الرئيسية / احدث التدوينات / قصص مناهضة الإستعلاء حول العالم (4): بلاد المشانق

قصص مناهضة الإستعلاء حول العالم (4): بلاد المشانق

مشانق

بقلم: رهام حبيب الله

      موطن لواحدة من أقدم الحضارات في العالم، يرجح أنها تعود إلى 4000 قبل الميلاد، أثرت العالم قديماً بالفلسفه والأدب والطب والفلك، واليوم تحتل مركزاً هاماً في أمن الطاقة الدولية والإقتصاد العالمي؛ حيث يوجد بها ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم، ورابع أكبر احتياطي مؤكد من النفط، ستكون الجمهورية الإسلامية الإيرانيه نموذجي لهذا المقال.

إيران بلاد فارس:

     إيران واحدة من الدول التي يعترف دستورها بالتعددية القومية، فلم يحدث على مر التاريخ أن سكنها شعب موحد اللغة والثقافة إطلاقاً، ففي إيران اليوم أكثر من 110لغة، كما يعتنق شعبها ديانات عديده، ولكن حتى نتحصل على لمحة واضحة لتكوين الشعب الإيراني، يمكننا تقسيم الأقليات إلى:

     الأقليات العرقية: حيث يشكل الفرس 51 %، والآذريين (أتراك) 24 %، والجيلاك والمازندرانيون 8 %، والأكراد 7 %، والعرب 3 %، واللور 2 %، والبلوش 2 %، والتركمان 2 %، وأعراق أخرى 1%.

     الأقليات الدينيه: يعتنق 95-98% الدين الإسلامي (89% منهم شيعه وحوالي8% سنه)، 2% جماعات إسلاميه اخرى، 2% غير مسلمون يتقسمون إلى 35.5% بهائيون، 35.5% نصارى 25% جماعات دينيه أخرى مثل اليهود، والصائبه المندائيون (اتباع النبي يحي بن ذكريا)، المجوس والبرسانيون والأيزيديون.

     جغرافياً: يسكن الفرس في المحافظات المركزية والشرقية، والأتراك الأذريين في محافظات أذربيجان الشرقية والغربية وأردبيل وزنجان، والأتراك القشقائيين في محافظة فارس، والأكراد في محافظات كردستان وأذربيجان الغربية وكرمنشاه وإيلام، والعرب في محافظات خوزستان/ الأهواز وإيلام والجزر والموانئ الشمالية للخليج، كما يقطن البلوش، محافظة سيستان وبلوشستان، والتركمان في محافظة غولستان. )رغم أن هذه المناطق غير مغلقه تماماً على هذه القوميات، لكن هذه الطريقة في التقسيم ستعطي لمحة واضحة عن نمو هذة القطاعات). رغم هذا الثراء التنوعي إلا أن إيران دوله ثيوقراطيه شيعية متمركزة فارسياً، تهمش فيها الأقليات الدينية غير الشيعية والقومية غير الفارسية.

تمييز ممهنج:

     كان إنبثاق حكم السلالة الصفوية عام 1501، والتي جعلت المذهب الشيعي الجعفري المذهب الرسمي لإمبراطوريتهم نقطة تحول مهمة في التاريخ الإيراني والإسلامي، فمنذ ذلك الحين عملت الدوله على تفريس وتشييع الشعب الإيراني؛ بتذويب كل القوميات الأخرى داخل القومية الفارسيه الشيعيه، أعقب ذلك مايعرف بالثورة الأسلاميه عام 1979 التي قلبت النظام العلماني في الإمبراطوريه الفارسيه إلى دولة إسلامية شيعية قائمة على ولاية الفقيه. من الناحية القانونية يثبت الدستور الإيراني في المادة ال12 أن (الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثنا عشري، وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير)، ويلزم في المادة 121 رئيس الدولة بحماية هذا المذهب بكافة الوسائل، مما يعني إقصاء لمشاركة المكونات الأخرى للمجتمع الإيراني، في حين تنص المادة 19 على عدم التمييز بين الإيرانيين على أساس عرقي.

     رغم أن جميع  الأقليات تعاني اللاتكافؤ في الفرص، والتمييز القومي في جميع اﻟﻤﺠالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك تقييد الوصول إلى المرافق الأساسية مثل الأراضي، والسكن، والمياه، والصرف الصحي، ومصادرة الممتلكات، والحرمان من الخدمات العامة، والحق في العمل في القطاع العام وشبه العام، ولكن حدة التمييز واتساعه ليست متشاﺑﻬه بين القوميات المختلفة، وإن لهذا الأمر بالطبع  أسبابه التاريخية والجغرافية والاجتماعية .فعلى سبيل المثال:

  • أقليات مثل الزرداشتية، واليهودية، والمسيحية لها أشخاص يمثلونها في البرلمان الإيراني ويدافعون عن قضاياها؛ مما يجعلها أقل مواجهة مع الدولة، بينما يعاني أفراد الطائفه البهائيه سياسة واضحة تجاههم يغلب عليها الطرد والإبعاد، بالإضافة إلى حرمانهم من التحصيل الدراسي والتوظيف.

