الرئيسية / العدد الخامس والعشرون / قصتي مع علم النفس..

قصتي مع علم النفس..

Studies_on_Hysteria,_German_edition

أحمد يوسف :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

لا زلتُ أذكر حتى اليوم أول مرة وقعتْ فيها يدي على إحدى كتب علم النفس .. كان هذا قبل حواليّ عشر سنوات .. ذات أمسية صيفية هادئة .. كان مخزوني من كُتب سلسلة ما وراء الطبيعة و رجل المستحيل و روايات أجاثا كريستي قد نَفد .. فشرعت أبحث مضطراً عن أي شيء يُمكن قراءته ، أي كلمات تمتلك الجرأة الكافية لقتل الوقت .. و عندها وجدتُه ، كتاب قديم مُغبر في الرّف الخلفيّ من المكتبة ، غلاف بالٍّ و صفحات صفراء تكاد تكون بُنيّة ..

 إسم الكتاب كان “دراسات في الهيستيريا” لسيغموند فرويد و بروير .. كلمة الهيستيريا مكتوبة بخط أصفر كبير في منتصف الغلاف ، و في الخلفية رسْم لوجه إمرأة بعينين مذعورتين فيهما ضياع غريب ، و فمها منفرج عن أسنان كبيرة متباعدة .. إستعذت بالله من الشيطان الرجيم و بدأت في تقليب صفحات الكتاب .. المقدمة كانت طويلة و مملة ، إجتزتها بصعوبة و أنا أهم بإلقاء الكتاب جانباً مع كل ورقة جديدة أقلبها .. بداية الكتاب لم تكن أحسن حالاً كذلك ، كان الأمر أشبه بمحاولة فك طلاسم شفرة معقدة .. كلمات غريبة غامضة يصعب نطقها و إبتلاعها ناهيك عن فهمها ، يبعثرها الكاتب بكثافة على الصفحات ، حتى لتجد خمس منها في سطر واحد ، ترقد هناك بهدوء مستفز متحديةً إياك أن تفهمها .. اللبيدو_ الكبت العُصابي _ شيزوفرينيا _ اللاشعور _ القبلشعور _ الأنا العليا _ نكوص _ هوس أُحادي _ بارانويا _ كتاتونية _ الإيروس _ الثاناتوس و غيرها الكثير الكثير ، كلمات لزجة مستفزة ، كُتبت خصيصاً لتوضح لك كم أنك جاهل و سطحي لا تفهم شيئاً .. كدت أفقد الأمل حينها ، و بدأت أفكر جدياً في إلقاء الكتاب بعد تمزيقه و حرقه في تشفٍّ ..

 و لكن ، و بعد عدة صفحات أخرى صبّرني عليها فضولي ، حدث ما أظل أذكر سحره حتى اليوم .. إذ أنني ، و للحظات ، متجاوزاً حدود الزمان و المكان ، وجدت نفسي داخل غرفة مكتب فرويد في النمسا في أواخر القرن التاسع عشر ، الغرفة تختنق بدخان غليونه ، و فرويد مُنكّب على أوراقه و مراجعه يسبر أغوارها كما يسبر أغوار النفس البشرية .. شهدتُ إحدى جلسات التداعي الحُر التي كان يعالج بها فرويد مرضاه ، و توحدتُ معهم .. سمعت أنينهم و صراخهم ، أحسست بمخاوفهم المكبوته منذ الطفولة ، رغباتهم و وساوسهم ، ذُهلت من إنفصالهم عن الواقع ، و الزوايا التي ينظرون بها إليه و التي لم تخطر ببالي من قبل قط .. إنجرفت مع تلك اللحظات المسروقة ، تشرّبتها ، و لم أعد للواقع إلا مع نهاية الكتاب .. عُدت و قد تعرفت على عالم جديد كليّاً ، عالم مثير و مُدهش أكثر من كتب رجل المستحيل .. معقد و متشابك أكثر من روايات أجاثا كريستي .. عالم قابع داخل أيّ واحد فينا .. حرب ضروس مستعرة منذ الأزل بدواخلنا .. قصر مليء بالغرف و الدهاليز ، و الكثير من الغرف مغلقة و مُحرّمة و الدهاليز مهجورة و موحشة .. كان ذلك العالم هو علم النفس ..

صرت مهووساً بعد ذلك بعلم النفس .. قرأت الكتاب تلو الكتاب ، و البحث تلو البحث .. و الحقيقة أنني لم أكن مهتماً بالعلم نفسه بقدر إهتمامي بأن أرى آثاره من حولي ، كنت أود تذوق الأكلة الناتجة عن وصفة الطبخ تلك ، وددت أن أرى ذلك اللاشعور و الآليات الدفاعية ، الشيزوفرينيا و جنون الإضطهاد فيمن حولي .. و كان الأمر مخيّباً للآمال في البداية .. فقد ظل الناس في عينيّ كما هم .. يأكلون و يشربون و ينامون ، يستيقظون صباحاً ليناموا عند آخر اليوم ، و ما بين ذلك كثير من الثرثرة و التفاهة .. لم أستطع رؤية الوساوس القهرية و العُقد المكبوتة تزحف فوق ملامحهم كما كنت آمل ، و بدأت أفقد إيماني بعلم النفس ..

و لكن مع مرور الأيام و السنوات بدأت الصورة الكاملة تتضح أمامي و تتكوّن ملامحها .. صار البشر في عينيّ _حتى أنا_ عبارة عن غسّالات أوتوماتيكية ، و أنا أملك الكتالوج .. الكتالوج الذي يخبرني بما يوجد داخل جوف أي غسّالة ، لماذا إضطرب أداء هذه ، و لماذا ثارت تلك و إنفجرت .. بل حتى أنه يتيح لي التنبؤ أحياناً متى ستلفظ إحدى الغسالات بما ظلت تكبته في جوفها لمدة طويلة و متى ستهمد أخرى و تتوقف عن العمل … الأشياء في عينيّ لم تَعُد هي الأشياء ..

_الحُب لم يعُد ذلك الشعور الغامض الذي يدفئني ليلاً و يجعلني أرتعش عندما يُذكر إسمها ، فهو في الحقيقة لا يعدو أن يكون سوى خدعة تطوّرية أخرى و مشاعر جاهزة أسقطها على أقرب فتاة ملائمة ..

_هي لم تَعُد في نظري ذلك الملاك النقيّ الذي يُفني عمره في العمل الطوعي ، فالأرجح أنها تفعل ذلك كتطبيق لا شعوري لآلية التسامي و الإعلاء بتوجيه الطاقة اللبدية المكبوتة نحو مسلك مقبول إجتماعياً ..

_هو لم يَكن يقصد ما قاله عنّي من صفات مشينة ، بل كان في الحقيقة يتبع أشهر الميكانيزمات الدفاعية فقط كمهرب ، ميكانزم الإسقاط بأسقاط ما لا يعجبه في شخصيته على الآخر..

_من يدافع عن النظام الحاكم و يتعاطف معه رغم ظلمه و إستبداده هو ليس وغداً حقيراً تجب مقاطعته إجتماعياً ، بل الراجح أنه مُصاب بمتلازمة ستوكهولم حيث تتعلق الضحيّة عاطفيّاً بالجاني و تخاف التغيير ..

_هي ليست جميلة أو مُميزة للحد الذي يجعل الكُل يتكلم عنها ، بل إنهم فقط ببساطة يُطبّقون لاشعوريّاً سيكولوجية النُخبة و الجماهير ، حيث لا بُد من خلق طبقة من النُخب مهما كانت تفاهة الوسط ، بتأثير العقل الجمعي العام ..

