قصة بقلم :حماركوف

436x328_44798_230817

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

ولد حماركوف في إحدى بلاد السودان , من عائلة عريقة معروف أنها كانت حرة منذ عهد نوح، يقول حماركوف: ولدت في أرض شاسعة وآمنة لا نخشى إلا الله والصواعق أن تضرب رؤوسنا.

في تلك الأرض الشاسعة ذات العشب الأصفر والأخضر كانت الأرض معلمتي الأولى فهي علمتني العطاء من غير ثرثرة وأن التغير الثابت والبطيء أكثر ثباتاً و تأثيراً من التغير السريع والهش .!

كانت الأرض تتحدث بلغات كثيرة ، مرةً بصوت المطر وحفيف الشجر ومرات بغناء الطيور وفحيح الأفاعي . ولدت في بيئة هادئة تنجب حميراً وديعة مثل الخراف .

أسرتي تتناقل أحاديث رائعة عن الأنبياء الذين تشرفنا بخدمتهم والتعلم منهم , وأكثر ما أعجبني هو عيسى بن مريم الذي كان ينفخ في طين في هيئة الطير فيصبح طيراً بإذن الله .

لم تكن هناك أحزان كثيرة فأكثر شيء محزن يمكن أن يصادف جماعة من الحمير الوحشية أن ترفضك أنثى تحبها وتقعد حزيناً تملأ عينيك الكبيرتين بالدمع .

أنا شخصياً رفضتني أتان ؛ لأني أفكر كثيراً , ولأني أتأمل الثعابين بشغف بدلاً من أن أهرب منها , قالت : بأنها رأت في المنام أن الثعابين تهاجمها وأنني لم أفعل أي شيء لإنقاذها غير تأمل المشهد .!

كان مؤلماً أن أرى الأتان التي كنت أحبها تمارس الجنس مع حمار أخر , وقتها إنفطر قلبي وركضت في البرية نحو بيوت الثعابين لعلها تقتلني ولكنها فزعت من صوت بكائي ونهيقي فدخلت جحورها .

أخذت أبكي حتى صار وجهي مكاناً لاستراحة الذباب في الظهيرة , العشق كاد يقتلني , لكنها تجربة جعلتني أكثر تأملاً للحياة .

لكن التجربة القاسية الأخرى كانت مع الموت , رأيت حميراً كثيرة تموت بسبب تقدم السن والهرم أو لدغة ثعبان أو تصبح فريسةً للكلاب المتوحشة , أو الموت بسبب الحب ، لكننا عندما فقدنا حريتنا مِتنَا.

العبودية موت مستمر , وهذا الموت كان يتخطفنا ونحن أحياء , وقتها أول مرة رأينا كائناً يمشي على قدمين , ويركبون آلات ضخمة .

ضربونا بسياط وأدخلونا هناك بالقوة , علمت لحظتها بأنهم متفوقون علينا فهم أذكياء ومتوحشون , يبطشون بطش الكلاب البرية لكنهم أكثر ذكاءً .

وكان من يقاومهم يضربونه بقسوة حتى يتعب هو . لكنهم لم يكونوا يتعبون .

وأول مرة إختبرت فيها القيد , والقيد الوحيد الذي كنت أعرفه هو قيد الجاذبية الذي يمنعني من الطيران , لكني الآن أعرف قيد الحبل الذي طوقوا به عنقي , وكان أداة السيد لقيادتنا .

بعد أيام إعتدنا على العبودية وتقبلناها واعتدنا على الضرب وأصبحنا نصبر عليه , وتعلمنا لغة الكائن وأصبحنا نفهم متى يريد منا الإنصراف ومتى يريد منا التحرك !

بعض الحمير أحبت إستبداد السيد وأصبحوا يشتاقون لرؤيته إن غاب عن بصرهم , وينهقون بصوت عال إن أحضر لهم البرسيم ويكادون يبكون فرحاً إن وضع لهم الماء وهو يصفر لهم ليشربوا ( ما أجمل تغريد سيدنا ! ) هكذا يقولون .

قررت أن لا أكف عن الحلم والتأمل , فعلمت بأن علي أن أكون ذكيًا وقوياً إن أردت إستعادة حريتي . !

