الرئيسية / العدد الرابع عشر / قصة قصيرة : فنتازيا بصر “مضوي” ..!

قصة قصيرة : فنتازيا بصر “مضوي” ..!

Can-You-See-Me-Now_001

إبراهيم جعفر :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

ﺍﻟﻌﻴﻮﻥ ﻟﻴﺴﺖ ﻫﻨﺎ ..

ولا الإبصار هنا ،

وﻻ يوجد ﻓﻲ ﻭﺍﺩﻱ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺍﻟﻬﺎﻟﻜﺔ سوى النجوم الهالكة ،

فهذﺍ ﺍﻟﻮﺍﺩﻱ أﺟﻮﻑ ..

وﻫﺬه ﺍﻟﻔﻚّ ﺍلمهشمة هي كل مماﻟﻜﻨﺎ ﺍﻟﻀﺎﺋﻌﺔ ..)

ت. س. إليوت

**

         يبدو الأمر مضحكاً نوعاً ما ، وضد كل قوانين الفيزياء والطب والعلوم التجريبية والماورائيات ، ولا يمكن حتى للعقل البشري ، مهما كانت قدراته ، من الوصول لفهم صريح وواضح لما يجري لبصر “مضوي” من أحداث غريبة … لكنه حقيقي ، فتماماً كما يكون لبعض الناس أنوف معقوفة وحادة ، ولبعضهم ظهور محدودبة وغير سوية ، ولآخرين كثر سيقان قابلة للطي دون أن تتهشم .. وإلى ما لا نهاية من الهبات .. كان لمضوي ، ببساطة ، بصراً ملتوياً !

      أول تاريخ لاكتشاف الظاهرة – إن صح لنا تسمية التواء البصر ظاهرة – كان قبل سبع سنين ، عندما انتبه مضوي لفتاة عادية تعبر الشارع .. ولسبب مبهم ، فلنقل مراهقة متأخرة ، وقع أسير غرامها ، وأكن لها ولهاً صادقاً ، ودون أي حياء وجد نفسه يتبعها كما يتبع دوارُ الشمسِ الشمسَ ، وراح يهرول وراءها في الطرقات والأزقة ، وينعطف معها يمنة ويسرة .. وعندما كانت تسرع الخطى محاولة الإفلات منه متعمدة الدخول في أكثر الأماكن ازدحاماً وضيقاً ، كان هو بدوره يجد سبيله إليها ، ويعاود ملاحقتها كظل لا يتعب. واستمرت المطاردة لعدة ساعات ، إلى أن ولجت الفتاة أخيراً عبر بوابة منزلها وأوصدتها خلفها .. حينها وقف مضوي عاجزاً تماماً ، وباءت كل محاولاته بالفشل ، فقد طرق الباب بكلتي يديه حتى تورمتا ولم يفتح له أحد ، واجتهد مرتين لكي يقفز من فوق السور إلا أنه كان عالياً ومترساً ضد اللصوص .. وقبل أن يصيبه الإحباط ويرجع بخفي حنين ، فكر لو أن باستطاعته تطويع بصره ليجعله يميل من أعلى الحائط ، ثم يدور كأفعى في فناء البيت ، إلى أن يصل الغرفة التي تحتمي بداخلها محبوبته ، فينفذ إليها عبر كوة الشباك ، ليتلصص على فتنة الجسد المستلقي فوق الأريكة .. ولمّا جرب ذلك – فقط من باب التجريب ، ونظر فعلياً إلى جمال قوامها المتسق ، وحدقتي عينيها الناعستين ، وتأمل مطولاً انحناء الابتسامة في شفتيها ، وخصلات الشعر البني المسترسل  … لم يتمالك مضوي نفسه ، وغاب فوراً عن الوعي !

 

            في الأسبوع الأول كان الأرق هو الشيء الوحيد البادي على مضوي ، وعندما حاول أن يدرك ما جرى له أمام بيت المحبوبة لم يتوصل لتفسير معين .. وأعتقد بأنه قد جن جنون العشق ، ولأنه يؤمن أيضاً بوجود الشياطين ، ظن أنه ربما يكون من فعلها ، فبدأ يتلو الأوراد والأذكار ، واحتسى الماء المنقوع “بالبخرات” و”المحايات” ، وبالتدريج نسِي الأمر برمته ، واستعاد إيقاع حياته الرتيب … لكن بعد مضي أسابيع أخرى ، وبينما كان مضوي طريح فراشه على وشك النوم .. تناهى إلى سمعه قرع بابٍ خفيف ، فمد رأسه تلقائياً ونظر عبر النافذة ، ثم حنى بصره بزاوية حادة من الشق أسفل الباب وأداره قليلاً ليتعرف إلى هوية الطارق ، والذي كان “سيد الإجار” .. فعبس وجه  مضوي بتكشيرة ، ولم يكلف نفسه عناء النهوض ، بل انقلب على يمينه ونام …

       في الصباح ، بعد أن تيقن من استحالة أن يكون ما حدث له مجرد حلم .. اعترته نوبات الفزع والحمى ، وعمد مباشرة إلى طبيب نفسي وصف له دواءً نفسياً ، تبين لاحقاً عدم نجاعته ، فقصد طبيب عيون مختص ، ورغم غرابة الشكوى – أن يلتوي بصر أحدهم – فقد أخذها الطبيب محمل الجد ، وأخضع عيني مضوي لجميع الفحوصات الممكنة التي بينت أن هنالك ارتخاءً طفيفاً في عضلات العين اليسرى ، وقصر نظر متوسط يمكن معالجته بواسطة نظارة طبية ذات عدسات مقعرة ، وفي ما يختص بالظاهرة الغريبة فقد أجرى له الدكتور اختباراً تمثيلياً ، وطلب منه أن يخبره بما يوجد في الغرف المجاورة .. ولأن مضوي لم يكن بعد متمكناً على ترويض بصره فقد فشل ، واقتنع محرجاً بأن لا يذهب إلى أي طبيب بعد اليوم .!

          خلال السنة الأولى خسر مضوي نصف وزنه تقريباً ، وتغيرت تبعاً لذلك ملامح وجهه وسحنته ، ولأنه كان لا يزال يرى بطريقة مختلفة ، وتراوده الظواهر من حين لآخر ، فقد حسبه الناس مجنوناً  .. كان مضوي يقضي جل وقته في قراءة الكتب الفيزيائية والمعرفية ، وقرأ خلال زمن وجيز كل ما يتعلق بجزيئات الضوء والموجات ، وحركتها في الزمان والمكان ، وعبر الحوائل والفراغ ، ودرس بشيء من التفصيل ظاهرتي الانعكاس والانكسار ..  ولما قاده ذلك إلى مزيد من التشتت ، شرع ينكب على مبادئ المكانيكا الكمية والكهرومغنطيسية ، وأسس الفيزياء الإشعاعية والحرارية ، وحصل على معرفة لا بأس بها بمصطلحات حيود الضوء وزيغه واستقطابه ، لكنه كان مايزال يجهل معنى الشيء الأهم ؛ التواء البصر … كان أهله قد سلّموا منذ أمد بجنونه فتركوه واختفوا ، وسدوا دونه أبوابهم .. كما قام سيد الإيجار بطرده من الغرفة باستخدام الشرطة ، ليس فقط بسبب المتأخرات ، لكن أيضاً لشكله المخيف ، وملابسه الرثة ، ولحيته الطويلة المجعدة … لكن مضوي لم يكن يأبه للمضايقات ، كأنها لا تعنيه ، بل راح يستخدم أسلوب المنهج العلمي الذي اكتسبه لتطبيقه على الظواهر الغريبة ..

         إن أكبر عائق جابه مضوي في سبيل دراسة التواء البصر ، هو حدوثها لا إرادياً ، ولفترة زمنية محدودة ، مما صعب أمر تتبعها .. واحتاج لوقت طويل جداً لكي يصل فقط إلى نتائج أولية ، حيث بالكاد خلص إلى أن الظاهرة تحدث بناءً على أوامر من عقله اللا واعي وفي ظروف نفسية مضطربه ؛ كمشاعر الحب والكره وتقلبات ما قبل النوم .. ولأن هذه الظروف غير عملية ولا يمكن التحكم بها ، فقد انخرط في برنامج تدريب مكثف ليربط لحظة حدوثها مع الاضطرابات العضوية ؛ كالجوع والعطش وامتلاء المثانة والألم الناتج عن لسعات النمل ، واستطاع كذلك احداثها مع الإحساس بالبرودة المفرطة والإجهاد ، ومن خلال التحكم في هذه العوامل ، تمكن فعلياً من السيطرة على وقت نشوء الالتواء …

       استنتج مضوي أن هذه الظاهرة منافية للمنطق ، فالضوء المنعكس من الجسم هو الذي تستقبله العين وليس العكس .. وافترض مجازاً أن هنالك تدخالاً ما يتيح للموجات حمل الصورة عند الالتواءات ، وإلا كيف بإمكان كل ذلك أن يحدث ؟! كان مضوي قد لاحظ أن التواء البصر مقصور على عمل ثلاث ثنيات متوالية  ، على طول ثلاثين متراً فقط .. ولاحظ أيضاً أن الصورة المتكونة لديه دائماً ما تكون تخيلية مقلوبة ومتغيرة في حجمها ، وهذا بعدد الانحناءات .. ووجد أن هنالك تبايناً واضحاً بين الأماكن المضيئة والمظلمة ، وحالة الطقس العامة ، فأفضل ما يكون عليه الانحناء هو خلال الجو البارد … كما درس مضوي ، بكثب ، التغيرات الفسيولوجية التي تصاحب الظاهرة ، من انخفاض في مستوى الضغط والسكر ، وما يترتب عليه من فتور وآلام حادة عند أطراف العين والرأس .. تُقلص الفترة الزمنية المتاحة للاتواء البصري إلى دقيقتين ، وإلا فإنه سيكون معرضاً لفقدان الوعي ، وربما الوفاة ..!

          في بادئ الأمر لم يكن الالتواء دقيقاً ، حيث ظل يخطئ في أحايين كثيرة الاتجاه ، ويصطدم بالحواجز التي يفترض به أن يتخطاها ، مما يتسبب بالعمى المؤقت ؛ تخيل الصدمة الناتجة عن ارتطام بسرعة الضوء والتلف الذي قد يحصل منها .! لذلك بدأ مضوي تدريباته في الأماكن الخالية ، ثم رقى مهراته مستخدماً حائطاً قصيراً ليمرر بصره من فوقه ، واستمر يتدرج حتى بات بإمكانه إدخال بصره عبر ثقوب بحجم قبضة اليد دون أي ممانعة .. وكان كل ما يتطلبه ذلك هو أن يطرف بعينه حتى يلتوي بصره…!

 

         في السنتين التاليتين استعاد مضوي شكله ووزنه ، واستعان بمميزات بصره الفريدة في عدة وظائف شرعية وغير شرعية ، كللت بالنجاح .. كان يتجسس على الناس ليعلم أسرارهم وخباياهم ، فيبتزهم  بها ، وكان يسرق منهم أثمن الأشياء دون أن يترك وراءه أثر .. وحين دخل السوق كون اسماً تجارياً تستحيل منافسته ، ورويداً رويداً وجد أن جميع أهله عادوا لزيارته في سكنته الجديدة ، والتفوا من حوله يدعونه لحضور أفراحهم وأتراحهم ، وزوجوه من فتاة أحلامه التي هام بها ، وانتخبوه بالإتفاق نائباً برلمانياً لمنطقتهم ، كما وأطلقوا اسم “مضوي” على كل مواليد تلك السنة .. وشجعه هذا ليقدم على أساليب بصرية قذرة مليئة بالوشايات ، ليصبح مستشاراً للرئيس ، ثم نائباً أولاً له …

            خلال كل هذه الفترة لم يكن مضوي ينظر لنفسه على أنه إنسان خارق ، وإنما مجرد وضيع عاهر يتلصص على الناس .. فهو لا يستطيع أبداً ، مهما حدق ، اختراق الجدران أو النفاذ عبر جزيئات المادة .. وإنما يظل يلتف كشيء تافه من حولها ، وكان هذا يؤنبه أشد ما تأنيب ، ويشعل فيه نيران الغضب ، وبالرغم من أنه بات الآن الرجل الأول على طول البلاد وعرضها ، واضعاً الرئيس كإمعة في جيبه ، إلا أنه داوم على الشعور بالنقص ..!

(مضوي ، يقترح تغير الدستور بما يسمح بوجود المنافذ) .. (الزعيم مضوي ، يصدق لمنح كوة لكل بيت وينال حب الجماهير) .. (فخامة زعيمنا ، يطالب المعارضة بعدم الاجتماع في المكاتب المصمتة) .. (مضوي ، ووفقاً لرأي الشعب : رئيساً للجمهورية)

      هذا كله لم يؤدِ بمضوي سوى لمزيد من الشعور بالضعف والقصور ، وبالتالي إلى مزيد من الفرمانات الرئاسية ؛ دورة مفرغة .. ومع أنه كان يسترق النظر عشوائياً ، ويشاهد الابتسامة في وجوه مناصرية ،  وعلامات الرضى ، إلا أنه كان يصدر حكماً بالإعدام ضد أي تجهم غير مُعلل !

            نجح مضوي ، في أيام حكمه الأولى ، أن يفرض نفسه على الناس .. وقام فوراً بإلغاء التعددية الحزبية لينشئ ما يسمى بحزب النُظّار الوطني -العضو الواحد فيه يدعى “نظارة”. وبعد أن كسب ودّ المعارضة الصورية ومشايخ الدين ، مكن لرجاله “النظّارين” أن يُغلغِلوا جذورهم عميقاً ويتحكموا في مفاصل الدولة .. كما أنه قمع الحريات بحجة إعلان حالة الطوارئ ، ولما ظهرت بوادر احتجاجات سرية أبادها في حينها وزج بالمتورطين في السجون ومعتقلات التعذيب .. كانت البلاد تنحدر نحو قاع سحيق ، وبالرغم من تفشي الفساد – بالطبع لا يمكن لمضوي أن يرى كل شيء – وارتفاع البطالة وتراكم الديون والحصر الإقتصادي ، إلا أن الشغل الشاغل كان الارتقاء بمستوى معيشة النظّارين وحسب ، وتأهيلهم لقود المواطن من رسنه .

         كان مضوي قد كشف لأعضاء حزبه الثقات كيفية التواء البصر ، ونجح بالفعل بعض “النظّارات” الانتهازيين من لوي عنان بصرهم مرة أو أثنتين ، وبالتالي تم ترتيبهم في الحزب ، وتحديد المهام ، كل على مهارته وسرعته في التعلم ، لكن بالتأكيد لم يصل أحد لمستوى قدرة الزعيم قط … صارت البلاد الآن ، بكاملها ، تحت قبضة يد حديدية ، حيث المواطنون لا يمكنهم إلا التسليم والخنوع للأمر الواقع ، وهذا قطعاً أعجب مضوي وقلل من حدة خشيته للناس ، واستكانته للتملقات وظواهر الأشياء..!

      عندما قامت الثورة الشعبية ضد أبشع نظام استبدادي عرفه التاريخ ، ولا أحد يعلم من أين وكيف !  وشاهد مضوي بأم بصره الملتوي مقدار الحقد والكره الدفينين ، حتى من قِبل أكثر أتباعه النُظّار ولاءً .. تبلد في مكانه ولم يفر ، وتنازعته موجات الوهن والمهانة .. وقبل إن يتم الإمساك به وسحَله ، أخذ سكيناً وفقع بها عينيه .. ذلك لأنهما لم تجعلاه يرى يوماً سوى الوهم

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .

أضف تعليقاً