحث الرواية عن المسببات السياسية والأخلاقية والذاتية للصراعات،ثم تقول بأشكال الانكسارات المحتملة بعدها من (خوف،قهر) ومدى انعكاسها على الهُوية الذاتية والجمعية..

الإجتماعيات والإنسانيات، لهما أهمية في المجتمع، لكن من منظور علمي وفي بلداننا العربية لم يتحقق لهما فعل تنويري بهما وتطويري لهما في مجال السرديات لأسباب كثيرة ومتعددة ومتنوعة،لكن في رواية (عاصفٌ يا بحر) محاولة لتحقيق ذلك في العملية السردية والحوارية والتصويرية لحالة تبحث عن ذاتية لها بعد هزيمتها من آيديولوجيا مضادة للثقافات الإنسانية، ترسم لنفسها حلماً بمفاهيم حديثة وجذابة مثل التقدم الإقتصادي والرخاء المادي والديمقراطية والليبرالية وغيرها،هنا إدانة حقيقية لواقع كثيف،وهذا جزء من جمالياتها كرواية تصويرية حادة لحالة محددة..

الرواية ليست محايدة في تفاعلاتها فهي ضد الإضطهاد كشكل من أشكال محاصرة جماليات الذات،ولذا خرجت بشكل روائي حواري بين قراء وخيال،بين واقع وحلم،سردياتها تنتقل بين كل ذلك،الأزمة نفسها هي محرك الخطابات المتعددة والمتنوعة فيها،التحريك الخيالي فيها اعتمد على فرضية معرفة ثم خيال،إذ أن واقعية الأزمة التي تناقشها الرواية قام بفعل محاصرة قليلاً وكثيفاً للخيال السردي فيها،لكن الكاتب عمل على هزيمة ذلك بصناعة تخييل ذاتي للقراء وتخييل نفسي له وتخييل رمزي للرواية،وترجع في فاعلية عملها على نظرة للأزمة بمعرفة حقيقية بها وتخييلية بما وراءها من إتجاهات ومسببات وهكذا نستطيع أن نطلق عليها كرواية بأنها فعل سردي مرتكزه تطبيق لفرضية (المعرفة والرؤية الخيالية)،وهي فرضية قمت بإبتداعها على نظرية أن الخيال علمٌ والمعرفة علمٌ أيضاً،ولا خيال إلا بمعرفة ولا تكتمل رؤية أي خيال إلا بسياقات معرفية محددة ينطلق منها لصناعة سرديات وغيرها..

هنا في هذه الرواية،قضيتا (قهر وخوف)،ثم فكرة (محاصرة) كلية لتفاصيل إنسانية،إذن طقسها خوف ومُناخها قهر،وعلى ذلك فالمفترض صناعة علاقة بين ذلك وحركية النص،بمعنى تدفق كامل في ثنايا النص،إستنادا ًعلى كونها رواية (إنسانيات)،علاقتها تفاعلية بالمحيط حولها،والتفاعل رؤية مشتركة بين كاتب/ة وقراء،ولكن ليس كثيراً إستخدام الكاتب لتلك الفرضية،ولذلك ربما تتضاءل قليلاً فعالية القراء مع الرواية،إذ أن طقس ومُناخ روايات (الإنسانيات) يشكلان الأساس الحقيقي للبناء الروائي،ثم البناء السردي،البناء الروائي كفكرة ورؤية،ثم البناء السردي كصورة مشهدية لقضيتها..