  • إيران التي ينص دستورها في المادة 15و19 على حق الأقليات في إستعمال اللغة والثقافة تصادر الصحف الناطقة بالكردية، كما تغلق رياض الأطفال التي تستخدم اللغه الكردية ويجرم رؤسائها. اندلع صراع مسلح بين الأكراد والحكومة الايرانية عام 1982، دمرت على إثره القوات الحكومية 271 قرية كردية.

  • كما يعاني الأفراد من الأقليات ممن لا يجيدون اللغة الفارسية (اللغة الرسمية) الحرمان أمام نظام العدالة الجنائية، وتعاني النساء والفتيات من البلوش مشاكل في الوصول للخدمات الصحية وقطاع التعليم.

  • وتعد محافظه سيستان- بلوشستان التي يعيش فيها أغلبية أقلية البلوش المحافظة الأكثر فقراً وحرماناً في إيران، وتحتل أسوأ المؤشرات من حيث متوسط العمر المتوقع ومحو أمية الكبار، ومعدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية، والحصول على المياه الصالحة والصرف الصحي، ووفيات الرضع والأطفال.

  • وتواجه الأقلية العربية التهميش التاريخي والتمييز الذي يتخذ أشكالاً مختلفة، بما في ذلك القيود المفروضة على الحصول على فرص العمل، في السكن اللائق، والخدمات الاجتماعية، والتعليم، وإنكار حقهم في المشاركة في النشاطات الثقافية. ومثال على هذه الانتهاكات ما قامت به الدولة بين عامي 2004 و2006 من مصادرة لأكثر من 200,000 هكتار من الأراضي التي تقطنها الأقلية العربية، بما يندرج تحت مسمى الإخلاء القسري الذي يحرمه القانون الدولي لحقوق الإنسان.

  • أما الأقلية التي تعاني الأوضاع الأسوأ علي الإطلاق فهي الأقليه السنيه، رغم أنهم بحسب الإحصاءات في تزايد مستمر، فقد بلغت نسبتهم في أحد التقارير الحديثه 20 -28% من الشعب الأيراني أي 14 – 19مليون مسلم، وهم بذلك أكبر أقليه مذهبية في العالم، وهم مقسمون إلى العرقيات الرئيسية الثلاث: الأكراد والبلوش والتركمان، إضافة إلى العرب بإقليم خوزستان. في إيران – التي كانت تنتمي إلى المذهب السني حتى القرن العاشر الهجري – يعتبر السنة اليوم كفاراً يستحل دماؤهم، ولا يوجد في طهران – وسائر المدن الكبيرة – مسجداً واحداً لأهل السنة، في حين يوجد بها معبد ذرادشتياً، ومزاراً لأبو لؤلؤه قاتل عمر بن الخطاب. ويزيد الفقر والحرمان من الوظائف الحكومية وغيرها من أشكال الأضطهاد للأقليات الإيرانية وطأة ضد طائفة السنة.

المقاومة:

      حاولت الأقليات منذ عقود عديده مقاومة الاضطهاد، فعلى سبيل المثال أقام الشعب التركي الأذري (يُقدر عدد أبناءها اليوم بنحو 35 مليون نسمة من أصل 78.5 مليون نسمه هم سكان إيران) في 1945 حكومة تتمتع بحكم ذاتي بقيادة جعفر بيشهوري، لكن الجيش قضى عليها بعد عام من إقامتها، وحرق الكتب التركية، وقتل وأعدم الآلاف من أبناء هذا الشعب.

     بينما تأخذ معظم أشكال المقاومة مظاهرات سلمية، انتهجت بعض الحركات طريقاً مسلحاً مثل تنظيم “جند الله” الجناح المسلح ل”حركة المقاومة الشعبيه” التي تدافع عن الأقليه السنية والتي أعلنت الحكومة أنها جماعة إرهابيه. أما عرب الأحواز فقد عرفت في عهود سابقه العديد من الحركات النضالية وما يقارب ال15 حزب أو تنظيم سياسي، لكنها قوبلت بالقمع الشديد من الحكومة بعد إعلان الجمهورية الإسلامية، فتشكلت ثلاثة تيارات للمقاومة الأحوازية. يرى أصحاب التيار الأول ضرورة تبني اسلوب المقاومة العسكرية والسياسية حتى الوصول للتحرير وانفصال الأحواز عن إيران، بينما ترى الجماعات المعتدلة التأكيد على حق تقرير المصير والحكم الذاتي لأقاليم الأحواز، في حين يرى التيار السلمي أنه من الممكن الحصول على الحقوق دون المطالبة بالاستقلال.

      ورغم أن الناشطين اليوم يواجهون مخاطر انتهاكات متعددة لحقوقهم تتراوح بين الاعتقال التعسفي وعقوبة الإعدام بعد محاكمة غير عادلة، وكذلك القيود المفروضة على الحركة والحرمان من الحقوق المدنية الأخرى، ضمن ما تقوم به الدولة في سياق القمع المنهجي الواسع والمعمم لمعظم أشكال المعارضة على سياسات الحكومة إلا أن المقاومة لم تتوقف أبداً.

على حبال المشانق:

     مايحدث في إيران أقل مايمكن وصفه بأنه كارثة إنسانيه، فإيران الموقعة على معاهدات حقوق الإنسان كانت حتى العام 2015 في المرتبة الثانية بعد الصين من حيث عدد حالات الإعدام، والأولى في إعدام المراهقين، أما اليوم فقد سجلت رقماً قياسياً على مستوى العالم، حيث بلغت معدل حالة إعدام كل أربعة ساعات في مطلع العام الجاري، بينما ينتظر الالاف في السجون المصير نفسه.

98% من حالات الإعدام تنفذ ضد ناشطين من الأقليات، أحياناً بتهم مثل القتل أو المخدرات أو الألحاد (رغم أن الألحاد لايعتبر جريمه وفق القانون الإيراني، فضلاً عن أن القوانين الدولية لحقوق الأنسان تحرم الأعدام بتهمة المخدرات)، وأحياناً أخري تنفذ أحكام الإعدام دون محاكمة قانونية ودون تمثيل محامٍ، ولأفراد تحت سن الرشد القانونية مما يشكل نقضاً صارخاً لإتفاقية حقوق الطفل التي وقعت عليها إيران.

أوراق تحت الطاولة:

     شهدت الفتره مابين 2011 و2013 عرقلة في تنفيذ الإعدامات نتيجة لضغط مارسه الإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وعند تولي حسن روحاني لمنصب الرئاسه أفرجت إيران عن بعض السجناء المدانين بارتكاب مخالفات بسيطة، مقابل كفالات مالية عالية، فاعتبر الكثيرون ذلك بداية لتحسن الأوضاع، لكن سرعان ما قفزت مؤشرات الانتهاكات لمعدلات غير مسبوقة، تزامن ذلك مع عودة إيران لطاولة المفاوضات النوويه مع دول (5+1)، ففي الوقت الذي توصل فيه الاتحاد الاوروبي إلى إتفاقات بشأن ملف إيران النووي اشترت سدادات أُذن لتتجاهل تماماً ملف حقوق الانسان، بل أنه في يوم زيارة منسقة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيرين لطهران تم إعدام ثلاثة مراهقين دون تمثيل محام بعد أن انتُزعت اعترافاتهم تحت التعذيب، ولم يطرح ذلك أبداً في زيارتها، لتتفاجأ المنظمات الدولية أنها تقف وحدها على هذه القضية.

     اليوم وعند وصول ترامب إلى الرئاسة الأمريكية، والتغييرات التي يحاول إحداثها في السياسات الخارجية تواجه إيران ضغطاً هائلاً، فهذا الأخير صرح لأكثر من مره بأنه غير راضيٍ أبداً عن إتفاق إيران النووي وسيستخدم ملف حقوق الإنسان ككرت ضغط، في حين تصطدم رغبته بحائط مصالح الاتحاد الأوروبي في الإبقاء على الوضع كما هو مادام شنق الأيرانين لايؤثر على الأتفاق النووي. لتصبح حقوق الأقليات ورقة لعب تلوح بها السعودية وأمريكا، ويستخدمها الناخبون الرئاسيون لجذب الدعم، بينما على أرض الواقع يشنق المئات كل عام علناً في الساحات.

     إعتاد النظام الإيراني على اعتبار أحداث العنف الطائفي مؤامرات خارجية من تدبير أجهزة استخبارات غربية وإسرائيلية وإقليمية، توخياً منها للي ذراعه وتكثيف الضغوط عليه عبر النيل من أمن بلاده واستقرارها وكسر إرادتها، تظل استراتيجية نظام ولاية الفقيه في التعاطي مع التركيبة الإثنية في بلاده لغماً ينذر بتوتير العلاقة بين الدولة الإيرانية ومواطنيها، خصوصاً الأقليات الاثنية من جانب، كما يشكل نقطة ضعف محورية يستغلها خصومه في الخارج ضده من جانب آخر.

     يرى الكثيرون أن إيران تلعب دوراً سلبياً في منطقة الشرق الأوسط، وهي السبب الأساسي في الاضطرابات التي تشهدها كل من اليمن والعراق والبحرين ولبنان والخليج العربي، وهي التي تمنع سقوط نظام الأسد في سوريا، وسيطرة حزب الله في لبنان، ودعم الحوثيين في اليمن، وهي التي دفعت العراق إلى الأزمة من خلال دعمها سياسة رئيس الحكومة العراقي السابق نوري المالكي، وتعد العامل الرئيسي للاضطرابات في البحرين، والخليج العربي، ولكنها داخلياً ترقد على الصفيح الساخن.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة