قصاصة ورق

f3dd73754d87788a6372fd5b21623fe9

التَوقيت ليلاً…ميدان جاكسون كرجل متعب معبأ بالتوجس، أعمدة الإنارة تشبه عجوزًا محدب، تحاول أن تترصد الظلمة، وبالكاد تستطيع تحريك أصابعك بفعل نسائم يناير الباردة جدًا.

الموقف شبه خالي من المركبات،لا شيء سوى بعض الباعة ونفايات تملأ الأركان؛ أكياس وأوراق تتراقص هنا وهناك.

وجدت مركبة هالگة تقف، صَعدتُ في أول مقعد لشخصين، جاءت إحداهن “وكعادة الفتيات عندما تصعد تختار اقرب مقعد خالي” وكنت أنا بجوارها، ابتسمتُ لذلك ولا ادري لما ابتسمتُ.

رغم أنني عادة لا أحب الجلوس إن كنت مخيراً بجانب فتاة، فـربما تفقد الحافلة اتزانها أو تصادف إطاراتها حفر وعرة

فتتدحرج يمينًا ويسارًا بلا هوادة، وبالتالي أنا جزء من جسد تحركني الجاذبية حيثما تميل.

بعض الفتيات تجدها تمتعض من ذلة الإهتزاز الذي يجعل من يشاركها في حالة احتكاك لا إرادي، فتـرميه بنظرات شك عابسة حتى وان كانت مصطنعة، أو ربما تضعك في دائرة اتهام، وقد تهمس لك:

“احترم نفسك”

أو بصوت عالي:

“احترم نفسك”

لحظتها وفي عز البرد ينز العرق منك، تثقل قدماك وقد يضطرك ذلك للنزول في محطة سابقة لوجهتك إليها

أو تفوتها إلى ما بعد نزول تلك الفتاة.

غير الضجيج الذي يحدث والموقف الذي يتحول لقضية رأي عام هنا في المركبة المهترئة، ورغم كل ذلك تجد السائق غافل عما يحدث داخل مركبته، ويزيد في سرعته المقيتة ويرمي بكم من تدحرج لآخر. المهم هذا كله صورة لما يمكن حدوثه.

أنا أدرك تلك السيناريوهات، لذا اختار المقاعد الفردية، أظن أن لدي مخيلة تكفيني للانصراف بخيالي باتجاه النافذة،

وأُفضل أن يشاركني المقعد شاب، رجل كهل، أو حتى – وذلك أضعف الاختيار – امرأة كبيرة حتى ولو كانت بدينة.

الآن الحافلة تقف علي شفا انطلاق، يصعد صبي يحمل قصاصات ورق وهي طريقة مبتكرة للتسول وتقلل من انزعاج الناس، ومنتشرة كثيرا هنا في موقف الموصلات”جاكسون.

رمى لنا القصاصات ووقف يمد يده ارتجيته أن يحمل قصاصاته قائلاً له:

– الله كريم.

أما الفتاة فطبقت القصاصة ونهرته:

– ليس معي. ثم بالأمس قد أعطيتك، أعرف ملامحك جيداً.

رد الطفل بلطف:

– دعي حبيبك يكرمني إذا نيابة عنك.

نظرنا إليه كلينا وتلفتنا لبعضنا، نظرة ربما شاءت بأحاديث كثيرة. لا علم لي بلغة تلك العيون، لكن أظنها نظرة الدهشة لجراءة الطفل، فقلت لنفسي لحظتها:

– يا الله، هذه الفتاة جميلة لكنها مثل الأخريات.

عندما تشارك احدهم مقعد، تكون حذرة وترى القلق في عينيها، عرفت ذلك لأنها وضعت حقيبة بيني وبينها، حقيبة كبيرة ذات لون أخاذ، وبها أشياء متكدسة تبدو كطفل بدين متعب مستلقي بيننا.

بعدما هدأت المركبة من وطأ أقدام الصاعدين تسللت رائحة جميلة من ذلك الجلد المزركش بالطبع هو عطر الفتاة،

لذا وضعت تصور بأن لها حبيب أهداها ذلك العطر. أما هي بنظرتها التي فسرتها بأنها قالت هذا الشاب ليس بوسيم لكن يشي شكله بالاحترام، ثم أدارت رأسها كأنها تنفي لخيالها ذلك، محدثه نفسها:

– الرجال صنف واحد مهما اختلفوا

وقف الطفل كثيراً ونحن نمرر رسائلنا وقصاصاتنا لبعضنـا، وما أن أدار السائق مفتاحه، صرخ الكمساري بالطفل أن ينزل. تعلق الطفل بأخر أمل لكسب عطف أي من الركاب؛ الذين بدا لي أنهم متعبين جراء يوم عملي طويل. الصمت عم الجميع والعتمة تختمر الحافلة رغم الإضاءة.

تحركت المركبة، كرر الكمساري للطفل طلبه بالنزول، لم يأبه الطفل له، مما اضطره لإمساكه من ياقة قميصه المهترئ

ودفعه بعنف إلى خارج المركبة، تعثر الطفل بالباب وسقط حتى طرق أذنينا ارتطامه، فزعنا سوياً – أنا وهي – في اللحظة ذاتها، نهضت موجهة حديثها (للكمساري) كما فعلتُ أنا؛ إذ خرج صوتانا في ثنايا اللحظة ذاتها، ثم هممنا بالنزول للاطمئنان عليه. وانطلقت المركبة غير آبهة بنا، ركض الطفل الحافي بعيدًا وكأن العتمة ابتلعته،لنجد أنفسنا نتبادل النظرات والضحك في انتظار مركبة قد لا تأتي

عن هاشم صالح

mm
قاص وشاعر من السودان