_أنا لا أحنّ لذكرياتي معها لأني كُنت أحبها أو لعُمق ما كان بيننا ، بل أنا أهرب من واقعي الحاليّ بآلية النكوص ، و أحتمي بذكريات أوقات عاطفية و إشباع غرزي لأشعر بالأمان .. و هكذا

و لن أكذب و أقول أن هذا الأمر ممتع و مفيد طِوال الوقت .. فعلم النفس لا يزيدك سعادةً في الحقيقة ، و لا يمنع المآسي من الوقوع .. بل هو يُمدّك بنشوة التصالح مع المآسي و فهم أسباب وقوعها .. يجرّد الأحداث من الغُربة و الدهشة الأولى ، ليقدمها لك في شكل نظريات و حقائق مُسلم بها .. ينزع عن المشاعر و الأفعال الطابع الإنفعالي ليعريها لك ، فتنتبه لكل التفاصيل.. فأنا لا أذكر متى كانت آخر مرة أحسست فيها بعمق ! لم أعد أجد مبرراً للغضب أو الإستياء أو التفاجئ_حتى أن بعض من حولي إشتكوا من ذلك_ فمبدأ الحتمية النفسية لا يترك لك مجالاً لذلك ، و هو يقول بأن لكل شئ سبب ، لكل شعور و لكل زلّة أو هفوة لسان ، و أن كل مؤثِّر لا بد و أن تظهر له إستجابة عاجلاً أم آجلاً .. ما كان يحدث ببساطة هو أن الأشياء كانت تتجرد و تتفكك و تتحلل ، بصورة بشعة تشبه تحلل جثة بشرية ..

لحظات الإدراك كانت مؤلمة … تلك اللحظات حين تنزع نفسك من إطار الصورة التي كنت تعيش بداخلها و تتأملها من الخارج قليلاً ثم تعود للإنغماس فيها _مضطراً_ مرة أخرى … حين تُدرك أن الألم هو أصلُ كل ميلاد … و أن الحزن أعمق و أنضج بمراحل من السعادة السطحيّة الساذجة … و أن إن كان هنالك ثمة ما يحكم هذه الحياة فلا بد أن يكون التكرار ، التكرار المقيت و الأزليّ … كل جملة قيلت من قبل ، كل مشهد حدث ، كل إبتسامة ابتسمت من قبل ، كل ألم يذكرك بآخر ، و ما حياة الإنسان سوى سلسلة من التكرار المحموم العبثيّ بهدف تحقيق الموت في النهاية …

 نحن لسنا أنقياء قريبو الشبه بالملائكة كما نوّد أن نظن ، بل نحن العكس تماماً في الحقيقة ، و كل عمل خيّر ، كل منح و بذل ، يعود ذلك في الحقيقة لجذور نرجسية محضة … المرض النفسي أقرب مما نظن ، هو يختبئ تحت السرير ، يتوارى خلف الباب ، و يتربّص بنا عبر خصاص النافذة ، و عقولنا هشّة للغاية ، تكفي صدمة واحدة لا يتم التكيّف معها جيّداً و ستسمع الكراسي تتحدث إليك بعد ذلك ، و الثلاجة تئز مناديةً بأسمك … لم أشبع بعد من علم النفس و لا أظن أني سأكتفي يوماً ، فرغم كل شيء كان علم النفس هو ما جعلني أرى البشاعة بتفاصيلها الدقيقة داخل كل إنسان، و الأهم من ذلك أنه جعلني أرى البشاعة التي تعشش بداخلي أنا أيضاً ..

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

4 تعليقات

  1. Good ?I should certainly pronounce, impressed with your site. I had no trouble navigating through all tabs and related info ended up being truly easy to do to access. I recently found what I hoped for before you know it in the least. Quite unusual. Is likely to appreciate it for those who add forums or anything, site theme . a tones way for your client to communicate. Excellent task.

  2. Irrrve never at this point obtained our Louis Vuitton outlet but when when i draw my girlftriend Louis Vuitton outlet i actually couldnt are more contented cant hang on for getting mine!

  3. i bring lace frontal https://www.youtube.com/watch?v=ny8rUpI_98I in the wintertime.They are rather vogue as well as great.All to easy to enhance, and never so excellent utilizing soaked floor.

  4. And this number makes sure to grow very promptly as Google is making a Google+ account necessary for all Gmail individuals.

أضف تعليقاً