الرئيسية / العدد الثالث والأربعون / ملخصات ( 02 ) : المثقفون جدلية النخبة والفشل لعبدالسلام زاقود..

ملخصات ( 02 ) : المثقفون جدلية النخبة والفشل لعبدالسلام زاقود..

chjuimxwyaaipd

**

عبدالسلام زاقود..هو أكاديمي وباحث أستاذ للقانون الدولي والعلاقات الدولية بالجامعات الليبية

لماذا الحديث عن الثقافة والمثقف؟ وهو حديث ذو شجون.. موضوع كلاسيكي كما وصفه المؤلف

تحدث فيه الكثيرون من قبل وأحاطوا بالعديد من دقائقه وتفاصيله.. ونال حظا وفيرًا من البحث

هكذا استهل دكتور عبد السلام مقدمته عن الكتاب.. الذي أراه ضرورة حتمية في وقتنا هذا.. لأن الحديث عن أية تغييرات في واقعنا المحيط بلا قيمة ولا فائدة ما دمنا نفصل المثقفين عن واقع المجتمع الآن و وفق تطوراته التي قد لا تتناسب مع كل ما كُتِب من قبل أو تطرق إليه البحث..

كما أننا نكتشف بعد القراءة أن المجتمعات التي نفترض أنها تعج بالمثقفين بينما هي تفتقر إلى من يستطيعون المساهمة في تقدمها..

في الكتاب محاولة لدراسة العلاقة بين ثالوث المثقف و السلطة و المجتمع..

من خلال نظرة شاملة.. بين عرض لمفهوم الثقافة كما هو شائع وبين خصائصها العامة ونظرة المؤلف لها يسترسل دكتور زاقود في تلخيص وصياغة تلك الخصائص ليقدم لنا مفهومًا سهلاً شاملا لها بكونها الصورة الكلية للنمط الحياتي لمجموعة من الأفراد..

كما يوضح لنا أهمية الثقافة و ضرورتها للبشر فهي ترمومتر قياس تقدم الشعوب والمجتمعات والأمم.

كيف تسقط الشعوب؟؟

هل تسقط بالحروب العسكرية؟! أم تسقط بانتكاساتها الثقافية أولا..

اليابان و جنوب أفريقيا وفيتنام نماذج ذكرها زاقود كدول استطاعت الانتصار ثقافيا وأن تحول هزائمها العسكرية إلى انتصارات..

الثقافة هي ما يفرض نفسه على الفكر الإنساني والديني والأخلاقي و الدولي.. مما يتطلب حماية حق الإنسان في التثقف وحماية المكونات الثقافية للمجتمعات..

الثقافة بنسبيتها و درجة تأثيرها على المكون الإنساني قياسًا بمدى تشبعه بها وكونها ثقافة إيجابية منتجة.. تنمي التسامح وتنبذ العنف للتخلص من مظاهر التوحش..

يشاركنا دكتور عبدالسلام  بنظرة على مجتمعاتنا الإسلامية بصفة خاصة.. ليحدثنا عن شيخوخة ثقافتنا العربية.. لنجد أن السيطرة والهيمنة لصالح الثقافة السلبية؛ بإشكالية تتمثل في وجود فجوة ما بين التنظير و الممارسة بين و النص والواقع.. حيث تنعدم المرتكزات الثقافية المحلية  التي تؤسس لثقافة عربية.. بغياب محطات تحلية الثقافة الوافدة وتنقيتها مما لا يناسبها من شوائب لا تتماشى معنا.. فنحن نعيش حالة من التيه بين المناقشات العقيمة البيزنطية والمساجلات السوفسطائية حيال القضايا الكبرى بشكل عام, كما تغيب عنا ثقافة النقد والحوار والمناظرة.. وأصبح اللجاج والتناوش والسباب هو ما يبدو بين المتحاورين..

وتزداد حالة التيه لدينا إما بالعودة الكاملة إلى التراث لاستدعاء وقائعه إجابة جاهزة وحاضرة لما نعيشه الآن, رغم عدم تناسبها مع مستجدات عصرنا.. أو انغماسًا في مظاهر حداثية للثقافة الغربية التي لا تتناسب وطبيعة الحال لدينا..

بين الأصولية والحداثة.. بجناحيهما أصبح معتادًا لكليهما مهاجمة الآخر إما بحد التكفير أو بنعت التخلف.. ويناقش الدكتور عبد السلام الانغلاق الثقافي الذي يؤصل له في مجتمعاتنا وتأثير هذا على درجة الوعي الثقافي لدى أفراد المجتمع.. وكيف أن مؤيديه يبدون كما لو كانوا يعيشون في واقعنا الحاضر بأجسادهم فقط بينما عقولهم بالماضي البعيد.. وعلى جانب آخر و ردًا على هذا الانغلاق وكرد فعل في الاتجاه المضاد ظهر دعاة التبعية للحداثة والتي لا تتفق مع قيم مجتمعاتنا أيَا منها وتتوافق معها..

وهكذا تكون لدينا شكل ما نستطيع تسميته بالثقافة الانهزامية و التذبذب الثقافي بين الأصالة والمعاصرة.. أو الانغلاق والتبعية.. و من الظواهر الأخرى التي تدلنا على ضعف المؤشر الثقافي افتقارنا إلى ثقافة الحوار و تحييده وقت الاختلاف.. سواء سياسيا أو دينيا..

فليس لدينا قبول حقيقي للآخر المختلف عنا. فشيوخ الدين المتزمتين يرفضون الحديث مع أصحاب الديانات الأخرى ويرون في الحوار دعوة للكفر

كما يرفض الأصوليون الحوار مع الحداثيين وبالمثل يرفض هؤلاء الحديث معهم..

وعلى جانب آخر نجد أن الحوار بين السلطة و المعارضة أيضًا ليس حوارًا مقبولا أو جديًا حقيقيًا..

ومن هنا نشأت ثقافة الاستبداد التي تعني أن السلطة لا تقبل بأي حال من الأحوال المعارضة..

نوع من الاستعلاء لا يختلف كثيرًا عن استعلاء الزوج في المنظومة الأسرية على زوجته, وكونها الطرف الخاضع القابل لتقديم التنازلات.. و هو الطرف القادر على  الاستبداد الذي يشمل الزوجة والأبناء وبين الأبناء بعضهم البعض.. لتتسع منظومة تلك الثقافة في المجتمع ككل..

إن العلاقات الإنسانية المجتمعية ليست علاقات قابلة للمطلقيات بل هي علاقات ديناميكية غير محسومة او محددة النتائج والنهايات.. و بمجتمعاتنا أصبحت معالجة القضايا والنظر إلى الأمور من زاوية واحدة هي التعاطي بالمسلمات ورفض ما  سواها.. فلا حاجة بنا لمراجعة تلك المسلمات أو التثبت منها بل علينا قبولها فقط كما هي دون التثبت منها أو اختبار مصداقيتها..

بين الموروث والحداثي.. بين القبول بما هو مرهونًا بما نُقل إلينا دون التأكد منه أو من صلاحيته للتعامل به والتعايش خلال الحقبة الزمنية المعاصرة.. أو استجلاب ما هو غير مناسب لنا والتعامل به رغم عدم صلاحيته لقيمنا نتحول به لمجرد نسخ مشوهة ومقلدة..

إن تلك الثقافة التي نعتقد أننا نعتنقها هي ثقافة مغشوشة, مجرد عشوائية ثقافية بسبب هشاشة الثقافة العربية الإسلامية وافتقارها إلى ركائز  ومتكآت القيام والتقويم و غياب المراجعات الدورية والقراءات النقدية  لإعادة النظر.. وتنقية الثقافة و فلترتها  لإبطال التشوه والتزوير الحادث بها..

والتمسك بقاموس ثقافي مكتفٍ بمفردات التسامح.. خاليًا من مفردات القاموس الثقافي الميليشوي المعمول به.. لنضع كل ما نعتقده بمنجز ثقافي فكري في دائرة الاتهام  لا لإدانته بل لتبرئته..

علينا أن ندرك أن الصراعات القائمة في العالم أساسها ثقافي فكري.. وأن أية انتصارات أخرى ليست إلا انتصارات لمعارك هامشية ليست هي المعركة الكبرى وليست هي الحد الفاصل بين المنتصر والمهزوم..

وكما ذكر دكتور عبد السلام أنه يحاول في كتابه هذا الإحاطة بكل ما قيل وما تمت دراسته من قبل حول المثقف وعلاقته بالسلطة والمجتمع ويعرض لها بفصول الكتاب.. وهذا ما سأشارككم به ابتداءً من اليوم.. آملة أن تكون اختياراتي مثرية وحافزة على التوقف..

إن قارئ الكتاب سيجد نفسه بكل صفحة يقرأها منه وكأنه أمام مرآة تواصل عرض صور متتابعة نصطدم بها كل لحظة وكل يوم يمر علينا في مجتمعاتنا.. صراع حقيقي نعيشه ونكتوي بناره..

علينا أن نتوقف من لهاثنا المحموم قليلاً للخروج من الصورة والنظر إليها من خلال صفحات الكتاب.

الفصل الأول

ماهية المثقف والسلطة

في هذا الفصل دراسة واعية لتحديد ماهية المثقف والسلطة وتفكيك النقاشات الفكرية حولهما, لأنهما رغم شيوعهما إلا أن غموضهما وإبهامهما هو السائد ويحدث التباسًا في فهمهما..

فبين الترجمة والنقل من المصطلحات الأوروبية لتعريفات ماهية المثقف وبين محاولة تبيئة المفهوم ليتوافق مع الحضارة العربية والإسلامية يوقعنا في إشكاليات منهجية ومزيد من الالتباس..

الجابري, أركون, زكي نجيب محمود, نصر حامد أبو زيد, عبد الإله بلقزيز, إدوارد سعيد.. وغيرهم نماذج لمفكرين عرب طرحوا رؤى متنوعة لماهية المثقف ودوره المنوط به.. بناء على قراءات لمفكرين أوروبيين تحديدًا ماركس, جرامشي, سارتر ..

وبقيام الدكتور زاقود بعرض تلك الرؤى جميعًا نجد أن تعريف المثقف يشوبه الكثير من الخلط والكثير من التناقضات وهذا مالا يتسع المجال لحصره هنا.. لكن بالفعل بعد قراءاتي لكل تلك التعريفات ثم قراءة التعريف الذي وضعه زاقود نفسه والذي أميل إليه على اعتباره قدم رؤية شاملة ومنهجية وليدة المناخ المجتمعي الذي نعيشه بعيدًا عن فهم المفكرين العرب فقط لتعريفات المفكرين الأوروبيين .بعيدًا عن النقل والترجمة والتقليد وعدم القدرة على تبيئة التعريفات بما يناسب بيئاتنا..

(المثقف هو الشخص الذي يحمل قدرًا معرفيًا يتجاوز حدود تخصصه, يؤهله لإنتاج المعرفة فينتجها, ويحسن توظيفها, ليبلغ بذلك مرتبة يصبح قادرًا معها على التعاطي دون انحياز مسبق, وتتوقف صلته بالأفكار على مدى صمودها أمام النقد).

هذا هو تعريف الدكتور عبد السلام.. والذي هو للأسف نادر الوجود في عالمنا العربي على حد قوله.. وبقدر اقتناعي برأيه.. طبقته على نفسي لأجدني لازلت أبعد عن تلك المرتبة من التعاطي دون انحياز مسبق.. رغم محاولتي لقبول الآخر.. إلا أنني أرى أن بلوغ هذه المرتبة ليس مستحيلا طالما وضعنا نصب أعيننا هذا التعريف ..

و بنظرة شمولية أخرى يتحدث زاقود عن السلطة.. ما هي السلطة؟ وما تعريفها!!

في الغالب فإن أول ما يتبادر للذهن لدى ترديد كلمة سلطة هي:

* السلطةالسياسية,

ولكن الحقيقة أن السلطة لا تقتصر فقط على السلطة السياسية التي تقوم على الحكم والضبط للمجتمع , أو القيام بدور الآمر والذي يستلزم حق إصدار الأمر و انتظار واجب طاعته من المأمور به.. ..

هنا نجد أن السلطة ارتبطت في ذهن المواطن العربي بالقوى القادرة على شرعنة العنف وممارسته بمسوغات قانونية وأخلاقية.. تجاه أفراد المجتمع وجماهيره, من خلال المثقفين الذين يُطوعوا لخدمة أجندات تلك السلطة..

وحسب تعريف جان لوك فالسلطة السياسية هي حق التشريع والحكم وتطبيق أقصى العقوبات وتنفيذ الأحكام الموضوعة من قبل أفراد ومن يمثلهم.. أي أنها سلطة مؤسسة قمعية رغم أن لها دورأ أكثر شمولية واتساعا من هذا.. بين الثيوقراطية التي ترى أن ممثل السلطة هو ممثلا عن الله.. وبين الديمقراطية التي ترى أن الشعب هو من يختار الحاكم فهو مصدر السلطة.. وبين السلطة التي قد تقوم على أساس الانقلابات العسكرية التي تتمظهر جليًا في مجتمعاتنا العربية..

ولكن ليست السلطة السياسية فحسب هي ما نعنيه بالسلطة التي تؤثر في المثقف وعلاقته بها..

فهناك أيضا..

*سلطة الأيديولوجيا

كنظام من الأفكار التي يتبناها مجموعة من الأفراد تحكمها مصالح تلك المجموعة أو تملي عليهم سلوكًا معينًا ..و تشكل نوعًا من السلطة أو السيطرة على تصرفاتهم من منطلق تلك الأيديولوجيات والتي تكون في الغالب سلطة سلبية لا تمارس التسلط إلا من خلال وجود أجهزة ومؤسسات يرتبطون بها بصلة عقدية.

* وهناك المؤسسة الدينية الرسمية

والتي تشكل سلطة لها صلة كبيرة بالمثقف في مجتمعاتنا التي لا يمكن أن نعزلها بعيدًا عن دينها الذي يمثل ركيزة أساسية وأولى في تشكيل هوية هذه المجتمعات ويؤثر تأثيرًا مباشرًا في النمط المعيشي لها…. ولأن هذه المؤسسات الدينية جميعها تعمل تحت تراخيص حكومية بشكل رسمي مما يعني موثوقية العلاقة بين السلطتين  السياسية و الدينية على مر التاريخ الإنساني,

وهنا تجدر الإشارة أو يجدر بنا التوقف للسؤال..

ألم يكن تاريخنا الإسلامي شاهدًا على العلاقة الوثيقة بين الحكم السياسي والمؤسسة الدينية بداية من حكم الأمويين إلى يومنا هذا؟ أليس هناك تأسيسًا لكهنوتية دينية في واقعنا الحياتي مرتبطًا بتلك الحكومات السياسية ؟؟ ألا يعج واقعنا العملي بمؤسسات دينية تسعى لأدلجة الدين واستخدامه وفق مفاهيمها وتفسيره بما يتماشى مع مصالحها الخاصة؟؟ أليست المؤسسة الدينية دنيوية بامتياز؟؟ أوجدها الواقع لا الدين وصارت سلطة تابعة تكاد أن تكون موازية للسلطة السياسية؟؟ يعملان معا أو يتنافسان في اجتذاب الجموع؟؟

تلك أسئلة واضحة يطرحها دكتور زاقود  ويجيبها كما هو واضح من صيغتها نفسها. وبما يستحق التوقف عنده وقراءته..

* و أخيرًا السلطة القبلية

والتي يفرق المؤلف هنا بين مصطلح القبيلة بمفهوميه الاجتماعي والثقافي وضرورة الفصل بينهما

ويشير إلى أن القبلية بالمعنى الثقافي والتي تشير إلى أن تصرف القبيلة في ضوء قيم وثقافة قبلية والذي يخدم هوية القبيلة قبل أن يخدم الهوية الوطنية. ويعرض للعلاقة الغير منضبطة بين القبيلة والدولة أو الدور السياسي الذي تمارسه القبيلة, وما يفت من سلطة المجتمع نظرًا لهذا ويقوض محاولات التمدن والتحول الديمقراطي بشكل أو بآخر, وإن ضعف مؤسسات الدولة وهشاشتها وعدم قدرتها على إدارة المجتمع ككل من خلال منظومة المواطنة, يجعل من تجاهل القبيلة لدورها أمرًا طبيعيا مما يجعل أفراد القبيلة يتاملون من منطلق قانونهم القبلي وعاداتهم وهوياتهم القبلية أولا وقبل انتمائهم للدولة وهويتهم الوطنية.. و هنا نجد تفصيلات الكثير من مظاهر تلك العلاقة بين القبيلة والدولة بمؤسساتها..

قياسًا على هذا نجد أن كل ما يخص النظام القبلي ينطبق على النظام الطائفي, والثقافة المناطقية, والنعرات الجهوية بما يؤثر سلبا على كيان الدولة السياسي.. وبالطبع يؤثر على المثقفين أنفسهم.

الفصل الثاني

إشكاليات العلاقة بين المثقف والسلطة

وفي هذا الفصل نتابع إشكاليات العلاقة بين المثقف والسُلط جميعها.. تلك العلاقة التي تتضح فيها معالم عدم التكافؤ أو الندية والتقارب.. بل سيطرة وهيمنة السلط على المثقف العربي الذي بات متوجسا من تبعات صدور أفكاره بصورة شفوية أو مكتوبة.. مترددًا في اتخاذ أي موقف قبل تأكده من رد فعل السلطة تجاه هذا الموقف.. تلك هي الأزمة المعيارية الحقيقية في العلاقة بين المثقف والسلط مع غياب وجود محددات واضحة لعلاقتيهما.. ذابت شخصية المثقف العربي وتحول لصورة مشوهة, ومردد ببغاوي لوجهة نظر السلطة التي يمثلها منحازًا بوضوح لما تمثله وجهة النظر تلك..

– هنا والمداخلة لي أنا كي أتساءل “هل بعد مراجعتنا لتعريف دكتور عبد السلام زاقود لماهية المثقف.. هل نرى ملامح ذاك المثقف متمثلة في النماذج المتعددة للمثقفين العرب”؟؟! – مجرد تساؤل!!

يقول دكتور زاقود أن المثقف العربي كان ولا يزال واقعًا تحت تأثير الأدلجة ولا يمكنه أن يحقق التجرد والحرك خارج الخطوط الحمراء المرسومة سلفا من قبل السلط المهيمنة..

ومن واقع يموج بعشوائية التوتاليتارية “الشمولية” أصبح لدينا نموذجًا واحدًا للمثقفين

“مقدسو السلطة” أيا كان نوعها..

التقديس.. الملمح الرئيسي للعلاقة الكلاسيكية بين المثقف والسلطة السياسية..

من تعريف المسيري للقداسة باعتبارها (القيم ما قبل المعرفية) و بمفهوم المخالفة لهذا التعريف تفيد إلغاء القداسة أو التقديس عند توافر المعرفة.. وعلى اعتبار التقديس نزعة عاطفية وأن العاطفة هي التي تقدس بحسب تعبير سروش  فهذا مالا يستقيم مع المثقف الواجب عليه إتباع التعاطي الموضوعي والتخلي عن الانحيازات المسبقة.. وأخيرًا الانتصار للعقل والتفكير على حساب العاطفة.. وإلا فأي كم معرفي للمثقف بلا قيمة مالم ينتقل به من دائرة التجليل إلى دائرة التحليل..

ولكن نظرة المثقف هنا للسلط الأربع هي نظرة لا تخلو من تقديس.. باعتبارها مانحا للحقوق والامتيازات بصورة تفضيلية لا باعتبارها ملزمة بتقديم الخدمات وتأدية وظيفة منوطة بها..

ويفند زاقود طبيعة العلاقة بين المثقف وكل سلطة على حدة..

علاقة قائمة على الخوف من القمع والتحسب من أي ردة فعل تخالف السلطة السياسية, وموالاة بعض المثقفين لهذه السلطة خوفًا من البطش.. فلا مبادرة ولا تطوير من المثقف فيكفيه حالة الرضا بينه وبين السلطة السياسية.. يصف لنا المؤلف تلك العلاقة الفاترة المشتبه فيها دائما المفتقدة لمحددات تشكلها وتؤطرها.. بين الموالاة والمهادنة هذا هو حال المثقف العربي وخلاصة عرض شيق من زاقود..

ليتطرق بعدها للعلاقة بين المثقف وسلطة الأيديولوجيا, تلك التي إذا ما تحول المؤمن بها إلى متعصب لها, مضفيا عليها ثوب العصمة والقداسة وتحريف الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي و تشويهه لخدمة المجموعة المسيطرة أيديولوجيا.. فالتأدلج يتنافى مع التجرد, ويؤدي إلى الانحياز المسبق بما يحول المثقف إلى سياسي.. ويضرب دكتور زاقود عدة نماذج من واقعنا العربي كنموذج الماركسيين العرب وكيف أنهم معزلون عن واقعهم و محيطهم من خلال تبنيهم لأيديولوجيا فقدت قدرتها على التأقلم مع المتطلبات الحديثة.. ثم تحدث عن نموذج اليبرالية كنموذج رافض لأي سلطة سوى سلطة الإنسان وتقديس سوى له بعيدًا عن سلطة الله أو ظل لله على صعيد الدين والمذهب وفي دائرة الفكر والامتيازات والحقوق معنوية ومادية.. والرأسمالية تلك التي نشأت في المجتمع الأوروبي متمثلا في بريطانيا ويعرض لرأي جيمس فولتشر أستاذ علم الاجتماع في جامعة ليستر ومقارنته بين نماذج الرأسمالية في بريطانيا وأمريكا والسويد من حيث الصراع والتوافق.. و أخيرًا نموذج العلمانية والذي لا يعني حقيقة أكثر من فصل الدين عن السياسة.. وكيف أن اقترانه بالملاحدة هو أمر غاية في الخطأ وعدم الفهم في آلية التطبيق.. وتلك النماذج التي عرضها دكتور زاقود كإشارة لطبيعة كل تجربة ومدى مواءمتها من عدمه للعالم العربي..

وكما تحدث عن أيديولوجيات وافدة.. تطرق إلى أيديولوجيات نتاج مجتمعاتنا كتلك القائمة على أساس ديني.. أو ما يسمى بالقومية العربية والحلم الناصري.. ذاك الحلم المصري المحلي الذي تم تبنيه عربيا لا لشيء سوى أنه تبنى ثالوثا مقدسا يجمع بين الحرية والاشتراكية والوحدة..وما أصاب الناصرية من خمول وبلادة في انتظار البطل المخلص..   كما تفتقر إلى إطار نظري يُقدم برنامجا للعمل الوطني وكذا غياب الديمقراطية في أدبياتها.. وعدم قدرة المثقفين المؤمنين بها على إنشاء حزب يدافع عن تراثها..

يخلص دكتور زاقود في نهاية ملخصه عن علاقة المثقف بالأيديولوجيا  إلى أن النظريات المعالجة للمشاكل الاجتماعية ينبغي ألا يصب اهتمامها على منطوقها بقدر جغرافيتها.. فما يصلح لمكان يفسد في آخر..

علاقة أخرى تطرق إليها الدكتور زاقود وهي علاقة المثقف بالسلطة الدينية متمثلة في مؤسساتها الرسمية والتي نستطيع اعتبارها أحد أجهزة الدولة الأيديولوجية.. الدين الرسمي الذي تتبناه الدولة وتفرض به سيطرتها وهيمنتها.. ليتحول الدين إلى أداة لإقرار مشروعية السلطة وتبرير سياساتها وممارساتها.. إن إكساب الممارسات الحياتية طابعًا دينيا يضفي عليها المشروعية والقداسة ليجعل الدين في قلب الصراعات السياسية والاجتماعية, ويصبح سلاحا للسلطة السياسية في صراعاتها..

بقراءة انتقائية وبمعايير مزدوجة يتم التشديد على نصوص بعينها وتفريغها من مضمونها ومحتواها الحقيقي تطويعًا لها لخدمة السلطة السياسية والتأثير على وعي الجماهير.. لتستخدم النظم الحاكمة الدين بعد تأويله بما يتماشى مع خدمة مصالحها وحسب حاجاتها.. أي أدلجة الدين وإحالته من المطلق للنسبي.. وفي ظل هذه الصلة وهذه الأدلجة فإن علاقة المثقف بالسلطة الدينية تنقسم إلى شقين..أحدهما كون المثقف منتميا لتلك المؤسسة, وثانيهما كونه خارجها..

الأول يعيش في الماضي لكونه مواليا للمؤسسة الدينية, ويرى أنها تستمد مشروعيتها من السماء, وبالتالي لا مجال لمناقضتها أو نقدها…

أما الثاني وهو المناهض لها والخارج عن سيطرتها يكن بينه وبينها عداء صارخ ويرى أنها تحتكر النص الديني وتأوله بما يحقق إطاعة الجماهير فيلجأ لتفسير النص تفسيرًا مناقضا لتفسيرها واستغلاله ثوريا للتمرد على تلك السيطرة.. وضرب المؤلف مثالا لهذا بحديثه عن الخلافة وكيف يراها المثقف الموالي للسلطة الدينية والمناهض لها.. وهو مثال يستحق الكثير من التوقف والقراءة..

وأخيرًا علاقة المثقف والسلطة القبلية التي تقوم على رباط الدم الذي عسر فكه.. ونظرة استعلائية من منطلق أن للقبيلة ما ليس لغيرها وأن تميزها يجعلها خارج النطاق الرسمي للدولة وينطبق هذا على الطائفية والجهوية أيضا..

إن الولاء للقبيلة أو الطائفة أو الجهة يخلف نوعًا من التعصب والسيطرة على عقلية المثقف لصالح ما ينتمي إليه.. وليس هذا ببعيد عن السيطرة تبعا للأيديولوجية الدينية نفسها..

ويبقى المثقف أسيرًا لمنطق الأسلاف, وما تركوه من إرث ..  وعليه فإن المثقف القبلي لا يهتم بالمواطنة وليس هو و أقرانه ممن يمثلون طليعة الديمقراطية.. لا يلتزمون بقضايا الجماهير  يتعاملون مع القيم تعاملا أداتيًا ينادون بها لأنهم مبعدون عن السلطة,  وفور وصولهم للسلطة يتنكرون لكل ما دعوا إليه وادعوا الإيمان به..

الثأر السياسي, والغنيمة السياسية, وتفضيل الأقارب, و من ثم شخصنة السلطة وتوريثها  كلها تأثيرات القيم القبلية المنظمة لممارسة السلطة السياسية وعلاقات القوى السياسية المختلفة والعلاقة بين الدولة والمجتمع.

ولأن الثقافة القبلية تقوم على الإقصاء وثقافة العصبية القبلية  والغلبة, فكل هذه الملامح تقف كعوائق حقيقية أمام منظومة قيام المجتمع المدني الذي يقوم على التعددية والاعتراف بالآخر والحوار معه..

مظاهر كثيرة في مجتمعاتنا العربية تطرق زاقود إليها بما يقودنا في النهاية إلى استنتاج حقيقة أن التمدن الظاهر في مجتمعاتنا لا وجود له وليس أكثر من تمدن ظاهري قشري؛ بينما أن الثقافة القبلية المطمورة هي النمط الأبرز الذي يطفو على السطح في ظل الاختلال الأمني لتصبح ثقافة الصراع القبلي والعصبية القبلية هي المحدد الرئيس للسلوك السياسي في أقطارنا العربية. بين تزييف وعي العامة وممارسة النفوذ التخريبي على الحياة المجتمعية, والمشاركة في جريمة الجمود الذي ران على هذه المجتمعات..

وينتهي هذا الفصل بدعوى للمعرفة البديلة وثقافة المواطنة التي تحسن من ثقافة المعرفة بلا انحياز. فقط النقد والنقد المضاد.. وهذا هو دور المثقفين من النخبة التي لا تعاني من أمراض المثقفين

موضوع الفصل التالي.

الفصل الثالث

في أوهام المثقفين

في هذا الفصل يتحدث دكتور عبد السلام عن أوهام المثقفين, ويمهد لهذا بتحليل الثقافة من كونها شأن إنساني متحرك يتغير ويتبدل كما تتبدل أحوال الإنسان نفسه فيعتريها الجمود ويصيبها التدفق والسيلان, و يضربها التوتر  والقلق..  ويوضح أن الحديث عنها ما هو إلا حديث عن واقع معيش وأسلوب حياتي لا قيمة لها بدون أهلها..

نحن نعيش محنة ثقافة مزورة لذا وجب علينا النظر في أحوال المثقفين لأن إنتاجهم الفكري ليس حصيلة معارف وظروف فقط إنما ثمرة نظام سيكولوجي يحكم سلوكهم أفردا وجماعات..

إن نظرة متأنية أو (عجلى) على واقع الأمة وما جثم عليها من تسلط واستبداد وما ران عليها من جمود وتخلف ليمثل برهنة يقينية أن صنوف المثقفين هم من خذلوا الثقافة أو لم يكونوا بمستوى تحمل المسئولية..

بعرض زاقود لأوهام المثقفين فهو يقوم بتوطئة أرضية صالحة لطلائع المثقفين في المستقبل..  ويؤكد أن ما يعرضه ليس حصرًا أو إحصاء دقيقًا لكل أوهام وأمراض المثقفين.. بل هي إطلالة على جملة من هذه الأمراض و محاولة شرح ما تم رصده والإشارة إليه في هذا الكتاب.

سأقدم لكم نبذة سريعة مختصرة عن تلك الأوهام باختيار بعض منها والحديث عنها تفصيلاً والإشارة إلى البقية باختصار, لا يفوتني إلا أن أخبركم أن هذا الفصل تحديدًا من أكثر فصول الكتاب المحببة إليّ والموجعة أيضًا, لأنه مرآة تعكس صورة حقيقية للحال, و أتمنى لو قرأتموه كاملا  كما عرضه زاقود ..

* هوس المؤهلات

من اللافت للنظر أن حيازة عدد مهول من المؤهلات والشهادات أصبح معيارًا للحكم على الثقافة فالخبرة ترتبط بالمؤهلات العلمية التي يحملها الفرد, وكلما زاد عدد الشهادات كلما زاد رأس المال الثقافي.

أصبح العرف الشائع هو الكم لا الكيف.. عدد الخريجين لا نوعيتهم وجودتهم..

(الحقيقة أننا قبل خمسين عامًا كنا نعرف مرضًا واحدًا يمكن علاجه, هو الجهل والأمية, ولكننا اليوم أصبحنا نرى مرضًا جديدًا مستعصياً هو “التعالم”,…….. إلى ……. ظهور نموذجين من الأفراد في مجتمعنا, حامل المرقعات ذو الثياب البالية, وحامل اللافتات العلمية) مقتبس من مالك بن نبي في كتابه مشكلة الثقافة..

يقول زاقود.. لن تتاح لك فرصة للتعبير عن رأيك ما لم تكن متمترسًا خلف رزمة من المؤهلات ومتحصنا بعدد من الشهادات وإلا فلن يصغي إليك أحد, وقد لا يُسمح لك بالكلام من الأساس غير الطعن فيما تقول.. ومما أشار إليه زاقود أن الأزمة الذي يواجهها مثقفونا في الوطن العربي اليوم هي نفس الأزمة التي تعرض لها مثقفو الغرب بفترات سابقة, وضرب مثالا ذكره إدوارد سعيد عن تشومسكي وآراؤه بشأن الحرب الفيتنامية… تلك الآراء كانت أوسع نطاقًا وأكثر دقة مما كتب الخبراء من حاملي الشهادات..

فهو أي تشومسكي لم ينظر للأمر من منطلق السياسة الأمريكية المعلنة, والمبررات الأمريكية المسوقة لتدخلاتها في الشؤون الدولية  بل تناول الدوافع الحقيقية من سلوكها لأنه لم يكن بحاجة إلى وظيفة بالخارجية الأمريكية للعمل كمستشار مثلا.. ويخبرنا زاقود أن رجالات السلط والمثقفين الموالين للسلط هم غالبًا من يشترطون الشهادات كنوع من التمظهر الاستعلائي..

* الانهزامية (أو عقدة النقص)

انهزامية المثقف العربي أماتت فيه روح المبادرة وأعاقت مُكنة المغامرة بالأفكار الجديدة,  والاكتفاء بالانزواء في ركن للمحافظة على المكاسب المجنية والمتمثلة غالبًا في القيد في خانة إحدى السلط..

العيش في كنف السلطة مما ابتلاهم بهواجس الخوف وأصابتهم عقدة النقص حيال ما ينبغي إنكاره ونقده. كما أن الانهزامية تقترن بأمراض أخرى للمثقف كأنانيته ونرجسيته مما يحكم عليه بالنقص وربما ترمي به في دائرة التخاذل. المثقف لا يريد أن يتخذ موقفًا معينًا ولا الظهور بتلك الهيئة حتى لا يتحمل تبعات ذلك. كما أن من على شاكلته يقدمون الحلول في صورة التمسك بموروثاتهم القديمة دون النظر إلى الواقع والمستجد.. ويرفضون التطوير فكيف يخالفون السالفين  أو يجتهدون بآراء تخالف آراءهم.. وفي المقابل فإن المصابين بالنقص من المتقدمين أو الحداثيين يؤمنون إيمانًا كاملاً بكل ما قدم المثقفون بالغرب أو طرحوه من آراء..

*التيه والحيرة

كتب فرانسوا فوريه مقالا في مجلة نوفيل الفرنسية عن (تيه المثقفين الفرنسيين بعد الحرب العالمية الثانية).. وأضاف مالك بن نبي: (تيه المثقفين الجزائريين بعد الثورة)

بتلك المقدمة الاستهلالية.. أضاف عبد السلام زاقود:

(تيه المثقفين بعد أحداث الربيع العربي) ليحدثنا عن ضبابية المسار وغياب الرؤية عن زمر المثقفين..

تلك الأحداث كانت المحك لاختبار فاعلية النخبة وقدرتها على قيادة الجماهير, وكشفت عن حالة التيه التي سادت المشهد, بعد فقد المثقفين البوصلة وإصابتهم بالتخبط وضياع الاتجاه..

فليس كافيا أن نقول “طريق الألف ميل يبدأ بخطوة” .. قبل أن نحدد الاتجاه لذاك الميل ولتلك الخطوات. بين إنكار تاريخ المثقف ومسيرته التثقيفية لطمس صلاته بالسلط العربية مما أفقده أرضية صلبة للوقوف عليها.. بالإضافة إلى الانغماس الكامل في أي من المواقف التي تبناها مع أو ضد الثورات وغاب التوازن عن المشهد. بل تصدره المثقفين التائهين ببضاعتهم المزجاة والشحن العاطفي والانحياز المسبق.  ويكمن الحل في ضرورة المثقف أن يحوز ذاكرة صلبة, وبديهة سريعة وكم معرفي يؤهله لحسن قراءة الواقع.. وإنتاج العلاجات له..

*النرجسية

حب الذات المرضي, أو إفاضة الثقة بالنفس عن الحدود الطبيعية.. فيصبح الإيمان المطلق بالذات والشرنقة حول عقائدها.. والنرجسية تعزل المثقف بما يتمظهر به ويتعالى من ثقافته التي تعزله عن المجتمع وتلهيه عن إصلاحه, لأنه لا يثق بقدرته أو كفاءته المعرفية بل يصدق كل ما يقود إليه فكره وهواه ولا يرغب في غيره.. مما شكل بصورة متعمدة فئات برجوازية ثقافية قائمة على وهم السمو الثقافي رغم عدم قدرتهم على تمييز الطبيعة الحقيقية لممارستهم, التي تتسم بإخضاعهم الثقافي للفئات الأخرى على اعتبار مكانتهم المرتفعة دونًا عن غيرهم.. ويتطرق بنا زاقود إلى شرح تفصيلي لتلك الحالة حتى نصل لوصف أعراض تلك النرجسية, المثقف الذي يمدح ذاته وأفكارها ويثني عليها في حضرة الآخرين ويذكر بها دائمًا.. والانتباه الزائد إلى ما يدور حوله وما يُكتب عنه.. إن بعض هؤلاء المثقفين النرجسيين يعمد إلى حث الناس للنشر عنه ليس للتعريف برأيه بل لمجرد الرغبة في الانتشاء باسمه الذائع الصيت.. ناهيكم عن إبداء الترفع والعجرفة في العلاقة مع المثقفين الآخرين والتعامل معهم بالإنكار والتجاهل, واحتقار ما يصدرون من آراء.. نستطيع أن نطلق على النرجسية “عبادة الذات” وهي التي انتقلت بالمثقف العربي من المرونة إلى الدوجمائية, وأماتت فيه النقد والحوار لتحيي التصلب العقلي ليتحول إلى انتهازي لا يرض إلا بإشباع نزواته المتشوقة لذات متضخمة مريضة بالدوجمائية..

*الانتهازية

لم أملك سوى الابتسام بمرارة وأنا أقرأ ما تلا ذاك العنوان خاصة بعد الحديث عن النرجسية.. 

حيث يقول زاقود أنه من المؤسف أن كثيرًا من المثقفين العرب جعلوا من الوسط الثقافي ساحت للّعب بعد أن استقر في أذهانهم أنهم في سباق محموم وأن الراكبين هم الذين يسبقون أما الراجلين فيتخلفون دائمًا عن اللحاق بسابقيهم..

انتقل المثقف من ساحة الجد والاجتهاد لإنتاج المعرفة وحسن توظيفها إلى التواصل مع السلط المختلفة و تقلد المناصب وحصد الجوائز داخل مجتمعه والمجتمعات العربية.. تلك الانتهازية أوجدت حالة من التذبذب في وجود رؤى فكرية ونسق متكامل..  وهذا ما خلق أزمة معيارية حادة لتغيير القوالب الذهنية لصورة المثقف الفكرية , فضلا عن إماتتها للروح الثورية بأعماقه.. بعد أن سلبته الجرأة والصراحة في تبني مواقف موضوعية خشية الارتطام بأهواء السلط والحرمان من عطاياها..

وبتتبع النتائج لهذا المرض بين المثقفين نجد أن علينا الاعتراف بعدمية وجود مثقفين مستقلين.. فلا تمثيل حقيقي لأي توجه فكري .. فلا يساري صادق, ولا إسلامي لا يمد يده لأنظمة يراها مغتصبة لأيديولوجيته, ولا قومي لا يقولب تلك القومية وفق مصالحه الشخصية..

فالمسيرة الثقافية في بلادنا تحركها البواعث المادية, ويحكمها مثقفون انتهازيون..

لدينا المثقفون الرحل.. تلك الفئة التي تغير قناعاتها كما تغير قمصانها.. ومستعدة لتأجير ألسنتها وأقلامها.. فكيف تصدق الجماهير المثقف الذي يدعو للثورة على نظام رئاسي وهو متربع في أحضان نظام وراثي؟! كيف تصدق الجماهير المتحولون؟؟ وبهذا أكتفي ولننتقل للنقطة التالية..

*الدوجمائية

تعتبر خللاً سيكولوجيا, أصاب الكثير من نفوس المثقفين العرب.. هي حلة من التصلب العقلي والاستماتة والوقوف لدى فكرة معينة وعدم الحيد عنها مهما عُرض من معطيات موضوعية..يظل المثقف بها خارج دائرة المستجدات, يعاني من الانطوائية الفكرية والحديث عن مع الذات..

إن نهوضها من فكرة امتلاك المثقف للحقيقة وأنه أعلم بطبائع الأشياء بالطبيعة وطبائع العمران بالخليقة, لهو وهم يؤدي إلى انغلاق وانكفاء المثقف على ذاته..

فهي بالنهاية ما تؤدي لمعتنقها بحمل السلاح بالنهاية دفاعًا عن أفكاره هو , غير تأثيمه وتسفيهه وتخوينه للآخرين من هذا المنطلق..

الدوجمائي في النهاية تصبح إنسانيته على المحك, لأنه لا يقبل الآخر,ولا يحتمله, ويرى في الآخرين النقص وأنهم أدنى درجة منه ويشك في قدرتهم ولياقتهم في التوصل للحق..

إن المثقف الذي يرفض تحديث قناعاته رافضا تخطي عتباتها سيكون محروما من نمو المعرفة واتساعها بالتلاقح وتبادل الأفكار.. ويبقى الجمود والتخلف ملازمان لواقعنا الحضاري, كما نرى أثرها من الفرقة والتمزق .. مادام كل متشبثًا برأيه, رافضًا ما سواه متعصبًا لفكرته..

* الشخصنة

التعاطي مع المعرفة على أساس الشخصنة الذاتية, وليس على أساس موضوعي هو ما يضاف إلى ما سبق من أوهام وأمراض المثقفين التي ذكرناها..

علينا أن نفرق بين إذابة الشخص الكلية في الموضوع الذي يتناوله, لأنه مستحيل فصله عنه كونه جانبًا من الجوانب.. فذاتية المثقف لا تعني تحوله من شخصية لها كينونتها إلى نسخة كربونية مشوهة ليصبح مثقفا مرتزقاً أو مفكرًا مأجورا أو محاربا بلا قضية..

فإضافة النسبية في الفكر تجعله أمرًا لا مطعونًا في أن يكون استقلال المثقف عن إنتاجه الثقافي نسبويا .. حيث يعبر المثقفون عن شيء ما فيهم داخل أقوالهم وأفعالهم.. شريطة ألا يؤدي هذا للانحياز المسبق الذي يؤدي بالنتيجة لمغالطة منهجية, تجعل من تعاطي المثقف للمعرفة على أساس شخصاني.

ويظهر هذا في ملمحين..

إما أن يتعالى المثقف بإنتاجه فيرى في أفكاره ورؤاه مطلقيات لا يوجد بها ذرة من القصور أو النقص..

وبالتالي قد يكون منطقيا له استخدام آلية العنف في الدفاع عن ما يؤمن به..

وإما أن يتحول لباحث عن مصدر الأفكار ولا يتعامل معها من منطلق كينونتها بل من منطلق من قائلها ومصدرها, وبالتالي فقبوله لها ليس على أساس منطقيتها وما يدعمها أو يعضدها..

إن شخصنة الأفكار و رفعها من حقل المعرفة إلى حقل الأشخاص جعل الكثير من المثقفين العرب يرزحون تحت تأثير العواطف إلى التقديس والتصرف على أساس عاطفي, لا عقلاني و من هنا جاءت الديماجوجية.. قبل أن أتطرق للنقاط الباقية علّي التوقف هنا قليلا.. لالتقاط الأنفاس..

وللإشارة إلى أنه مما لفت انتباهي هذا الترتيب المتتابع المنطقي لأمراض (أوهام) المثقفين واحدًا تلو الآخر سرديا, وسببيا.. بحيث باتت جميعها وكأنها وحدة تترتب بنودها بعضها فوق بعض..

وهذه من النقاط الممتعة التي لفتت نظري أثناء قراءتي لهذا الفصل..

بالسطور التالية سأعرض عليكم سريعًا.. بنبذات أقل اختصارًا بقية الأوهام.. ليس لأفضلية السبع الأولى عن الثماني التالية,  إنما لأن من يقرأ ما سبق من أوهام, سيجد أن التالي يبدو كما لو كان نتيجة منطقية لها.. هذه رؤيتي التي أتمنى أن تكن صحيحة الاستنتاج..

*  الديماجوجية

ديماجوجية الخطاب, وانحيازه عاطفيا لأن المثقف أصبح عاطفيا حماسيا سريع الانفعال  يفرط في استخدام أدوات التفضيل والتشدق بالأوصاف, والمبالغة في التهوين أو التهويل والتسرع في إصدار الأحكام الجزافية متأثرًا برغبات الجمهور وتموجات السياسة. بين المراوحة والميوعة و كبر حجم التوقعات.. فلا خطاب عقلاني موضوعي, مادام المثقف ممارسًا للتبرير, وهذا هو الوهم التالي..

*  التبرير

تملق السلطة والسعي وراء المناصب الرسمية, والمكاسب المادية, وانتهازية, ووصولية, ونفاق, وازدواج بين الخطاب العام العلني الكاذب, والخطاب الخاص الصادق.. وهذا من تعريف  الدكتور حسن حنفي في أحد مقالاته, إضافة إلى رأي زاقود بأنه: المساهمة في إضفاء المشروعية على الممارسات والسلوكيات المفتقرة إليها.. فأصبح دور المثقف بدلا من التنوير والإبداع والنقد, هو ممارسة التبرير والتسويغ والشرعنة.. بما أبطل فاعلية المثقف وجعله مثقفًا سلطانيا يسير في فلك السلطة الأكثر تأثيرًا.

المثقف التبريري.. هو لسان حال السلطة السياسية.. والناطق بلسانها.. والمحامي عنها.. وهو شيخ القبيلة.. ورجل الدين.. المؤمن بالأيديولوجيا حد اليقين.. وهو مانح التقديس .. المطيع طاعة مطلقة..

* استبداد المثقفين

كون المثقفين العرب لا يشكلون طبقة بعينها , بل شريحة عامة مختلفة المآرب والمشارب..  يعجز الكثيرون منهم عن التحرر من الانحياز, وقبول الآخر..  ولكنهم متفقون على ممارسة الاستبداد باستخدام مفردات التعالي والاستكبار والعدوان الفكري.. فالمثقف المستبد لا يؤمن بنسبيته, ولا نسبية ما يحوز من علوم معارف يرى ذاته كما الحاكم المستبد على رأس هرم المجتمع. ممثلا لمركز القدرة والمطلقية والأفضلية, ممارسًا للتحايل والتلاعب والمتاجرة بالقيم ولو على حساب المجتمع المفترض بهم تمثيله والدفاع عنه..

* الإقصاء

أينما ذُكِر الإقصاء.. ذُكِر الآخر ..

كون الإنسان متمركزًا في منظومة دينية أو عرقية أو أيديولوجية أو رآئية.. يعني أنه غير مطابق وغير مشابه., و لكن علينا أن ننظر إليه مجردًا في صورة إنسانية فلا معنى لهذا التعبير (الآخر) بوضعنا جميعا في خانة الشريك  بمركز واحد ممن حيث التعاملات الإنسانية مع عدم إلغاء الفروقات التنافسية كالكفاءة والمقدرة.. لكن واقع الحال .. إقصاء الآخر وفق المفهوم التقليدي المغلوط للدين..  إقصاء المعارضة السياسية.. مما أدى بطبيعة الحال لإقصاء المثقفين الآخرين عن ميدان الجوائز العلمية, وفق الانتماء السياسي أو التوجه الفكري.. لتتحول المؤسسات العلمية إلى لوبيات إقصائية..

* الانتقائية (ازدواجية المعايير)

الكيل بمكيالين أو مجموعة من المكاييل لوزن وقياس الوقف نفسه والقضية نفسها.. فلا معايير موضوعية ولا سلطة عاقلة.. كون المثقف يقوم بتقديم قراءتين متناقضتين لحدث واحد ولكنه وقع بمكانين مختلفين.. فيعظمه بمكان ويسفهه في آخر أو كما يقول إدوارد سعيد:

(من أبشع الحيل الفكرية أن يتكلم المثقف كلام العليم بكل شيء عن المثالب في مجتمع آخر, ثم يلتمس لها العذر حين تقع في مجتمعه هو). هذا المثقف ليس إلا مداهنًا أو دجالا يرتدي أقنعة مزيفة, بضاعته رخيصة ومتاعه بخس. فمعيار المثقف هو الصدق المفضي للاعتراف بكلية القيم وعموميتها.

* فوبيا المؤامرة

وهي من الأفكار شبه المهيمنة على التفكير العربي, تسحبها من ثوابت الوعي في سائر تجلياته الأيديولوجية..

إنها تجعل من استقامة الأنا وسيرها في الطريق القويم أمرا صحيحًا وقائما ولولا المؤامرات لمضت عجلة التطور في طريقها  المنشود.. وهكذا فلا خلل ولا قصور لدينا.. 

* النوستاليجا

الحنين أو التوق للماضي واستعادة وضع يتعذر استعادته.. وهي نتاج لعدم قدرة الذات على التكيف مع المستجدات والمتغيرات,  وعدم القدرة على الاندماج الاجتماعي , وبالتالي خيبة الأمل في تحقق التوقعات.. واغتراب الذات إلى حد كبير.. وبالقياس فإن وعي مثقفينا وعي لا تاريخي.. غاب عنه الأخذ بسياق الأفكار وظروفها ونسبيتها..

*المظلومية (الاستعطاف)

يأبى المثقف العربي بالنهاية إلا أن يكون منافسًا شرسا في القيام بدور الضحية, والظهور بمظهر المظلوم, ويسعى لاحتكار هذا الدور والتمظهر به.. ويتحول تدريجيا إلى البؤس والانعزال والنفور من الواقع الاجتماعي.. بين ادعاء لامتلاك الحقيقة الكاملة, وامتلاك مفاتيح التاريخ, و مفاتيح الجنة..

ويصبح المثقف كائنًا يختلط فيه شعور التفوق, والتعالي بشعور الصغار والضعة وتختلط فيه الملحمة بالبكائية على نحو لا يتقنه سواه..

الفصل الرابع

المثقفون والانتفاضات العربية

إذا كان الفصل السابق هو فصلي المفضل والأكثر رهقًا.. فإن هذا الفصل بالنسبة لي.. كان بمثابة إطلالة لتفسيرات على واقع عاصرناه جميعًا وعشناه بكافة تفاصيله..

في هذا الفصل يلفت دكتور عبد السلام نظرنا إلى أن حقيقة حدوث الانتفاضات العربية  والمسماة بالربيع العربي كانت أشبه بتسونامي جارف وظرفية ملائمة لإعادة طرح سؤال المثقف, وتجديد إيمانه بقضيته.., و اعترافه بأخطائه ومحاولة تصحيحها وقطع ما ألم به من أوهام..

كيف تعاطى المثقفين هذا الأمر وكيف هي نظرتهم إليه؟!

إن الانتفاضات العربية المتوالية تعتبر أخطر الأحداث التي شهدتها المنطقة بعد النكبة العربية خاصة أنها ليست أزمات ذات طابع خارجي, فهي قد شكلت في مجموعها تحولاً هائلًا فاق ما اعتبره هؤلاء المثقفين من مجريات تقع تحت نظرهم.. مما جعلهم في منعطف تاريخي خطير..

من منظور سوسيولوجي لدراسة الموقف وتحديد فاعلية العوامل التي أدت لهذا الموقف. .نجد أنفسنا أمام ثالوث الأسئلة ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ ولماذا حدث؟؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة, تقودنا إلى الاجابة عن أهمية الانتفاضات العربية وعن كونها شأنًا عربيا صرفا أم قضية دولية؟؟  الإجابة عن تلك الأسئلة هي  الآلية الأكثر مساعدة لنا في الكشف عن موقف المثقفين العرب من الانتفاضات.. الذي يكشف عن نفوذ جماعة المفترض أنها نخبوية  في المجتمع..

يقول هاشم صالح في كتابه  الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ..

(إن الحدث التاريخي هو الذي ينتقل بالناس من وضع سابق إلى وضع لاحق؛ من وضع سيء إلى وضع أفضل, وأنه يفصل ما كان عما سيكون)

ولكن للدكتور زاقود رأي مغاير فهو يرى أن الانتفاضات العربية هي حدث تاريخي ولاشك, لأن لها تأثيرًا واضح ومباشر في الإنسانية بغض النظر عن سلبية التأثر أو إيجابيته.. كونها ساهمت في تغيير الوضع إلى أفضل أو أسوأ.. وأن فصل الحدث التاريخي بين ما كان وما سيكون فيه مغالطة تاريخية وإلغاء لحقيقة التدرج والتراكم في التطور الإنساني..

بعد اعتبار الانتفاضات حدثًا تاريخيًا علينا القيام بتكييف هذا الحدث وضبطه مصطلحيا!!

هل هو ثورة عربية؟ أم مؤامرة دولية؟؟ هل هو ربيع عربي أم رجما بالغيب؟؟

ماهي الثورة؟! وما هو مفهومها؟!

بالأخذ بمفهومها اللغوي الذي يحيلها لسجال انفعالي مرتبط بالقوى الغضبية.. ومقاربته في مجال الدولة.. لتصبح له دلالة التغير والتحول في الزمان والحقل السياسيين..

يقترن بالثورة تحولان كبيران.. أحدهما تاريخي والآخر وجودي..

هي شكل من أشكال تغيير العالم.. بانبثاقها المفاجئ فهي الحدث الذي يكون سببا في التغيير..

تؤتي الثورة ثمارها عندما يستعيد الشعب حقوقه السياسية ويمارسها على نحو ديمقراطي حينما يحتل الفضاء العمومي  .. هي ذلك البركان الغضبي الذي يغير مجرى التاريخ ليستعيد دوره في ممارسة السياسة و تتغير الكينونة عندما تتغير علاقة رجال السياسة بالحكم, فلا يخضع لهم الشعب, بل يصبح هو الباعث على الخشية في النفوس..

متى تأتي الثورة؟  عندما تتفاقم الحالة المجتمعية لشعب ويتجاوز مرحلة التحمل.. لتصبح نتيجة حتمية تتويجا لنضال الشعوب ونتيجة مرضية لهذا النضال..

ولكننا لا نملك وسائل تمكننا من وضع اطّراد الثورة تحت رقابة دقيقة , فهي لا تخضع لعلم معياري بما يمكننا من ملاحظتها و إدراك الأخطاء  ومعالجتها بعد وقوعها.. وتجربة الثورة الفرنسية كما حللها كارل ماركس هي خير مثال على هذا التغيير والمعالجة لما كان من الثورة الأولى في مرحلة لاحقة..

إن البحث عن أركان الثورة لاتخاذها معيارًا فارزًا للحدث الثوري, وذلك لإبعاد التوظيف واستغلال الأحداث المختلفة سياسيًا وطبعها بطابع الثورة وإقناع الجماهير بها..

نستطيع استنباط ثلاثة أركان للثورة من خلال استقراء تاريخ الثورات..

  • شعبيتها.. اشتراك طوائف الشعب فيها بصورة عامة وأن يكون لها قاعدة عريضة أفقيًا.

  • إنسانيتها.. أن تكون نزعتها الإنسانية طاغية للحد الذي يسمح لها بمواجهة التوحش أو السلوك اللاإنساني للجماهير الثائرة.

  • تقدميتها بمعنى انطلاقها نحو مستقبل جديد..

بعد تلك التوطئة, لتكييف واقعة الانتفاضات العربية من منطلق فهمنا لآليات الثورات معرفيا..

يحلل زاقود ما كان من أمر تلك الانتفاضات..

فيقول: أنها كحدث لم تكن ثورات متوافرة الأركان والشروط, بل هي أقرب إلى انتفاضات مع توافر مسوغات الاطّراد الثوري.. وهي حدث تلقائي ورد فعل فوري, بينما الثورات عمل مدروس وممنهج ورد فعل يتسم بالبطء مقارنة بالانتفاضة.. الأخيرة تنتج من الظلم.. والثورة لا تنتج منه, بل هي نتاج الوعي واستحقاق أصيل لنضالات الشعوب الواعية للظلم, والمدركة لخطورته..

يقول جورج ريفيل في سياق شروطه الخمسة لقيام الحدث الثوري..

إن الثورة لا تقوم من الارتجال. بل أن الروح الثورية الحقيقية تسير وفق خطة جاهزة مكتشفة تنتهج طريق الاكتشاف المحضر , ويكون التطبيق دقيقا على الدوام وعلى درجة عالية من الكفاءة الفنية وليس تقريبيًا..

بينما الربيع العربي كان مفتقرًا للتخطيط مرتجلا, مفتقرًا للرؤية الثورية, وظهرت قوى متصادمة متخبطة..

وفقا لتعريف عبد الكريم سروش في كتابه “السياسة والتدين” .. فإن ثوراتنا كانت انتفاضة ضد الاستبداد والديكتاتورية, لم تكن بهدف تغيير النظام المعيشي والسياسي والفكري بكل جوانبه وإحلال آخر مكانه, لم يكن لدينا أطروحة لبناء عالم جديد وطرح مفاهيم ومقولات جديدة تنسجم مع التطور المعرفي للإنسان وتناسبه..

إن إعمال منهاج الترصد والمشاهدة والركون للسوسيولوجيا للخروج برأي موضوعي ومحددات منطقية تكشف هوية الحدث.. وكيفية حدوثه..

بتفكيك آلية حدوث منظومة الانتفاضات العربية المتوالية نجيب على التساؤل كيف حدثت؟؟ فالنظر إليها كونها حدثًا عربيًا صرفًا وإبعادها عن الوضع الانتقالي للنظام الدولي بأكمله ليس صحيحا.. لأن التشكل العالمي الراهن في طور التكوين, وهو خليط من ماضٍ لم ينجز, وآت لم ير بعد خط سيره بوضوح..  إن كثير من العوامل من السيولة الدولية في العالم, ومضاعفات انتكاسات التجارب التحديثية التي أخذت بها دول العالم الثالث, وتفاقم الأزمات المالية العالمية.. كلها تشكل إرهاصات ميلاد عصر الأزمات الذي تنبأ به تونيبي منذ بداية القرن العشرين..

فلا يمكن الحديث عن الدولة بمعزل عن محيطها الدولي.. فحدث كالانتفاضات العربية لا يحدث إلا من خلال تفاعل دراماتيكي  يمتزج فيه الوطني بالدولي والمحلي بالخارجي..

وعليه فإن نظرة المثقف للحدث يجب أن تكون من زاويتين اثنتين..

فليست هي تلك النابعة من الإرادة الحرة للمجاميع العربية المتعطشة للقيم النبيلة والمتطلعة لغد أفضل الرافضة لمأسوية الواقع العربي بمعزل عن العناصر الخارجية التي ساهمت في حدوثها أو تزاحمت لتوجيهها.. مع مراعاة صعوبة عقد تلك الموازنة لتشخيص الواقع من قبل المثقفين العرب..

يضع دكتور زاقود تصورًا مكونا من أربعة احتمالات أو سيناريوهات بشأن حدوث الانتفاضات العربية..  و كذا وجهة نظره ولكم حرية الاختلاف..

* الانتفاضات العربية شأن عربي صرف نتائجه تصب للمصلحة العربية..

وهذا يؤكد الاعتقاد السائد لدى الكثير من المثقفين العرب وكذا السواد الأعظم من الشعوب العربية أن ما شهدته المنطقة من انتفاضات متوالية هي ثورات شعبية عارمة, انطلقت على أثرها الجماهير “بتلقائية” لتعبر عن مطالبها فانتهى الأمر بالضغط على الأنظمة العربية وإسقاط الأنظمة التوتاليتارية المثار ضدها.. وأن إسقاطها أمرًا ضروريا وحتميا ونتاج طبيعي لكل ثورة..

وأن الانحرافات المرصودة هي ظواهر صحية لأن السير نحو الديمقراطية والتقدم له ضريبة لابد أن تدفع لتحقيقه.

* الانتفاضات العربية مؤامرة دولية من قبل القوى الكبرى وهي المستفيد الحصري منها..

وهذا ماذهب إليه جانب من المثقفين العرب كون تزامن الانتفاضات لا يمكن أن يكون صدفة..

وعرض زاقود رأي ميزري حداد في كتابه عن الثورة التونسية, والذي يرى فيه أن الانتفاضات التي قُدمت لنا على أساس أنها عفوية ليست للحد الذي يصورونه..

كما عرض راي جون آر برادلي الكاتب والمراسل الصحفي البريطاني إلى أن أغلب المحللين السياسيين يرون أن تلك الانتفاضات لم  تكن لأجل الحرية والديمقراطية طالما أن المؤمنين بها لم يحكموا تلك الدول بنهاية الأمر.. و أن نتائجها ستكون التقسيم والتآكل بما يخدم مصلحة القوى الكبرى..

* الانتفاضات العربية مؤامرة دولية في بدايتها غير أن الدول العربية قطفت ثمارها..

والمغالطة المنطقية في هذا السيناريو تقوم على اعتبار أن تزامن تلك الانتفاضات وانتقال حمى الحراك أو (التحريك/ التثوير الشعبي)  وفق هذا السيناريو بطريقة محكمة برهان على أنها تخطيط للقوى الكبرى, وكن نتائجها لم تتوافق مع حلقات التآمر والسلسلة الاستعمارية, بل استفادت منها الشعوب العربية حيث زالت هالة تقديس السلط و ذاقت الشعوب حريتها..

* الانتفاضات العربية نتيجة منطقية للراهن العربي, اختطفت من قبل القوى المتربصة..

بالنظر إلى دوافع ومسوغات قيام تلك الانتفاضات في ظل مثلث الفهم ماذا, كيف, لماذا؟؟ فإن ما ركن إليه فئة من المثقفين العرب, كون الانتفاضات نتاج طبيعي لما آل إليه الوضع الراهن, ولكن القوى التي استشعرت خطورة تلك الانتفاضات, تحركت لتوظيفها واستغلالها..

بعد عرض تلك السيناريوهات.. يقوم زاقود بطرح إجابة متكاملة عن ثالوث الأسئلة.. بطريقة سوسيولوجية فيقول أننا لفهم تلك الانتفاضات علينا ببحث الحالة المجتمعية قبلها (الحدث).. و آلية (الحدوث) .. ثم بحث (النتيجة)..

لماذا حدثت الانتفاضات العربية.. الراصد والمتتبع يلحظ دون مكابدة عناء البحث..

أن الاستحقاق الوطني وضرورة تحريك ما سكن وإحداث تغيير جذري شامل هي أسباب جوهرية لقيام الثورات العربية.. حسبنا مجرد النظر نظرة سطحية للوصول لتلك القناعة..

وسأتطرق لملخص  تحليل الدكتور عبد السلام بعبارات موجزة متتالية..

سياسيا… لعبة سياسية محكومة بالديكتاتوريات المستدامة, والاستبداد المفرط, وهيمنة القبضة الأمنية, دول بوليسية, أجهزة قمعية… سياسة تكميم الأفواه, احتكار السلطة للفرد أو العائلة أو القبيلة أو الطائفة وعمليات توريث تمت بالفعل أو كادت أن تتم..

غياب تام للديمقراطية,  إجماع مستمر بشأن بقاء الحاكم المعصوم من الإقالة أو العزل أو المحاسبة

الاستبداد الديني كرديف جاهز ومدعم لأي استبداد سياسي من خلال احتكار رؤية دينية معينة من خلال رجال الدين لثبات كرسي الحاكم, واحتفاظه بقدسية البقاء..

اقتصاديا.. كم المعاناة و المشاكل الاقتصادية, والبطالة وتدني مستوى الدخول و الفقر, وارتفاع أسعار الحاجات الأساسية؛ بالتزامن مع ضعف البرامجيات الاقتصادية, وتباطؤ معدلات النمو الاقتصادي وغياب التشغيل, وتدني جودة الخدمات الممنوحة للمواطن..

اجتماعياً.. تفشي البؤس واليأس ظاهريا مع انتشار ظاهرة التهميش.. سيادة القبيلة على المشهد والاستحواذ على النفوذ المجتمعي, واستئثار الموالي للأنظمة السياسية بكل الامتيازات على حساب غيره, واستغلال بعض تلك الأنظمة لتوظيف تلك العوامل القبلية والعشائرية والاثنوغرافية لتقيم أركان نظامها..

فكريا وثقافيا..  معاناة مجتمعاتنا العربية من التخلف فكريًا,  فالتعليم الجامعي متدهور, والبحث الأكاديمي نظريا وعلميا لا يحتل سوى نسبة بسيطة من مجمل الإنفاق العام.. لا أثر للأبحاث التطبيقية حياتيا.. والأبحاث النظرية إما غير فعالة أو مُحَاربة من قبل الأنظمة, و المؤتمرات العلمية ديكورات للزينة.. ولا يزال قطاع التعليم و جودته و وسائله ومخرجاته كلها تجدف ضد تيار الحداثوية, وما يتم بشأن نمذجة التعليم, أو تطبيق معايير الجودة العالمية لا تعدو عن كونها كجرد فبركة ثقافية, وترميمات لأساس متهالك..  لتمويه الواقع الموضوعي..

فترشيد ديموغرافية المجتمعات العربية يرتبط برهان التعليم والتكوين المهني..

فواقعنا العربي سياسيا واجتماعيا ودينيا على وجه الخصوص أفرغ التعليم من محتواه وأبعد عنه مظاهر الحضارية.. والحفاظ على الكم وإهمال الكيف.. بين تلقين وحفظ.. موروثات تلقن وتنتقل آليا من جيل لآخر, دون الحق في المناقشة أو استخدام العقل.. فأصبح رصيدنا هو أفكار السلف مقولبة وجاهزة على هيئة مسلمات بديهية غير قابلة للطعن..

بالإضافة إلى قمع الحرية الفكرية وإحاطتها بهالة من الخطوط الحمراء القاتمة..

وتكون الثقافة التي تقع تحت سيطرة وزارة لغرض وحيد .. أن يكون التثقيف في اتجاه واحد وليمنع كل من تُسول له نفسه الحيد عن هذا الاتجاه..

إن المجتمعات العربية قبل الانتفاضات ممثلة في أنظمتها السياسية التي لم يكن لها هدف عام أو توجه محدد, جعلت مجتمعاتنا تعيش في حالة من البدائية.. مما قدم مسوغات شتى أوقدت النار تحت المرجل في ظل معاداة الانفتاح الثقافي وإرغام المواطن على أن يحيا انحسارًا ثقافيا وجفافا فكريا, وجود مجتمع لا تتوافر لديه سياسات برامجية وآليا لتحقيقها, يجعل من وجود هذا المجتمع ظرفيا عبئًا وعبثًا إن لم ينتهي هذا المجتمع بالفعل.. ولا نعني بهذا الزوال .. بل فقدان الروح الدافعة للعيش.. وتلك هي حال مجتمعاتنا..

يعرض زاقود وجهة نظره الخاصة ويحدد أي السيناريوهات الأربعة السابق طرحها يختار!!

وبالمناسبة اتفق معه في اختياره , فهي نفس وجهة نظري لتفسير حقيقة ماحدث..

السيناريو الرابع والأخير..

الانتفاضات العربية جاءت نتيجة منطقية للراهن العربي, ولكنها اختطفت من قِبِل القوى المتربصة أو المنافسة.. البيئة كانت محفزة وجاهزة, ولا يلغي توافر استحقاقاتها وقيام دوافعها مهما كانت مصداقية وموثوقية المزاعم بالتخطيط الممنهج السابق على اعتبار كونها مؤامرة..

وهذا مايتفق فيه زاقود مع هاشم صالح في سؤاله الجدلي الذي أثاره موجَهًا إلى حداد, وهيكل وكل المؤمنين بنظرية المؤامرة..

” هل يمكن للمؤامرة أن تنجح لولا أن هناك مساعدة على نجاحها؟؟”

إن المفكر التونسي حداد لا ينكر بموضوعية على الرغم من توكيده لنظرية المؤامرة, لا ينكر مشروعية الانتفاضات الثورية العربية..

الحكم الاستبدادي المخابراتي للحزب الواحد/ أو العائلة الواحدة/ الفساد/ الرشوة/ المحسوبية/ البطالة.. كلها عوامل تشكل موضوعية انفجار العربي..

وكما يقول هاشم صالح ” إن أمريكا على الرغم من جبروتها لا تصنع الأشياء من عدم؛ بمؤامرة أو بدون مؤامرة كان الوضع ينتظر شرارة فقط لكي ينفجر”

أعتقد كما يرى عبد السلام زاقود.. أن هذا هو التحليل المنطقي  الذي نتفق معه بشأن تمازج الوطني بالدولي والمحلي بالخارجي لتفسير آلية حدوث الانتفاضات العربية..

إن بحث تعاطي المثقفين العرب مع الانتفاضات العربية و آثارها  يقودنا إلى:

“أيهما يأتي أولاً: التنوير أم التثوير؟!!”

يشير زاقود إلى حوار المشرق والمغرب بين حنفي و الجابري

من حيث سؤال حنفي لتقييم وتقويم الواقع العربي, هل يمكن التثوير قبل التنوير أم العكس هو الصحيح؟!

أصر حسن حنفي على ضرورة العمل في اتجاه التنوير وإيقاظ جذوة الوعي بمجتمعاتنا  قبل الدعوة لتثوير تلك الشعوب..

بينما كان من رأي الجابري البدء بهما معًا فهما متكاملان وغير متناقصين..

ويرى زاقود أن الجابري لو حضر الانتفاضات العربية وما تزامن معها من انتكاس كل مجهودات التنوير بالحقب الماضية لعلم أن التنوير لم يكن على أساس سليم ولكان غيّر رأيه واتفق مع حنفي في رأيه الأكثر إحاطة وإدراكا بواقع المجتمع العربي وذهنية المواطنه العربي,,

المواطن الحر كما يراه الجابري هو المعيار بالفعل .. لكنه لن يكون حرًا مالم يكن متسلحًا بالوعي والمعرفة.

إن حركات التغيير في الغرب سبقها وصاحبها توعية فكرية من قبل المفكرين.. حتى لو لم تكن تلك الحركات من قبلهم فالاسترشاد بهم ضرورة حتمية واسترشادية للمزيد من التوعية وتصفية الرؤية واكتساب المعرفة وتطبيقها..

إن التنوير الذي يسبق التثوير ويتفوق عليه هو معيار نجاح الثورة, وإلا فإنها ليست إلا انتفاضة أو هَبّة من الهَبّات لربما يسفر عنها ما لا يحمد عقباه..

إن عدم مناقشتنا لما يمكن أن يلابس الاطراد الثوري ويتزامن مع الثورة وما يعتريها من انحرافات ثورية وأخطاء.. وكلها مسائل ببند التنوير .. إن عدم مناقشة ما يدور حول مسائل التنوير كأن كل شيء على ما يرام, في غياب التنوير فإن ما ستؤول إليه الأحداث في أي بلد إسلامي قامت به ثورة,

“إنها قد تجد نفسها بعد الثورة في الوضع السابق على الثورة, بل ربما أكثر خطورة أنها قد تجد نفسها من جديد في ظل أيديولوجيا يسقط من أجلها الأبطال, ولا يتعرفون على الأفكار التي من أجلها سقطوا.. كما لو أن عجلة الثورة اعتبارًا من لحظة معينة تدور للوراء…………. ” سأكتفي بهذه الفقرة ولكم ما تشاءون من حرية الفهم

إن التثوير السابق على التنوير هو مجازفة بكل ما في الكلمة من دلالة ومغالطة منطقية من الطراز الأول..

“الربيع الفكري الحقيقي الذي يسبق الربيع السياسي ويمهد له الطريق”

المثقف الذي يدعو للثورة ويحرض  عليها قبل أن يكون قد قام بقضيته التنويرية وساهم في رفع الوعي داخل مجتمعه  كم يساهم في سوق الجماهير إلى حتفها إلى حيث ارتطامها بواقع أكثر مأسوية..

المثقف الذي يبحث عن ثورة طبقة في مجتمع معوز, وعدم دراية أفراده بمفهوم الطبقة أشبه بمن يقتني أدوات التزلج وجرافات الجليد وهو يقطن صحراء مقفرة ..

وعليه فإن استدعاء حدث الثورة الفرنسية وتجربتهم ومقارنتها بالتجربة العربية لهو ضرب من العبث واستنساخ مغلوط..

ولنراجع سويا خصائص خطاب  المثقفين.. الخطاب العربي (السلطة والمعارضة ) بعد  الانتفاضات العربية الذي خرج عن السياق السوي والمنهج العلمي وأصبح مأزومًا مفتقرًا إلى أسس الخطاب وضوابطه.. خلا من إعلان شأن التوافق والرؤية التصالحية التذكير بالقواسم المشتركة.. بدا خطابًا أنانيًا ضيقًا.. انتقل من الخطاب العمومي الهادف إلى بيان مفهوم دلة المواطنة , إلى خطاب دوائر الانتماء الدوجمائية..

الخطاب المغلف بالروح القبلية والمناطقية والأيديولوجية أدى إلى تصدع الدولة القُطرية على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي والديمجرافي..

ساهم هذا بانقلاب القيم وأصبح الانتصار لحقوق الإنسان المتفق معك على حساب المختلف معك أمرًا طبيعيا ممن يُحسبون على المثقفين.. أصبح الانتصار فقط لمن ينتمي إلى منظومتك الدينية أو السياسية أو القبلية… فالدفاع عن القيم مفترض فيه النظر إلى الإنسان مجردًا والشيء مفصولاً عن الشخص..

إن مناداة البعض من هؤلاء (المثقفين) بتقسيم المجتمع لمنتصر و مهزوم وأن تكون كتابة الدستور للمنتصرين فقط.. هو نفس ما كان يقال بعد الحرب العالمية الثانية.. الاتهامات المتبادلة بين لمصلحة…. أو ضد….. ثنائية مانوية قائمة على مطلقية الخير أو الشر.. الاتهام والاتهام المضاد.. التخوين والتخوين المضاد.. التصنيف والتصنيف المضاد… العنف والعنف المضاد..

إن الخطاب العربي بعد الانتفاضات العربية هو امتداد لنفس الخطاب منذ حقب طويلة..

حيث ينطلق أصحابه من الساسة والمثقفين من أفكار مبيتة ومواقف ثابتة ويصطنعون الفكر لتبريرها.. ليصبح الخطاب حلبة للصراع بين انتماءات المثقفين المذهبية والأيديولوجية..

اصطناع الفكر وتقديم الخطاب في صورة تالية للتطبيق..  يمثلا المشكلة الرئيسية.. التي تكمن في الهوة بين ما نحمله من أفكار وعقائد وقيم نظرية.. وما نطبقه على وفي واقعنا المعيش..

نحن لا نضع النظرية  ثم نسعى لتطبيقها.. بل نطبق ونخطئ ثم نضع النظرية لتبرير الخطأ كي تبدو صحيحة..  على كافة المستويات.. نشخص الحالة المجتمعية وفق ميولنا ونسمي الأحداث بما يوافق أهواءنا.. ننحاز انحيازا مسبقا دون استقراء للمعطيات الموضوعية..

هل مثقفونا تقاعسوا عن أداء دورهم..

هم لم يتنبئوا بالانتفاضات العربية واستسلموا لحقيقة صعوبة التخلص من الأنظمة الحاكمة بل وعقدوا صفقات التصالح معها..

ارتكنوا لنظرية المؤامرة, وتغافلوا عن الموازنة بين شكوك حول تداخل العديد من العناصر في صنع الحدث, وبين تلقائية وقوعه..

وبعد ذلك تسابقوا للحاق بسيل الانتفاضات الجاري دونما حسبان لما ستؤول إليه..

وما قد تسفر عنه من نتائج..  (وذكر الكاتب أسماء عديدة من مثقفي ومفكري الوطن العربي)

وذلك يعني..

انتصار النزعات السياسية على الموضوعية الثقافية من واقع الانتفاضات العربية.. وتقديم الديماجوجيا و العاطفي على العقلاني..

بين التقاعس والتريث سلك رفيع لا يكاد أن يرى..

أن ننتقد الديكتاتورية و نحارب الاستبداد ونرفض في الآن نفسه قبول العدوان على الدول..

المشاكل العربية ليست الأنظمة السياسية فقط..

بل هناك النمط التعليمي و التنمية الاجتماعية المعوقة ..

علينا في النهاية التفريق بين المثقف ذو الرؤية السياسية والمثقف ذو الرؤية الثقافية..

في النهاية أكد دكتور زاقود على أن التقدم الاجتماعي والتربية الاجتماعية لا يأتيان نتيجة للهبات الثورية للشعوب أو تتويجًا للفعل الثوري.. بل هما نتيجة وعي سياسي واجتماعي منظم..

وهو ما يستلزم ضرورة قيام المثقفين بدورهم والدفاع عن قضيتهم…

بقيت لي ملاحظة…

قرأت الكتاب بأكمله مرة واحدة قبل أن أقوم بالبدء في تقديم الريفيو الخاص به..
والآن وأنا أشارككم به فصلا فصل.. أجد نفسي في مقارنة واضحة بين واقع الحال.. ما أراه وما أعيشه وعشته منذ قيام الثورة المصرية 25 يناير وحتى هذه اللحظة..

و أكتفي بهذا..

الفصل الخامس

في قضية المثقف

بأي حق ينتدب المثقفون أنفسهم لممارسة دورا القاضي على الدولة والمجتمع؟

لأنهم قبل غيرهم يبحثون عن الحقيقة, ولا يسعهم التخلي عن دورهم الطبيعي.. هم سلطة مرجعية مهمة لا تستقيم سلطة المحاسبة سياسيا/ اجتماعيا دون الرجوع إليهم.. هم يحسبون في أنفسه سواء أكانوا على خطأ/ صواب.. أنهم ضمير الجماعة.. أو حارس ثوابتها العليا, أو أصحاب رسالة ودور في معركة التقدم!!

إن المثقفين هم القادة الحقيقيون لمسارات الشعوب, وهم من يحكمون على الحكام الذين يحكمون الشعوب.. وبوحي من نتاج عقولهم وأفكارهم تتشكل عقول وقلوب الجماعات البشرية وتُرسم طموحاتها لتترجم لواقع عملي..

هم أبرز مساهم في عمليات صنع التاريخ وتدوينه والحكم عليه, وهم يشكلون رؤى العسكريون ورجال الدولة.. ومن الأمثلة على ذلك ما يُتناقل عن كتاب “الأمير” لمكيافيللي من ارتباطه بطغاة كهتلر وموسيليني ولنين وغيرهم …. رؤاهم يحولها القادة إلى تاريخ حقيقي أو واقع معيش..

وبالقياس .. الإسكندر  تتلمذ على يد أرسطو, وعمر بن عبد العزيز كان من حاشيته رجاء بن حيوة.. واشتعال الأزمة الفكرية كان بعصر المأمون الذي كان من بطانته أحمد داوود.. ولا ننسى ابن حنبل وابن رشد وغيرهم من رجال الفكر..

كما لا يمكن أن ننكر دور جون لوك, وجاك روسو, وسارتر وفوكو, في أوروبا وبرنارد لويس وصموئيل هنتنجتون, وروفان وفوكوياما وأخيرًا تشومسكي بالولايات المتحدة الأميريكية.

الذاكرة الإنسانية تحتفظ بأسماء المثقفين ذوي البصمة الحقيقية في إنتاج المعرفة وحسن توظيفها على مر العصور.. و أكثر مما تحتفظ بأسماء الملوك والقادة والرؤساء, على الرغم من كون الأخيرين الأظهر في مجال صناعة التاريخ وتغيير معالم الجغرافيات وحدود الدول وإنشاء وإسقاط الإمبراطوريات.. وأمثلة عديدة بدءًا من الإغريق وفلاسفتهم وعلماءهم كأفلاطون وسقراط وأرسطو وإقليدس وفيثاغورث..

و في عصر النهضة بإيطاليا لا ننسى دافنشي وأنجلو وميكيافيللي و كولومبوس وجاليلو, وغيرهم

وفي التاريخ الإسلامي كثير من الأئمة وعلماء المسلمين كأبي حنيفة وابن مالك و الشافعي وابن حنبل, والفارابي وابن سينا والرازي وغيرهم..

إن حصيلة التاريخ الإنساني هي أن عصور النهضة هي عصور الثراء في المثقفين, وعصور النكبات هي التي تذهب بهم إلى السجون والمشانق والمنافي..

وعليه فعند عقد مقارنات بين هذه وتلك, سنرى كيف تعج المدن الثرية كبغداد في أزهى عصورها بثقافتها بحراك حضاري لتصبح عواصم ثقافية حضارية.. وهذا ما استفادت منه عواصم أوروبية  عندما خرجت من عصورها الوسطى المظلمة واستبدلتها بعصور الحداثة و ما بعد الحداثة لتنتج أمواجًا هائلة من المثقفين الفلاسفة المفكرين, وتغادر عصور الظلام للنور ومن الانحطاط للسيادة الثقافية والحضارية.

 استطرد دكتور زاقود بوصفه للمثقفين, قادة مسار النهضة ورواد التقدم واستجلاب وخلق الحضارة..

هم المحرك الرئيسي للشعوب, وطليعة الصفوف الأولى لانتفاضاتها.. هم من يمثلون المسار الطبيعي في حياة الأمم والشعوب التي تحتاجهم في أزمنة الرخاء, وأزمنة الشدة والأزمات..

يقول إدوارد سعيد: “ما أكثر ما يتطلع المواطنون إلى المثقف من أبناء جلدتهم لتمثيل المعاناة التي تتعرض لها قومياتهم.. المثقف هو رمز لتلك الشعوب.. رمز  الإنجاز في وعي تلك الشعوب والشهرة وذيوع الصيت..

وهي القيم التي تستطيع الجماهير تعبئتها  لصالح كفاحها ولصالح مجتمعاتها..

يتحمل المثقفون محن شعوبهم وما لحق بهم من انكسارات. الشعوب تحتاجهم دائمًا تتفقدهم, وتفتقدهم.. وعليه فإن تجريد المثقف من وسط الشعب أبرز أسباب الانتكاس المجتمعي, ويزداد السوء إذا ما عزل المثقف نفسه وآثر الانزواء على الانخراط, والاستعلاء على التوسط.

المثقف المتجرد عن الشعب, المعزول أو المنعزل كما يقول على شريعتي, مهما ارتفع وصعد إلى العرش سيبقى مجتمعه على انحطاطه..

المثقف هو ضمير شعبه وهو الشاهد على محنته والمسئول عن تنقية ذاكرة شعبه الجمعية, مما يستلزم أن يضفي على أزمة مجتمعه طابعًا إنسانيا عالميا من حيث المعاناة ومن حيث الإيجابية, فينسب ما يقمه مجتمعه للحضارات الأخرى و يوثق ما يتعرض له هذا المجتمع.. ويبرهن على تخاذل المجتمعات الأخرى في حق مجتمعه.. فربط المثقف لما يحدث في مجتمعه بالمجتمعات الأخرى يُقرا من جانب الاستحثاث على الفعل كونه إيجابيا.. ويحمي الشعوب الأخرى من صورته السلبية, فالشعوب تتعلم درسًا يحميها من تذكر الظلم في مكان, ونسيانه في آخر.. كما أنه على المثقف ألا يكون انتهازيا, يستغل الظروف بغية التواجد على الساحة والظهور بمظهر القيادة, فينساق وراء العاطفة التي تحكم الشعوب ويستسلم لتبرير مواقف شعبه ويعمى عن الشرور التي ترتكب في مجتمعه خاصة بفترات الأزمات..

إن رقي الشعوب ينبع من رقي مثقفيها, واستقلاليتهم وقدرتهم على استنطاق الواقع.. بغية إصلاحه..

من هنا نرى أن المثقف يجب أن يحافظ على شعرة التأثير  والتأثر بينه وبين شعبه..

إن الكثير من المثقفين حصروا رسالتهم في تغيير الجانب السياسي, يرضي غروره أن يكون مساهمًا في عملية التغيير السياسي, أو يعلن حد المفاخرة أنه ممن عارض السلطة ونادى بإسقاطها.. أين منه في عملية الإصلاح إذا؟!!

إن عملية التغيير المنوطة بالمثقف ليست تغيير الواقع قدر ما هي تغيير الوعي , تلك هي العملية التراكمية التي يترتب على آثارها التغيير الحقيقي المنشود..

بين آراء مفلح, والجابري وسلامة موسىى, وسليم الحص, والتي يعرضها علينا دكتور عبد السلام لنرى من خلالها طبيعة مهمة المثقف الذي هو ضمير الأمة, الذي يحلل ويحدد ويعمل من خلال المساهمة ف يتجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ نظام اجتماعي أفضل .. عليه أن يترفع عن مشاكله الشخصية وأن يعمل في خدمة الشعب, ولديه القدرة على الإقدام والتضحية بل والمكابرة حتى يتحلل من مشاكله اليومية التي يعيشها ليعرف القضية ويعيد صياغتها في إطار التوعية..

وإن كنا نرى أن المثقف كإنسان له كيانه وكينونته, وبالتالي فإن مشاكله  الشخصية قد تكون بالمجمل هي نفس مشاكل مجتمعه بأكمله,  وأن الإصلاح على كافة المستويات يعني إصلاح حال المثقف وحال شعبه.. كما أن تساؤل سليم الحص, عن كيفية قيام المثقف بدوره والمجتمع بلا ديمقراطية ولا حرية تعبير والحديث على لسان زاقود, الذي يعلن عن حيره من تساؤل الحص, فهل المفروض أن يقوم المثقف بدوره في غياب الحرية والديمقراطية ويسعى لحدوثهما أم ينتظر حتى تتواجدان ومن ثم يقوم بدوره؟!

ويؤكد زاقود إن قضية المثقف لا تتوقف عند حد معين بل هي تستمد وجودها من وجود المجتمع ذاته..

كما يعرض علينا زاقود آراء كل من إدوارد سعيد وعلي شريعتي وبلقزيز وغليون وغسان سلامة, حول رسالة المثقف ودوره في المجتمع.. من خلال إلقاء النظر على حال المثقفين في بلادنا وطريقة تعاملهم وتفاعلهم مع السلطة..  بين أن يكون صاحب رسالة, وأن يغير المجتمع  أو أن ينتج المجتمع نفسه.. أو أن ينتج سلطة سياسية نفسها في بلاده.. وعلينا أن ننظر للأمر قد ما يحتمل.. فطبيعة دور المثقف لا تعني تحميله بكل تلك المهام  التي نرى فيها مبالغة.. فالتغيير أمر ميسور إذا عملنا له لكن إنتاج مجتمع جديد وسلطة سياسية جديدة, خاصة أن الكثير من المثقفين يؤثرون السلامة ويوالون للسلطة.. أعتقد كما يقول زاقود هذا ليس منوطًا بهم أداءه أو متوقعا منهم..

إن المثقف عليه أن يعمل وألا يتوقف عن العمل من أجل إحداث حراك وتغيير تدريجي في صورة الواقع المجتمعي ليتحول من صورة إلى صورة أخرى أفضل.. كيف يتم هذا؟؟

نحن لسنا في انتظار الجبر التاريخي كما الجبر الإلهي.. وعلى المثقف أن ينظر لتجربة الشرق الأقصى.. وأن يقتدي بهم.. تلك الطفرة التي أحدثوها في سنوات قلائل كانت وسيلتهم لها هي حذف المراحل السابقة ..

بعد أن تغير شكل العالم من حولهم في أوروبا والهند وبقوا هم على وتيرة واحدة منذ زمن كونفوشيوس..

ثم تغير حالهم بطفرة ثقافية واجتماعية غير مسبوقة.. وهذا ما نحتاجه هنا..

في نهاية الفصل يتحدث دكتور زاقود عن أن المثقف عليه أن يحسن تكييف ما ينبغي عليه القيام به؛ كما يحسن تشخيص ما يعوز مجتمعه وما يعانيه من أمراض ومعضلات اجتماعية..

كما يقول إن اعتبار المثقف صاحب رسالة فيه مجانبة للصواب لأنه يستحث المثقفين على التعالي, ويصيبهم بالغرور والنرجسية.. كما أنه يجعل له دورًا محددا ونصًا محددا لا يحق له التغيير فيها, وعليه أن يوصل الرسالة بلا زيادة أو نقصان.. وهو ما لايفي ولا يتناسب مع ما يبتغي المثقف ويُراد منه.

إن المثقف ليس موظفًا بيروقراطيًا.. وليس له دور محدد عليه القيام به وعدم الحيد عنه.. فهذا ما أفشل المثقفين وغيب فاعليتهم ونفى دورهم التنويري.

علينا ألا ننسى أن أغلب ما كتب عن المثقف جاء تنظيرًا من نخب إما موظفة من السلطة, أو أنها تعيش بعيدة من وعن الناس.. لا تعرف من الواقع المجتمعي والقمع سوى ما تراه من خلف النوافذ المغلقة..

ومن هنا نشأت علاقة جدلية بين الفكر والواقع في العالم العربي .. علاقة أعمق من تلك التي نظّر لها سان سيمون, وماركس, وإنجلز, ومانهيم, وغيرهم فالواقع العربي لا يعني الإنسان والمجتمع بقدر ما يعني أيديولوجية السلط المعدة سلفا, والتي جعلت من الفكر ما تريده تلك السلط ذاتها.. كما أنه بين التبعية وهيمنة ثقافية لشعوب أخرى, لم يعد الفكر مباشرا من الواقع وإنما من تفاعل مزدوج من واقع مشوه في جانب, وثقافة المسيطر من جانب آخر.. وهذا ما يقودنا إلى الفصل الأخير.. المثقف الفاعل.

الفصل السادس

في المثقف الفاعل

يستهل دكتور زاقود هذا الفصل بالحديث عن الانتفاضات العربية و أهميتها وتوافر دوافعها ومسوغاتها التي اتضحت بغض النظر عن وجود مؤامرة أو أيد خفية.. أشعلت رزمة الحطب الجاهزة للاشتعال, فأصبحت الانتفاضات العربية واقعًا معيشًا “فكان الذي سيكون” بلغة درويش.. لتدخل المنطقة في مرحلة لها إيجابيتها رغم سلبياتها, لأنها أعادت مسار المجتمع والواقع العربي للحالة الطبيعية التي تحكم التفاعلات الاجتماعية على مر الزمن الإنساني وهي تقدم الفعل الاجتماعي على البنية الاجتماعية, فغدا فعل الشعب متجاوزًا تنظيرات المثقفين ورؤاهم, لم يعد بالإمكان سجن الجماهير المتدافعة أو إعاقة مسيرتها بأوهام النخبة المتواطئة المحرضة على التسليم والداعية للتصالح مع الواقع المزري..

تلك هي القاعدة الكلية رغم وجود استثناءات.. مثلما ما حدث مع الحالة الليبية, التي أفصحت عن خشية القوى الكبرى من انفلات الأمر من يدها لتلك الانتفاضات فأوجدت لنفسها منفذًا ومسلكًا عن طريق التدخل في الحالة الليبية لتوظيف نتائج الانتفاضات العربية لصالحها..

رغم هذا علينا الاعتراف أن الرفض الشعبي للإملاءات العليا قد تجاوز قصور النخبة المترفة والمشتراة بأبخس الأثمان..

ولكن.. الحالة العربية المعيشة بأي حال لم تدخل مرحلة الثناء أو أننا نستطيع وصفها بالوردية, وإن كانت تتقاسم مع الورد قتامة لونه الأحمر.. فالشعوب العربية دخلت بمرحلة من التردي والانحطاط, و لربما نخرج من سفر التاريخ بعد أن كنا في ذيل قائمته, ولأسباب عديدة منها جثوم الطبقة التوتاليتارية وانتكاس المثقفين وتواطؤهم..

لابد إذن من التدارك.. والمثقفون هم أول من ينبغي عليهم التدارك.. هم المتحسسون لمشكلات المجتمع والمتتبعون لحركتها, والراصدون لمواطن إخفاقاتها وجوانب قصورها..

لكن!! السؤال الهام الذي ينبغي طرحه؛ ومحاولة الإجابة عنه بجدية..

متى يظهر المثقفون الحقيقيون “المنقذون”؟!

يقول زاقود نقى عن هاشم صالح قول الفيلسوف الألماني “هابرماس”

(إن كل أمة من الأمم تعاني من فترة لأخرى من حالة الانسدادات على كافة الأصعدة والمستويات, وعندئذ تعمى الناس, ولا يعود أحد يعرف أين المخرج ولا كيف!! في تلك اللحظات الحرجة بالذات, يظهر المثقفون الكبار لفك حالة الانسداد هذه واكتشاف مواطن الخلل, وإعطاء دفعة جديدة للأمة كي تثق بنفسها وتنطلق من جديد).

ونحن في تلك المرحلة..  قد ضلت الجماهير طريقها.. وكثير من مجتمعاتنا العربية تشهد حالة من الميوعة وصار الجميع ضد الجميع..

وهي ليست بالقطع كما قال ابن خلدون: قاصرة على ميلاد الدجالين والمشعوذين فحسب, ولا تقف عند حد المتاجرة بالدين, بل إنها ستأتي للمجتمعات العربية بلفيف من المثقفين المنقذين..

كما يقول سروش ميلاد المثقفين يأتي في مراحل العبور والانتقال من مرحلة تاريخية لأخرى في مرحلة التحول والتغيير.. وعلى سبيل التمثيل يضرب زاقود مثلا بالغرب الأوروبي في مرحلة العبور من العقل التراثي للعقل الحداثي.. وظهور مثقفين أمثال فولتير وديدور, وبعد استقرار معالم الحداثة لديهم ولم يتبق أثر للعصر الكلاسيكي, تحول المثقفون إلى مفكرين و علماء وأساتذة جامعات وانطفأ تراث التنوير الثقافي بانتهاء مرحلة العبور من عصر لآخر..

و يتحدث عن يقينه أن المرحلة التي نعيشها ستكون شاهد إثبات على ميلاد مثقفين كبار لأنهم كنموذج المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد كأحد نماذج المحن الوطنية والأزمات الحقيقية.

المثقفين كانوا في الهامش باختيارهم أو مرغمين لا ينظر إليهم ولا تعتبر كلماتهم محل توقف او اهتمام, أما الآن فرغم كل ما نعيشه من ألم, فإن تلك المرحلة مما يصلح لإنضاج الذهن بتعبير ابن خلدون, وهي أكثر  المراحل إنتاجًا في تاريخ الشعوب..

(سيفتر حامل السلاح, وسيشتد عود حامل سلاح المعرفة يومًا بعد يوم).

يقول جاستون وهو يتحدث عن فلسفة ابن خلدون الاجتماعية, إن الأدوار المضطربة ملائمة لنشوء الشخصيات الحازمة في حقل العمل كما في حقل الفك, وأن غليان النفوس واضطرابها يسفران عن فضول أعظم حدة, ويرهف الطموح بفعل الاضطراب وانقلاب الأوضاع يرتفع إلى درجة من الحرص يندر بلوغه في مجتمع هادئ منظم تظهر فيه أدوار الناس تامة الارتسام. ويدلل على تجربة ابن خلدون نفسه من خلال المنعطفات التي مر بها, كونها تشابهت مع تجارب بعض شخصيات عصر النهضة الإيطالي.. المملوء بالتناقض بين رجال درس وفن ورجال حرب معا.. وأنه بوحي من طموحه الجامح وسعيه للدرس وتأمله وسط حياة سياسية مضطربة أنتج لنا أثرا ضخما ومنه مقدمته التي جمعت آيات العبقرية..

و يذكر الدكتور عبد السلام تجربة ألمانيا وتطورها.. مع تكرار تجربة الاسداد أكثر من مرة.. بداية من لوثر والاصلاحات الكبرى, وخاصة الإصلاح الديني, ثم ظهور لابينتز الذي عقلن شئون الدنيا والدين, ثم كانط فيا بعد.. هكذا كلما اشتد حالهم وعصفت بهم المعضلات, برز مثقفون يعيدون إلى المجتمعات الثقة ويحددون لها المسار, ويرسمون لها آلية الخروج..

وعليه فإن هذا الوقت حسب رؤية زاقود, -والتي لا أنكر أنني أرى بين حين وآخر بوادر ودلائل حقيقية لها, وإن كانت الصورة من لازالت ضبابية لحد ما- الوقت مناسب لظهور هذا المثقف الفاعل,  المتغلب على هواه, الذي يقيس الأحداث بمسطرة العقل, ليعقلن الحياة الفكرية والاجتماعية معا.. صاحب القضية المثقف العضوي كتعبير جرامشي.. ليس الرسول ولا الموظف ولكنه المدعي صاحب الحق في قضيته إصلاح المجتمع من كل جوانبه.. موكل من قبل نفسه ابتداء ومن قبل المجتمع ثانيا لينال شرف قيادته بدفوع وقرائن وحجج تمثل المعرفة التي يحملها ضد خصوم شرسين أبرزهم “الجهل والتخلف والاستبداد سياسي/ ديني, والنزعات القبلية/ الطائفية/ الإثنية… وكل ما يعاني منه مجتمعه من معضلات 

سيتوقف كسب قضيته أمام محكمة الحضارة الإنسانية على درجة المدنية والرقي التي يصل إليها مجتمعه حضاريا..

وهذا يستدعي تحطيم ثلاثة أوهام يقع أو يُوقع فيها المثقف من قبل المجتمع أو السلطة بغية تشويهه وهي:

* أن يتوقف المثقف عن اعتبار نفسه قائد التغيير والقائم به (وخصوصا في الشق السياسي) عليه أن يساهم في إضرام جذوة الوعي في ركام مجتمع هامد برفع مستواه وتهيئة الوضع النفسي للشعب والمجتمع لتقبل التغيير ليصبح نتيجة حتمية.. على المثقف وضع شعوبه على جادة الطريق ومنحها مفاتيح التمييز بين الحق والباطل, الخير والشر, الغث والسمين ثم يفسح لها المجال..

* التوقف عن اعتبار المثقف حاملاً للعصا السحرية , بيده مقاليد الأمور كلها, فما هو إلا فرد يؤمن بترسانة من أفكار ويعمل بما يؤمن به كي يوجه المجتمع ولا ينتظر أن يصير المجتمع إلى ما قدر له.

* أن يتخطى الثنائية المانوية مع السلطة وضد السلطة, لأن ذلك يشكل انحيازًا مسبقًا, وبالتالي يبقى هو أسيرًا للتصورات الموضوعة سلفًا لأي سيناريو, أو حدث بما يعميه عن المعطيات الموضوعية ويجعله متخذًا لموقفه سلفًا ومفسرًا له..

ما ننشده في هذه المرحلة المثقف المتزود بالمعرفة, الذي يواجه المشكلات الاجتماعية والسلط جميعًا ليس لإبراز الذات أو المعارضة وليس لاستجابة السلط لينل مكرماتها وإتاواتها, بل ليدافع عن الإصلاح للفرد والشعب والمصلحة العامة. مع الأخذ في الاعتبار التحلي بالصبر , وزاد الفكر والمعرفة, لأن الإصلاح يتحول في مجتمعاتنا مع غياب مفاهيم التسامح الديني/ السياسي/ الاجتماعي إلى صراع.. مواجهته ليست بالأمر الهين أو البسيط..

إن الثقافة بدون التربية الاجتماعية التي هي وسيلة فعالة لتغيير الإنسان وتعليمه كيف يعيش بين أقرانه وكيفية تكوينه مجموعة من القوى معهم وشبكة علاقات تتيح للمجتمع تأدية نشاطه المشترك في التاريخ, تكون كلمة فارغة رنانة خلت من مضمونها الضروري الذي يتيح لها الاضطلاع بوظيفتها..

على المثقف إعادة بناء ذاته في صورة أصل وأصالة وهدف ليتكامل  بما يستتبع الاشتراك في القدر الشعبي الذي يستوجبه تكاملنا وإنسانيتنا,  مع عدم الاستغراق في الذات وعبادتها بنرجسية مما يقتل فاعلية المثقف.. علينا الاحتراز من تضخم الذات, وبنفس الوقت عدم نكرانها..

حتى لا يقع المثقف في فخ الاغتراب وفقدان هويته.. وافتقاد أرضية صلبة ينطلق منها..

المثقف الفاعل عليه ألا يعادي الدين أو يهادن السلطة الدينية  في مجتمعاتنا العربية, فما يجري في مجتمعاتنا ليس هو الدين الحقيقي, ومن ثم فإن تعامله مع الدين من هذا الأساس وإلغاؤه للدين يضرب فاعليته في مقتل وسيحول دونها لأن مجتمعاتنا ترى في الدين وقود الحياة وترياق منغصاتها.. وهو بمعاداة الدين سيخلق حالة من الذعر غير المبرر من محو المثقفين لتنفض عنهم, وتلجأ لقوى رجعية تتظاهر بحماية الدين.. وتنقطع العلاقة بين المثقف والشعب ويبقى خارج السرب ومعدوم الفاعلية في الوسط الذي ينبغي عليه ملؤه..

 يرى الجابري و شريعتي كلاهما ضرورة البدء من الدين لتحرير الناس من الأفكار الدينية المغلوطة وإقناعهم بالأفكار الأكثر صمودًا أما النقد والأنسب لضبط الاجتماع المعاصر, اكتشاف الدور الاجتماعي للدين وإستراتيجية العمل من هذا المنطلق. فالدين في أغلبه قوانين اجتماعية تستمد قوتها من مرونتها. المثقف الفاعل هو الوحيد القادر على إقناع الناس أن الحياة في سبيل الله خير من الموت في سبيل الله كما يروج دعاة التطرف.. مقاومة القوى الدينية المستبدة التي حرصت على إبقاء الدين في صورته الجامدة , رافضة كل محاولات تدوير والعمل على استمرار دينامكيته..

المثقف الفاعل يتبع بوصلة قضيته قضيته إتباعا عقلانيا تؤازره الأدلة والأسانيد ولا يرتبط بها مجرد ارتباط غوغائي يهدر طاقاته ويحيده عن الفعل للتمني, وينقله من القيادة للتقليد.

على المثقف أن يكون مستقلا لا من حيث الانتماء بل من حيث الانحياز المسبق..

وكمثال على هذا الانتماء للإسلام شيء والانحياز له شيء آخر..

على المثقف ألا ينتصر ابتداءً لدائرة انتماءاته المختلفة بل أن يسعى ليثبت هذا الانتصار.. وأن يتحمل الاعتراف بالهزيمة إذا ما فشل في إثبات مُدعّاه..

فهدف المثقف هو تقديم صورة أفضل لما ينبغي أن يكون عليه الواقع الإنساني, بمعنى العمل وليس التنظير والعرض.. فتزداد فاعليته كلما اقتربت الصورة التي يقدمها من تجسيد منظومة المبادئ الأخلاقية سيرًا في طريق الاكتمال المنشود.. وليس عليه إثبات أن المرء على حق مصيب, فقط إحداث تغييرات في المناخ الخلقي, بما يكفل لنا رؤية الإيجابي إيجابيا, وأن نبصر السلبي سلبيًا.. نرى العدوان ونمنع وقوع الظلم, يساهم المثقف في إرساء معيار الإقرار بالحقوق والحريات والديمقراطية..

على المثقف أن ينفتح, وأن يعتنق الإنسانية هوية جامعة,  وكلما كان هذا كلما زادت فاعليته وكان أدنى لتأثيره ودوره.. وأن يكون منهجه قائمًا على التعاطي المعرفي والقضايا المجتمعية بلا انحياز مسبق..

علينا التفرقة بين المثقف ذي الرؤية السياسية (أو السياسي ذو الرؤية السياسية), والمثقف ذي الرؤية الثقافية من حيث نظرة كلا منهما لما يلي:

* تشخيص المشكل المجتمعي: السياسي يجنح للبدء الهرمي من رأس الهرم داخل المجتمع, عندما يقرر أن علة السلطة السياسية في المجتمع هي رأس السلطة, وأن تغيير النظام السياسي سيزول على أثره جزء كبير من مشكلات المجتمع, بينما المثقف لا يركن إلى هذا التبسيط لأنه يرى أن المشكل المجتمعي هو مستوى الوعي لدى المواطنين, والنظام الثقافي الذين يعيشونه, وأن الخلل في النظام السياسي هو انعكاسًا منطقيا للفساد الثقافي المستشري في ذهانية الناس وعليه فإن إصلاح المجتمع هو هدف المثقف.

* توجيه النقد: وبالطبع يتجه النقد نحو مواطن الخلل أو القصور لدى كل طرف منهما, فينصب اهتمام السياسيي على هرم السلطة, والمثقف على أفراد المجتمع

* الموالاة والمعارضة: السياسي منحاز مسبقا للسلطة أو ضدها مع المعارضة, أما المثقف فلا يدور في تلك الثنائية بل في إمكانه رفضهما معا, أو نقدهما معا أو التواصل معهما معا.

* التغفيل والتوعية: يعمد السياسي إلى التعمية والتورية عن الجماهير, لإبقائها في دائرة الجهل لتسلم لأطروحاته وتقبل بها, بينما المثقف ينذر نفسه لرفع مستوى الوعي والقضاء على الجهل.

* رضا الناس وسخطهم: السياسي ميزان عمله هو الخضوع لرضا الناس وقبولهم, يتقمص مسلماتهم ويردد القطعيات والمطلقات المناسبة لهم.. أما المثقف فشغله الشاغل تفكيك ما استقر في أذهانهم من موهومات وميتافيزيقيات ويواجه المسلمات بمسطرة سقراطية ليحللها ويميز الأبيض منها عن الأسود, عن غيرهما من الألوان . المقدس عند المثقف هو مصالح الناس ومفاسدهم , وليس رضاهم أو سخطهم.

* تقبل النقد: المثقف يرى نفسه فرد من أفراد المجتمع يمثل المواطن لا السلطة, المحكوم لا الحاكم وهو مستعد لتقبل النقد من الآخرين ومجادلته, و تواق للقيام بمراجعات دورية لنفسه يكشف بها عن نقاط الضعف والقصور في أفكاره و سلوكياته, بينما السياسي فإنه يحذر من الانتقاد ولا يقوى على قبوله ويراه من الطعن فيه وفي مصالحه..

* الحقيقة: المثقف شريك في طَرْقِ العقلانية بمتراس النسبية لأن المثقفين يتحركون في هذه الدائرة لأنهم أدركوا من خلال المنهجية المعرفية ومنطق الاكتشاف أن المعرفة نسبية وأن العلم يستبطن العلة فخلصوا إلى اليأس من العثور على الحقيقة وآمنوا بأن العالم كالنص الذي يجب أن يطرح ويحتمل استخلاص معنى منه, وأن وجود المعنى لا يعني وجود الحقيقة.. بينما السياسي دائمًا مدع يقين لامتلاك الحقيقة ومروج لنفسه في هذا الاتجاه

* نوعية الخطاب: يعرض السياسي بضاعته من منطلق المطلقيات, واتخاذ القطعيات وقودًا لخطابه.. أما المثقف فهو متوجس ومشكك, تغلب على كلماته الاحتمالية. فيكون الخطاب السياسي ديماجوجيا يهدف لتجييش المشاعر واستثارتها, أما خطاب المثقف فهو عقلاني يستند للمنطق والبرهان..

* لغة الخطاب: خطاب السياسي يهتم أولا وأخيرا بالسلطة التي يوجه خطابه إليها لا الناس الذين لا يهتم بإفهامهم ولا يبحث إلا عن استمالتهم لا توعيتهم, بينما المثقف على النقيض الجماهير هم المخاطبون بخطابه, ولكنه لا يسعى إلى استمالتهم بل إلى رفع مستوى الوعي لديهم وتبصيرهم وترشيدهم بما يحقق لهم حياة فضلى..

* مدار الحركة: يتحرك السياسي من منطلق ثنائية النجاح والإخفاق, فقضيته الأولى مصالحه المجلوبة, والخسائر المستبعدة. ولو اضطر للتزوير والمداهنة والتملق.. بينما المثقف لا يبالي بقضية الإخفاق والنجاح لأن ما يبحث عنه لا يعود عليه بنفع شخصي بل هو استقامة المجتمع وصلاحه..

* الوقت: يأتي عامل الوقت لنضع فيه كل ما سبقه من بنود سابقة إجمالا. فنجد أن السياسي متسرع ومتساهل لتصوره أن المشكل المجتمعي سيحل فور تغيير النظام الحاكم, وأن الإصلاح سيتم في سنوات معدودة , بينما المثقف يؤمن أنه ما لم يحدث تحسنا ملحوظا في الوضع الثقافي فلن يفيد تغيير النظام السياسي حتى لو تغير ألف مرة, فلن يتسبب في إحداث إصلاح واقعي ومثمر للمجتمع, لذا المثقف غير متساهل ولا مبسط للأمور من جهة ولا متسرع من جهة أخرى, لأنه واثق من أن إصلاح الوضع الثقافي صعب جدا, ويحدث ببطء..

من منطلق ما سبق علينا الانتباه  إلى مُكنة التداخل بين المثقف والسياسي في ظل الوضع الراهن, كما أن منطق ميدان العمل على حد تعبير عالم الاجتماع بورديو ينبني على التداخل بين ماهو سياسي و اجتماعي, وسياسي وديني, وسياسي واقتصادي.. وعليه فإن المثقف لفاعل لا ينساق وراء العواطف أو يحركه المنزع المصلحي, وهو ليس المكتفي بمشاهدة قافلة التاريخ تسير عشوائيا بل هو بوصلتها التي تحدد لها المسالك. يغربل ما في دفاتر التاريخ كي لا تبقى الشوائب طي الكتمان, يسارع للمناهج ويتخذ من النتائج محلا للاستدلال لا الاستنساخ.

وهو ليس بائعًا وليس تاجرًا ليسعد الجمهور, وليس سياسيا والجمهور ناخبوه يسترضيهم, وفي المقابل عليه ألا يجنح لتحدي جمهوره ورفضهم.. بل أن يكون تعاطيه موضوعيا بلا انحيازات مسبقة.

من أين يبدأ المثقف؟؟

رغم كل أزمات واقعنا العربي المتواترة.. ورغم أن التفاؤل قد يبدو ساذجًا للوهلة الأولى إلا أنه الطريق الذي يجب أن يُسلك, ولا فاعلية لمثقف متشائم, فاتعويل على السيناريو المتشائم سيفرض الصمت في ظل ما نراه من انهيار قيمي وتفسخ مجتمعي..

المثقف الفاعل إنسان حاضره ومستقبله أكثر من كونه إنسان ماضيه, مجتمعاتنا العربية أحوج ما تكون إلى من يزرع فيها بذرة أمل وعلى المثقف الفاعل البحث عمن يساعده في كسب قضية الإصلاح من الجماهير, بما في جوهرها من قيم إنسانية.. في إشارات الوعي التي يقذف بها لترسو في عقول الشعوب وتحدث تغييرا ثقافيا في النظام الثقافي. آنذاك فقط. تكون الثورة ويؤتي أي تغيير سياسي أكُله وتُجنى ثمرته..

يقول دكتور عبدالسلام زاقود في خاتمة كتابه

إن جدلية النخبة والفشل ليست مسألة حادثة, بل هي قديمة قدم المجتمع الإنساني والبشري..

حيث تبرز النخبة في أزمنة وتختفي أو يخفت نورها في أزمنة أخرى عندما يتمكن ضعف الأداء منها وتنعدم فاعليتها.. ويصبح للفشل سيماء واضحة تطبع مياسم المثقفين, كما تطبع جبين المجتمع ككل..

وعليه فإن فاعلية النخبة أصدق وحدة قياس نقيس بها مناسيب تقدم الشعوب وتقهقرها صعودًا أو هبوطًا في سلم المرتبة الحضارية.. ومن واقع تحليل ما حدث في الانتفاضات العربية, وقصور نظر المثقفين وتعاملهم مع الأمر يتبع حديثه باستنتاج مفاده..

“أن المجتمعات العربية هي انعكاس طبيعي لما نسميه مجازًا بمجتمع المثقفين؛ وأن الثقافة العربية تعاني مما يعانيه المثقفون ومجتمعاتهم”..

في موجز سريع وضع زاقود ملاحظاته التي هي ملخص لما ورد في الفصول السابقة, بشأن ماكُتِبَ عن المثقفين, ومناهجهم التي لازالوا يتبعونها رغم عدم صلاحيتها لهذه المرحلة, وعلاقاتهم بالسلطة السياسية والدينية والقبلية, وأخيرًا الإيمان بالانتفاضات العربية, وضرورة تغيير الواقع سياسيا وثقافيا واجتماعيا ..

أما أنا فسأختم قراءتي للكتاب بإهداء زاقود الذي تضمنته بدايته..

ثمة من آمنوا بالكلمة وانتصروا لها.

تيقنوا أن الفكر ينفذ من ثنايا الجدران,

تمامًا مثلما ينفذ من الرمية السهام.

ويتخلل العقول من أضيق المسامات,

فيعبر كما أشعة الشمس من سَمّ الخياط.

الأجساد تُسجن, و تُدفن, وتُحرق كما لم تكن.

إذ وحدها الأفكار تحلق في فضاءات العقول.

المثقفون

الذين عانوا ويعانون في أصقاع الأرض.

في الزنازين, أو المنافي, أو ينابذون الطواغيت.

تُهمتهم سفك الحبر على سفوح الورق,

أو أنهم أطلقوا للحرف الصادق العنان.

كي ترفرف الحرية, ويعلو الحق.

وقد وقفوا دون آرائهم بشجاعة وثبات.

هناك من يتذكركم, ويؤثركم على غيركم بهداياه.

لكم ثمرة جهدي,,,

وأنا, وغيري كثيرون, نتخذ من صبركم مدادًا,

نكتب به مصاديق, وقرائن قضية الإصلاح

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

2 تعليقات

  1. Very well mentioned, your website says it all about that certain topic.*,**,

  2. Congrats! I can dad, too! Except I don’t have 9 months. I have less than 9 days remaining (Oct 1st) until our little girl will be here. While the becoming a father involves a simple physical act, becoming a DAD is an on going process and one that I’m sure you will perfect over the years. I’m sure that there will no shortage of love and attention showered on your new child and that you and Gretchen will both be excellent parents. Congrats again and save that pee stick. I’m sure you’ll want to see it at some point.

أضف تعليقاً