هنا غياب نوعاً لطقس (خوف) ومُناخ (قهر) جعل قيمة القراءة لها تفترض من القاريء صناعة ذلك صناعة ذاتية،وتحفيز خياله لفعل ذلك،يحس بذلك قاريء قرأ كثيراً روايات (الإنسانيات)،وعرف كيف هي وعلى ماذا ترتكز،فهي أصلاً قائمة على فرضية حركية لقضية إنسانية حقيقية،وترتكز على تصويرها مشهدياً بشكل روائي،وهذا الشكل إن لم يستخدم تقنيات كتابة الصورة المشهدية بالطريقة (السيناريستية) يضعف كثيراً من تفصيلات وتفعيلات الرواية داخل أحداثها،وبقراءة لهذه الرواية،نكتشف أن تلك الطريقة ليست مستخدمة بالكامل،وللعلم هي الطريقة الوحيدة التي تصنع الطقس والمُناخ اللذين يعبران عن الرواية وأحداثها،ضعُفتْ في ذلك لكنها كانت تحاول فعل الأجمل،وهذا لن يُنقص كثيراً من إيجابياتها سردياً وجمالياً،فالتقنية السردية التي استخدمها الكاتب تقنية (تشريح الفعل)،وهي تقنية تُناسب مثل هذا النوع من الروايات التي ترتكز على فعل إنساني في محيط معين،والمطلوب تفصيله للقاريء لإحداث نوع من المشاركة بين كاتب وقاريء ونص،نجح الكاتب في هذا الإتجاه بنسبة كبيرة،إذ كتب عن قضايا متعددة ومتنوعة وقام بتشريحها إيضاحاً وتفصيلاً،لكن يظل غياب طقس ومُناخ تعقيدات لك وجعلهما محوراً للكتابة فاعلاً في إتجاه تساؤل موضوعي للقراء وأين تفاعلي الخوف والقهر هنا،وظني أن مهمة الرواية فعل ذلك في محيط نقاشها عن تلك القضايا،إذ أن رؤيتها الجامعة هي ذلك،ولا يمكنها القول بصعوبة تلك القضايا من خلال تشريحها وحكايتها للناس إلا بإحاطتها بطقس ومُناخ مُناسبين لفكرة مناقشة وتشريح القضايا نفسها حتى لا تقع في ورقة التقريرية الكتابية..

يظن بعضهم أن ما يسمى بطقس ومُناخ الرواية يمكن أن يكونان (عابثان) بها،لكن الموضوعي والعلمي أنهما ليسا كذلك،بل يعملان على تشكيل الرواية على أفق تجديدي وتحريضي لخيَّاليات كل قاريء لها،وهذه إيجابية،لأن في الطقس تحريك لتفاعلات بين الحواريات في الرواية وفي المُناخ ترسيم لأبعاد نفسية وفلسفية للقضية نفسها ومحيطها الكلي موضوعياً ووجدانياً،خاصة إن كانت رواية من (الإنسانيات)..

عموماً الخطاب الروائي هنا قدّم تفسيراً وتحليلاً للظواهر الإنسانية التي كانت بما يوافق شروط الموضوعية الزمانية والمكانية،وقامت بفعل حقيقي لوظيفية الرواية المنتظرة في كونها تمثيل متنوع لأحوال مجتمع وإنسانيات متعددة،متقاربة ومتجادلة ومتصارعة كثيراً وكثيفاً،والتمثيل السردي فيها نقل اللغة إلى معيارية ليس فيها إنشائية ولذلك كانت الشخصيات بعمق نفسي تفصيلي وواقعي،وهذا ما جعل الواقع التأثيري لها كبيراً عند القراءإتفاقا ًوإختلافاً معها وهذا يشكل عامل نجاح للرواية فتشكيل علاقات بين قراء وشخصيات ومحاولة تشريحها يعني تماثلات تأثيرية واسعة لها،مما يعني دخولها عقل ووجدان ورؤية تقييمية معيارية..

حاولت الرواية تشكيل معالم حياة بمحددات معينة (واقعية ثم خيالية)،أي أنها رؤيتها كانت معرفة ثم رؤية خيالية،ثم قامت بقيادة هذه المحددات لفتح مسارات تفصيلية بينها على أفق صراع،وهنا حاولت التقنية السردية إستخدام فلسفة الجدالية الوجدانية للشخصيات بزمانها ومكانها وتعقيداتها،لكن هذه الفلسفة تحتاج لترسيم سيناريستي كتابي يعمل على تصويرية نفسية للحالة بشكل مؤسسي،كثيفاً،وليس قليلاً،وقد نجحت نوعاً ما هنا،ولو وُضعِتْ تلك التصويرية النفسية بالشكل المطلوب لأضافت للفعل السردي بعدًا جمالياً وتأثيرياً كبيراً،لكن جزء من غايتها تلك قامت بفعل المقاربة المطلوب..

والأصل في كل روايات الإنسانيات فعل (المقاربة) هذا تحليلاً لأزمة وتصويرية لإشاراتها،وتفسيرية لمساراتها ومعيارية لقياساتها،وبوضع (عاصف يا بحر)،على تماثلية تلك الإتجاهات نصفها بإقترابها بشكل إنحيازي في تشكيلاتها لأزمة معينة،لكن لم يضعف ناحيتها الموضوعية لأن التشكيل العام لها كرواية كان محاولة بنداء نحو (بحر)،وبتوصيف بأنه (عاصف)،فمن النداء وفكرة النداء نفسه كانت التداخلات للإنحيازية الإنسانية للكاتب،والتي ساهمتْ في صناعة شكل تواصلي بين حالة إنسانية وكتابة سردية لقراءة ليس الحالة نفسها لوحدها،بل بتجاوزات متعددة لخيَّاليات متوقعة قادمة بعد قراءتها،وهي ميزة إيجابية في تقنيتها السردية أضافت لها بُعداً تأثيرياً كثيراً..

قد يرى في هذه الرواية وصفاً تصويرياً قيمته الإنفعالية عالية بالقضية التي تتحدث عنها،أو وصف الكاتب بمايسمى بالإنحياز الإنفعالي نحو قضية ما،لكن هنا أرى محاولة للكاتب لصياغة قيمة إنفعالية إنحيازية لقضية إنسانية من زاوية توصيفها على نسق هزيمة قيمة الإنسان فيه زمان ومكان محددين،والإنحياز التوصيفي الإنفعالي قيمة إيجابية في الروايات الإنسانية لأن قيمتها الأدبية تقوم على ذلك الفعل،ومن غير الموضوعي وصف ذلك بأنه ينقص من حيادية الكاتب،بل القيمة الموضوعية التي يقوم بها كاتب الرواية الإنسانية هي صياغة توصيف دقيق وعالي وحقيقي لأزمة ما بتخصيص مسارات حوارية وجدالية حولها،وهنا عَمِل كاتب هذه الرواية على ذلك..

حركة الشخصيات داخل الرواية يرتكز على مرجعية تفاعلاتها مع الأزمة والقضية،وعلاقتها بمن حولها،وتعد قضية توصيف وتوظيف حركة شخصيات العمل الروائي داخل النص صعبة للغاية إلا إن يتم ذلك عبر ترسيم دوائر لحركتها وفقاً لدورها داخل الرواية بإحكام،وهنا ولأن القضية بتعقيداتها مرتبطة بقضايا فرعية كان من اللازم ترسيم حركة كل شخصية وفقاً لإرتباطها بالقضية الرئيسية والقضايا الفرعية،وأعني بالقضية الرئيسية (قهر وخوف)،والقضايا الفرعية هي قضايا تخص شخصيات الرواية كلٌ لوحده،والربط بين ذلك يتحقق بتحقيق دائري من التوصيف للرئيسية والفرعيات بتداخل أحياناً وبتعقيدات أحياناً كثيرة،وقد نجح الكاتب هنا في صناعة الإنتقالية بينهما،مما أضاف للنص عملية تواصلية تفاعلية،لكن ربما كان هنالك بعض الإخفاق في صناعة قيمة تاثيرية حوارية متصلة بين فكرة رئيسية (قهر وخوف)،وقضايا فرعية إذ كانت رؤية الكاتب تفصيلية في تبيانها بلا مركزية ربط بينها وبين أساسيات فكرته،أي أن رمزية تحركها كقضايا فرعية كان بعيداً عن طقس مفترض في حركية لقضية أساسية،ومُناخ مفترض فيه تماثلية مشتركة بين قضايا فرعية وقضية رئيسية..

وقضية الهجرة غير الشرعية،تمثُلها في إستغراقها في بناء خوف وقهر،وتسلسها في كونها صورة تصويرية من أزمات،فربطها سردياً بها أجمل،وتفاعلاتها بها أفصح بياناً،وبيان الخوف (عاصفٌ يابحر)،وصوت القهر (عاصفٌ يابحر)،فمن فيهما بين هزيمة وهزيمة،ولن يستطيع معهما (حياة)..

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن