الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: رواية “مُذكّراتي مع الإله” للكاتب شريف سامي

قراءات: رواية “مُذكّراتي مع الإله” للكاتب شريف سامي

unnamed
كيف أكتب عن رواية لم أقرأها فقط، إنما عشت فترة ولادتها، وعاصرت مراحل تشكيلها كي تصبح مخلوقًا يرى النور يتناوله القراء كائنًا مجسدًا مفعمًا بالحياة..

منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام ، بدأت علاقتي برواية مُذَكّراتي مع الإله، حيث عاصرت مراحل التكوين والتشكيل لتلك المذكرات، وخضت العديد من النقاشات مع الكاتب، أفكار تتعلق بمحتوى الرواية، وشخصية البطل وأفكاره، وقفات مع كل ما يثير الجدل والجدال، ويحرك الأسطح الساكنة الراكدة، فمُذَكّراتي مع الإله تضرب بقوة تلك المساحة من التفكير التي نقوم نحن البشر بتعطيلها تلقائيًا وبالتدريج كُلّما تقدّم بنا العمر، بعد أن أصابتنا لعنة الخوف من السؤال وكففنا عن الدهشة، وخشينا المواجهة، ولو حتى مواجهة أنفسنا أمام المرآة، وآثرنا السلامة وأكملنا الطريق على طريقة «لا تجادل، لا تناقش، لا تسأل»، لكن شريف سامي قرر بشجاعة أن يرفض تلك اللاءات وأن يرتكب تلك الأفعال، سأل، وجادل، وناقش، واقتحم كل منطقة مظلمة في أعماق نفسه وبيده ما دون من المذكرات، لتكون مذكراته علامة استرشادية وإرشادية، للقارئ الذي يكتشف أن أفكاره ليست سُبّة، وليست خطيئة، بل هي ببساطة أفكار غيره ممن يشبهونه، من هؤلاء العابرين دون توقف أو وقفة وكأن الحياة تمضي بهم وهم معصوبي الأعين، حول قلوبهم درع قوي وعلى عقولهم سدّ منيع.

دعوني أقصّ عليكم بعض ملاحظاتي على رواية مُذَكراتي مع الإله، هي ليست قصة البطل وحده، بل قصة كل فرد فينا.. شكوكه وهواجسه ويقينه، أحاديث مطولة مع النفس، صراع لا يُحسم أبدًا… فكيف يتم حسمه وكل ما حولك متناقض؟! كل ما تعيشه متناقض كل ما تفكر فيه وتفعله .. أنت نفسك متناقض تحمل من هذا وذاك؛ ألست بشرًا له أن يخطئ وأن يصيب.. من قال أنه لا حق لك في ارتكاب الخطأ، ومن سيلومك قبل نفسك إذا ما أخطأت؟!

هنا رحلة غوص عميقة في النفس، ورحلة محفوفة بالمخاطر مع كل تصاعد في أحداث الرواية..

من يقرأ الرواية ربما سيجد نفسه أمام مرآة رفض من قبل أن ينظر إليها، لكنها لا تفارقه ولا تنتظر منه النظر حتى تكشف عن حقيقته وحقيقة دواخله وتعكسها جليّة واضحة.

علاقتنا بالإله وبأنفسنا والبشر..

إنها مذكرات إنسان .. أي إنسان، وكُلّ إنسان..

عندما نتوقف عند علاقة الإنسان بالأديان، قطعًا سنجد تلك المساحة التي تجمع بين أصحاب الديانات داخل نطاقها أيا كانت عقيدتهم أو ما يؤمنون به وكيفية تعاملهم مع إيمانهم هذا.. إنه صراع حتمي بين الموروث المُتّبعْ لمجرد أننا وُرِثّنا به وبين ما يتفكّر ويُفكر ويتدبّر به الإنسان..

حول هذه الفكرة بدأ بطل المذكرات حديثه .. إنه ذلك الذي ورث دينه بالميلاد والنسب، ورث الدين ليحمله معه في مشوار حياته ليُورثِه بدوره لابنه، وهكذا.. لكن! هذا الإنسان تنازعه نفسه بين المفروض عليه والمفترض أن يقوم به، وبينهما ما يريد وما يرغب به أو يشتهيه.

بين حيرته من طبيعته البشرية التي تدفعه لارتكاب الأخطاء والذنوب ومن ثمّ طلب المغفرة بعدها، بين الخوف من العقاب والطمع في الثواب، يتقدم الحب على استحياء، فبطل المذكرَات يريد أن يحب الإله، أو يعتقد أنه يحبه، ولكنه في الحقيقة ومع هذا يبحث عنه، وأثناء رحلة البحث يكتشف أن الأديان تتفق وتتوافق مع بعضها البعض ولو أنكر معتنقيها وظن كل منهم أنه وحده من يملك الحقيقة المطلقة وصكّ الغفران الحصري، كما يكتشف أنها تستقي من نفس المصادر التي تتردد بين الأسطورة والخرافة والحكايات المروية في الأديان.

