الرئيسية / احدث التدوينات / قصة قصيرة : الشافي

قصة قصيرة : الشافي

30743125_1655547834526399_5829047650543246692_n

الرابعة عصراً وقفت أمام البوابة الكبيرة للبرج الذي فيه عيادة الطبيب النفسي. ما دلني أحد عليه ، وإنما عرفته من اللوحة الكبيرة المعلقة. ترددت قليلاً بشأن فكرة الصعود ، وراجعت ما أملكه من النقود فوجدتهم ألفين ومائة وأربعين جنيهاً .. وقررت أن استشف بعض المعلومات عنه ، وسبيل ذلك هو أن أسأل حارس البرج .. الحارس ذو الجلباب والشارب والعمة ، بشكله المعهود.

– السلام عليكم .. حضرتك تعرف عيادة الدكتور حسان؟

– وعليكم السلام .. طبعاً عارفها ، أنت عاوز تعرف عنها إيه بالضبط؟

– كنت عاوز أعرف تمن الفيزيتا عنده؟

– لا .. ألف سلامة عليك .. شوف يا أستاذ ، اطلع ويكون معاك أكتر من ألف ونص

– معايا الألف ونص وزيادة .. شكراً جداً. 

بعد أن شكرته واتخذت سبيلي إلى هناك ، وقبل أن ابتعد عنه سمعته يهجيني بكلمات حادة ، فرجعت إليه لأستفهم منه ، فقال :

– عدم اللا مؤاخذة .. كيف معاك ألف ونص وحالتك النفسية تعبانة؟

– الفلوس مش كل حاجة ..

– معلوم .. الفلوس مش كل حاجة .. بس ايه قولك لو حد دلك على علاج مجاني؟

– معقول هتعرف العلاج بدون تشخيص؟

– ده علاج بتاع كله يا سعادة البيه .. أنت بس جرب

– طيب الحقني بيه!

– شوف يا أستاذ .. هناك مسجد كبير اسمه الاستقامة ، أنت ادخل صلي ركعتين وهتكون عال العال.

إن هذا العرض لا يرفضه إلا كافر ، وفي مدينتنا ليس من الحكمة إبداء كفرك وجحودك! ولذلك أكملت حواري معه ، وباسم الدين صار هو في منزلة أعلى مني .. سألته عن ضمان مفعول الفكرة ، فقال :

– روح بس أنت صلي ركعتين .. ولو بقيت تمام متنساش حلاوتي

– اوعدك لو بقيت كويس هدفعلك 500 جنيه .. بس افرض محصلش حاجة؟

– استغفر الله متقولش كده .. روح صلي ، دي حكمة ربنا سبحانه ، جعلني سبب شفاك ، وجعلك سبب رزقي.

واتخذت سبيلي فوراً نحو المسجد ، سوف أتوضأ ولا بد أن أتذكر خطوات الوضوء ، ومن الجيد أنني لم أزل أتذكر عدد الركعات في كل صلاة ، وبعض التفاصيل الأخرى التي تقربني لله .. ولكن حدث ما لم أكن أتوقعه أثناء عبوري الطريق إلى المسجد وأثناء تفادي السيارات. استوقفتني طفلة فقيرة ، شحاذة ابنة شحاذ كما يبدو ، ورفعت كفها الصغير نحو وجهي ، فلم استطع صمودا ، فأخرجت من جيبي المائة وأربعين جنيه وتبرعت بهم من أجلها .. تراقصت كالفراشات ، وراحت نحو سيدة تجلس على حافة الطريق لتشاركها فرحتها. أشارت الفتاة بإصبعها نحوي ، فقامت أمها التي كنت أظنها أمها ، وأقبلت نحوي.

في البدء ظننت أنها نوبة جشع واستغفال لرجل كريم وطيب مثلي ، ولكنها كانت تريد أن تشكرني.

كنت أظن أن العطاء أرقى أشكال المكر ، ولكن ما يحدث مني الآن ليس فيه أي مكر ، وربما يتمدد المكر سريعاً فيخفي آثار كل طيب.

عندما تورطت في إعصار من الإطراء ، لم أجد مخرجا إلا أن قلت لها :

– ده ربنا سبحانه جعلني سبب لرزقكم ، مش أكتر. 

– ونعم بالله يا أستاذ .. بس الشكر واجب ، أنت أصلك مش حاسس بالأزمة اللي فكتها علينا.

كان جحودي تجاه الله لسببين .. العلم أولاً ، ثم الحرمان الذي عشته .. لماذا أراني الآن مجبرا على أن أكون مؤمناً بالضرورة .. لأول مرة أجد في الإيمان مخرجا من عاصفة. صحيح أن عاصفة الإطراء محببة للإنسان ، ولكن الإيمان أنقذني منها.

ومددت يدي وسلمت على المرأة ، التي قالت أن الطفلة أختها وليست ابنتها .. كانت أطرافها دافئة وحانية ، ووددت لو أني أقبلها وأشكرها على حفنة السعادة المجانية .. لا يمكن أن تكون تلك السعادة بثمن مائة وأربعون جنيه ، ولا بد أنني على صواب إذ أظن أن المال ليس هو السعادة.

لم أذهب إلى المسجد ، ولن أصعد إلى الطبيب .. وإنما ذهبت إلى حارس البرج وشكرته على فكرته ، ونفذت الاتفاق الذي كان بيننا.

اتخذت سبيلي نحو حياة أخرى ، حقا وبكل صدق أشعر أنني أعيش حياة أخرى ، ويكأن تلك الدقائق بمثابة بوابة العبور إلى النهار.

وابتعدت شيئاً فشيئاً عن الحارس ، وعبارته يتردد صداها في أذني ، إذ يقول :

– ألف حمد وشكر ليك يارب .. صدق الله العظيم .. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا.

عن رجب منى السيد

mm
قاص من مصر