ماذا تقول عن دموع الحبيبات , إنها دموعٌ عذبة وبكاؤهن له تأثير المطر على الأرض القاحلة في القلب , رأيت السيد يأخذ الحمار الذي كانت تحبه بعيداً عنها , كان يرفض التخلي عنها بقوة , ولكن سياط السيد كانت أقوى وأشد وكانت أول مرة أرى فيها دموع ذلك الحمار الذي كان يغلبني في سباق الجري وسبقني لنيل الأتان التي كنت أحبها .

عندما إنتهت هذه المأساة , نظرت إلي نظرة ذات معنى وكأنها تقول : هل تشمت في الآن .!؟

لم أكن أشمت لكني شعرت بأن الفرصة سانحة لي الآن لتعود المياه لمجاريها , فكانت الضوء الذي استعاره مني أحدهم .!

بعد ثلاثة أيام وهي فترة كافية ليتجاوز أي حمار أحزانه ويشفي فيها جراحه , إقتربت منها بهدوء , وكنت كلما خطوت تزداد دقات قلبي وأخاف أكثر أن تبتعد , ولما جفلت قليلاً هززت ذيلي وركضت نحوها , وقتها شعرت بأني حمار خارق وأنني أستطيع القفز من فوق جبل .

إعتليت ظهرها وكان الغبار الذي أثرناه ستراً رقيقاً لما كنا نقوم به . وقتها نسينا ما نحن فيه , وكأننا في بلادنا الشاسعة بلا سياج ولا سيد ولا سياط ولا أحد يستعبدنا .

رأيت السيد ينظر إلينا فأطلنا من ممارستنا للجنس أكثر حتى يعرف بأننا معاً شيء واحد . كانت فكرة رومانسية سخيفة لكننا فكرنا بها .

كنا ننظر لرفاقنا يباعون واحداً بعد الأخر , وعندما شعرت بأن دوري حان , قلت لها وأنا أقبل بطنها المنتفخة _ إبني _ : هذا العالم صغير جداً وبائس للغاية , حينما يأتي دوري سوف أذهب بهدوء من غير ضجيج ولا سياط ؛ لأننا سوف نلتقي .

بالنسبة لي الشهور التي قضيتها معك تساوي ملايين السنين من عمر حمار بسيط .

وإفترقنا بهدوء وودعتها كأني حمار أريد أن أبحث عن الماء والكلأ وأعود بعد وقت وجيز .

وكانت تلك آخر مرة أراها فيها , لا زلت أذكرها بيضاء لها عيون كبيرة ورموش طويلة وتفوح منها رائحة زهرة البرسيم , كانت ساذجة لدرجة الطيبة , ويكفي أن سذاجتها حطمت قلبي ذات يوم .

سيدي الجديد كان طيباً, له لحية قصيرة و إمرأة هادئة , كان وزنه خفيفاً عدا وزن اللبن الذي كان يبيعه لأهل البيوت والقرية , بعد أيام عرفت كل بيوت زبائنه ولم يعد يحتاج لأن يوجهني بقصبته حتى أتوقف أو أتحرك , كان أحيانا يشغل الراديو أو يغني هو .!

كان الأطفال كلما رأوني يركضون نحوي في فرح , وعرفت النساء ذوات العطور الجيدة , وتعرفت أكثر على هذه الكائنات التي إسمها بني أدم , لم أكن أعيش في عصر الأنبياء وآخر نبي قد مات منذ أكثر منذ ألف سنة , الخيل تعرفه أكثر منا .

كان العمل مريحاً والطعام جيداً , أعمل من الساعة 6 صباحاً حتى الساعة 11 صباحاً وفي المساء من الساعة 5 وحتى الثامنة مساءً .

أنا أكثر حظا من الحمير التي تجر براميل الماء , وتعمل ساعات أكثر . وحتى بيت سيدي كان زريبة تفوح منه رائحة الطلح والقش وكان بعيداً عن أحياء البشر ويجعلني أتجول بحرية في فضاء المكان .

وكان له كلب هادئ لكنه شرس إذا أستفز , أذكر أنني تبعته لمكب قمامة قريب , وهناك إكتشفت أعظم كنز في الدنيا . إكتشفت اللغة . بينما كنت أقلب الأشياء بدافع الفضول رأيت كتاباً ملوناً , فيه الكثير من الرسوم والحروف . رأيت فيه صورتي : ح.. حمار .

(ك.. كلب) أمسكت الكتاب بفمي على الفور وركضت به إلى مكاني الخاص في الزريبة وأخذت أنظر إلى صوره وبعدها بدأت أفهم معنى رموزه مثل (ن.. نمر ). بعد عدة شهور إستطعت فك الحرف وفهم اللغة أكثر .

وطلبت من الكلب أن يأتيني بأي كتب ملونة , كانت أصلاً ملك لروضة أطفال قررت التخلص من كتبها وأوراقها القديمة .

وأصبحت أقرأ الصحف التي ألتقطها من الطريق ولاحظ سيدي هذه العادة وأصبح يطلب من زبائنه الجرائد القديمة ويعطيني لها ويراقبني وأنا أقرأها صفحةً صفحة ً وموضوعا ً موضوعا ً.

لم يكن لسيدي أبناء رغم أنه يجعل إمرأته تعوي من النشوة في بعض ساعات النهار والليل خفت أن يحبني كأني إبن له فيصعب علي مفارقته .!

مرة أحضر لي الكلب كتاب جغرافيا فتعرفت أكثر على العالم وعلمت أين تقع هولندا وبماذا تشتهر . ولاحظ سيدي ذلك وأخذ يحضر لي من ما يتوفر من كتب عند زبائنه إستلافاً أو أخذاً . أظن بأن الناس كانوا يستغربون عندما تفوح من كتبهم رائحة البرسيم .

مرة جاء إلي بهدوء بعد أن سافرت زوجه لأهلها لقضاء فترة العيد . فقال لي : قل حاج عثمان . فأخذ الكلب يهز ذيله وينبح وكأنه يشجعني . كنت أفهم أنه يطلب مني أن أنطق إسمه . لم أفكر بأن أتكلم اللغة التي فهمت معناها ورموزها الصوتية , كانت فكرة أن أخاطب البشر فكرة مخيفة خفت أن أحدث كارثة للكون .

لكني توكلت على الحي الذي لا يموت ونطقت بصوت واضح : ح ح حا اا ج عسمان .

كاد عثمان يغمى عليه من هول الصدمة , وعانق الكلب فرحاً , وقال : كنت أعلم ذلك , وإمرأتي تتهمني بالجنون والخرف .!

أخذ عثمان يستغل فترة غياب زوجه ويدربني على الكلام في أوقات الفراغ , حتى أصبحت أتكلم معه بطلاقة أكثر , فعلمت منه بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب .

في أوقات العمل أخبرته بتعليقات الصحفيين : عن خطاب الرئيس . وعن آخر ما سوف تغنيه ندى القلعة من أغاني . وأخذ يشتري جريدة الدار وأشعر بالفزع وأنا أروي له قصص ذبح الحمير .

وكما أنني شاهدت بذهول جنود بشار الأسد يقتلون الحمير بالأسلحة الرشاشة . في قناة الجزيرة , وضحكت وأنا أشاهد (دونكي) في سلسلة أفلام شريك .

وما أجمل الحمير في روايات وقصص الطيب صالح . !

أصبحت زوج حاج عثمان تشعر بالفزع مني وتقول بأني شيطان رجيم , وأذكر مرة في رمضان أنها حزنت لأنها شربت الماء خطأ , فسمعت صوتي : أقول لها لا بأس بإمكانك مواصلة صوم هذا اليوم وقضائه بعد العيد .

وكادت تجن وإتفق معي عثمان أن لا أتحدث معها أو مع أحد غيره .

هل تعلم ؟ قصتي بإمكانها أن لا تنتهي كنت أحلم بأن أصبح مالكوم إكس الحمير , لكن الحل هو عندكم , وهو الإحسان والرحمة بنا نحن الحيوانات .

وصفت لحاج عثمان الأتان التي أحبها فذهب إلى سيدي السابق ووجدها تعيش بخير وقد أصبحت أما للأربعة من الحمير . قال رأيت : حماراً صغيراً يشبهك !

قلت له : إنه إبني ! سألني هل تريد أن تجتمع بهم .؟

قلت له : منذ أن تعلمت القراءة والكلام لم أعد حماراً أخشى أنني نسيت معنى أن أكون كذلك .

وها أنا أرى أتان حرة مثلي تتجول ( في الكوشة ) حولها الدجاج والغنم , فهززت ذيلي وإزدادت نبضات قلبي وأنا أجري إليها , وهي عندما رأتني دارت حول نفسها بفزع وصنعت غطاء من الغبار .

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

تعليق واحد

  1. era più azzeccato chiamarla ITALICUS noto attentato alla democrazia!

أضف تعليقاً