وفي أثناء رحلة البحث يكتشف ذاته يتعاطف معها حينًا، ويحتقرها حينًا، ويرثى لحالها، يقاومها ويستسلم لها كما يستسلم لأهوائه وشهواته، لكنه بالوقت ذاته يواصل البحث لأنه يريد أن يحب الإله، أو يثبت لنفسه أنه يحبه. هي رحلة غوص في النفس، ونظرة متعمقة على من يجاورونه من البشر في محيط مجتمعه، أسرته، جيرانه، أصدقائه، زملاء العمل، حبيبته، وهكذا.. البشر وتناقضاتهم وتعاملهم مع الأخلاق وفهمهم لها، علاقة الرجل بالمرأة، الحب، الجنس، المال، والابن الذي هو قطعة منه.

البحث عن قطعة الحلوى التي تعلم يقينا بوجودها، لكن لا تدرك تمامًا أين هي؟!

هكذا شرح بطل المذكرات فكرة البحث عن الإله في واحد من الحوارات التي وقعت بينهما، في محاولة منه لتوضيح دلالة لفظة الكفر لغويًا وماذا تعني! وانعكاس هذا على فكرة الإيمان نفسها بإله لا نراه، لكننا نؤمن بوجوده.

مذكرات البطل مع الإله، ليست سوى رحلة بحث، مع تجربة الإيمان. صراع بين الشك واليقين، اليقين الذي يخلفُه إيمان الروح الفطري أو الذي على شيء من الفطرة، والشكّ الذي يتزايد مع ما يحمله التدين من اتساع مساحات التأويل والتفسير، ليصبح الدين في النهاية ما هو إلا رؤية بعضهم له، تلك الرؤية التي تُفْرض بشكل ما على متبّعي الأديان، وتمنعهم من إعمال عقولهم والتفكير والتأمل، ومن ثمّ اختيار الحقيقة التي تناسبهم وتتفق معهم ومع قناعاتهم.

في قالب شيّق ومحيّر وملغز، يأخذنا الكاتب لنصاحب البطل في رحلته من خلال مذكراته، بكل لحظات الصدق ومواجهة النفس والقبح والجمال وتلاقي الأضدادّ. وبحث معه ونرثى لحاله، ونحتار مثله، ونتساءل هل هو عاقل في ثياب مجنون؟! أم مريض أتلف المخدر عقله وأصابته الهلاوس؟! هل هو متعدد الشخصيات أم هو فقط إنسان صادق واجهنا بصراحة شديدة، واجهنا بحقيقتنا؟!

كثيرون منا لا يختلفون عنه في أفعالهم وأفكارهم.. فقط هو كان لديه الكثير من الشجاعة ليبوح.

مذكراتي مع الإله… رحلة .ممتع أن نخوض غمارها مع البطل.

كما أنها، محاولة للتطّهر، الاعتراف بحقيقة النفس البشرية، نوازعها، شهواتها، نزواتها، وحيرتها… تلك الحيرة التي نقلها إلينا الكاتب عبر سطور المذكرات، وفقراتها، ومن خلال حوارات البطل مع نفسه، أو مع غيره من شخصيات العمل. إنها تُجبر القارئ على التفكير، أو على الاعتراف بينه وبين نفسه، أن أفكار البطل راودته ذات حين، أو أحيان، وأن حيرة البطل حيرته هو شخصيًا، وربما تجمعهما نفس الاعترافات ونفس الذنوب ونفس الأهواء..

لا تكتفي المذكرات بمنح القارئ لحظات التفكير العميقة فحسب، ولا تواصل تنبيهه بأجراس كما المطارق تدق فوق رأسه وفي أذنيه ملامسة مشاعره ومخاوفه، بل أيضًا تأخذه معها في قالب حكائيّ مشوّق على شيء من الغموض والمفاجأة، فالبطل ربما يكون مريضًا، يعاني من الهلاوس، وربما لا، ربما هو مصاب بتعدد الشخصيات وربما لا! ولكن بفرضية مثل هذه، فربما هو ممن يهزهزون عقولنا، لإيقاظنا من غفلتنا، بصدق ما يخبروننا به من حقائق مجردة بسيطة، لا تحتمل المزايدة فقط إذا اتسع مدى الرؤية لدينا، فقط إذا سمحنا لأنفسنا بالخروج من كُلّ إطار ضيق تمسكنا به لأننا أورثِنا إيّاه.

ينتهي القارئ من إتمام المذكرات، ليسأل نفسه، تُرى هل وجد كاتب المذكرات الحقيقة التي ينشدها، وإن وجدها لماذا لم يخبرنا بها وتركنا على جهلنا بها حتى النهاية!

ربما لأن الحقيقة دائمًا ما تخص صاحبها، تناسبه هو، وتنبع من داخله، انعكاسًا لرؤيته ومن واقع تجربته.

ربما وجد البطل ضالتّه المنشودة من خلال بوحه بالمذكرات، لكن! هل وجد كل قارئ ما ينشده لنفسه بعد؟!!

مُذَكّراتي مع الإله صدرت بداية يناير 2018 في نسختها الورقية، عن دار نشر اكتب ومعروضة حاليًا بمعرض القاهرة الدولي للكتاب.

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .