قضية شرف*

سمؤال

– الخادمات بغايا

هكذا ابتدرت أم محمد حديثها مع أبو محمد عند قدومه ليلاً من جلسة السمر مع أصدقائه. فما أن خلع عنه ثوبه حتى التفت إليها يسألها:

– أعلم، لكن ما الذي دعاك لقول هذا الآن.

أجابته بنبرة متحدية:

– سلمى خادمتنا حامل.

اتسعت عينا أبو محمد. حدق بزوجته مذهولاً للحظة. قبل أن يستجمع شتات قسوته ويلتقط عقاله من الخزانة مرة أخرى ويهم بالخروج من الغرفة. لتستوقفه زوجه قائلة:

– لا تتعب نفسك. فلقد استهلكت جسدها جلداً وتعذيباً حتى اعترفت بهوية النجس الذي شاركها هذه الفعلة النتنة.

هائجاً مائجاً عائد إلى حيث مجلسه الأول. سألها:

– من فعل ذلك؟ أخبريني، هل هو محمد ابننا؟ من المستحيل أن يكون شخصاً من خارج المنزل. المأفونة لا تخرج إلا في رفقتك.

ابتسمت أم محمد بمرارة، نظرت إليه متحسرة وهي تقول:

– قالت لي من بين دموعها وأوجاع جسدها العاهر. أن من فعل هذا هو (بابا).

ازداد اتساع عيناه. فهذا هو اللفظ الذي تستخدمه الخادمات من شرق آسيا لمناداة كفيلهن وأرباب بيوت خدمتهن. نهض بعدها أكثر إصراراً على تمزيق جسد الخادمة بالعقال. لكن الزوجة حالت دونه والخروج. قالت:

– والله لن تلمسها حتى تلد، وتسافر إلى أهلها. أما أنا فأعود الليلة إلى أهلي، ولن تراني مرة أخرى ما دمت حية.

وأم محمد امرأة معروفة التقوى معلومة الصلاح. لن يتخيل أحد أن تقبل على نفسها أن تعيش مع زوج خائن زانٍ تحت سقف بيته.

– أتصدقين خادمة حقيرة وتكذبين زوجك؟ أبعد أبنائنا الأربعة وسنوات حياتنا الثمانية عشر ترمينني ببهتان كهذا، ودليلك خادمة كاذبة قالت ما قالت لحماية عشيقها المجهول؟

كان هذا صراخه دفاعاً عن شرفه، عفته، أما هي فأجابت بهدوء:

– أنت لم تكن هنا حينما اعترفت لي، كانت صادقة، صادقة، صادقة. لا يمكن أن أكذب صدق ما رأيت عيني، لا أحد يمتلك القدرة على الكذب بعد كل ذلك الضرب الذي أنزلته على جسدها.

واصل الصراخ:

– بل هي كاذبة، أتصدقين زانية وتكذبينني؟

– إذاً أبلغ الشرطة، الشرطة هي التي تستطيع أن تعيد إلي حقي وكرامتي الضائعة، ويا ويلك يا أبو محمد من عذاب الدنيا والآخرة، يا ويلك.

اعترض على إبلاغ الشرطة أول الأمر، لدواعي الفضيحة والستر وما إلى ذلك، لكن إصرار زوجته الغاضبة أجبره على القبول بما لا بد منه، وما هي إلا سويعات قلائل حتى امتلأ المنزل بضباط الشرطة وشيوخ الهيئة، يبحثون في أمر خادمة دنست عفة عائلة هادئة معلومة الشرف والفخار.

الخادمة منتفخة الأوداج من أثر الضرب والتنكيل. تمتلك إجابة واحدة فقط على كل سؤال: “بابا، هو بابا”، بين كل دمعة وأخرى: “بابا”، وأبو محمد يتشنج يصرخ بها: “كاذبة، كاذبة، نجسة.”

وعقب كل صرخة وأخرى: “بابا، بابا”

حتى تفتق ذهن الضابط عن حل أخير:

– لا بد أن يتم التحفظ على الخادمة حتى تضع جنينها، ومن ثم يتم الكشف المخبري للتعرف على والد الجنين، فبعد تطور العلم والطب صار إثبات النسب كأسهل ما يكون. لا تخافوا، لن يهدأ لنا بال حتى تتوصل العدالة إلى معرفة والد الجنين البيولوجي.

ثم عدل منظاره الشمسي بهدوء واثق، متباهياً بمعلوماته الفذة، وجلس يكتب ملاحظاته عن القضية.

غادرت أم محمد باحة المنزل تعبئ حقائبها بكل ما تستطيع حمله من ملابس وحاجيات. أسرع زوجها يستعطفها ويترجاها أن تبقى، ولكن هيهات، هيهات أن تستطيع إثناء أنثى مجروحة القلب والكبرياء عن قرار اتخذته. وإن في ثورة غضب.

صباح اليوم التالي خرجت الصحف المحلية تُحدث عن خادمة من شرق آسيا، عذراً، عاهرة من تلك البلاد تلوث شرف أسرة محترمة، وتحليل كامل شامل لمضار استقدام الخادمات الآسيويات والأفريقيات وما إلى ذلك، كما وتطرق التقرير إلى مضار استقدام الأجانب من جميع الجنسيات وتأثيرهم/ تأثيرهن على المجتمع المحلي المحافظ الشريف.

الأشهر الست التالية مضت دهوراً من الشك والاتهامات المتبادلة، أبو محمد يشك في ابنه الأكبر وأم محمد متأكدة من خيانة زوجها لها، تعلم أن حدسها لم ولن يخطئ. والخادمة في سجون الشرطة، تحت عناية طبية مشددة، في انتظار الشاهد الصامت على شريكها في الجريمة.

عندما وضعته لم يمهله الأطباء طويلاً قبل أن يسحبوا عينة من دمه للكشف عن صلة النسب بينه وبين أفراد عائلة مخدميها، وعقب البحث والتمحيص والاختبار والتدقيق رن هاتف بيت أبو محمد الموحش. أجاب هو عليه ليجد صوتاً من الطرف الآخر يقول:

– أبو محمد مطلوب حضورك وزوجتك وابنك إلى مكاتب الشرطة لإجراء الفحوصات الطبية واستكمال التحقيقات.

أبلغ الرجل آل زوجته على مضض بما قاله الشرطي المتصل. فلم ينل سوى الإهانات من والد زوجته:

– أوصلت ابنتي العفيفة إلى مكاتب الشرطة؟ قبحك الله يا بغي، قبحك الله.

ابتلعها على مضض، فبعد ساعات قلائل تثبت الشرطة براءته من تلك التهمة المنسوبة إليه، ويعود أبو محمد إلى سابق عهده، الرجل طاهر السمعة والسريرة، وإن كره الشامتون.

المعلوم عن الشرطي ذو النظارات الشمسية ميله المحرج إلى الأحداث البوليسية الدرامية، يعشق أن يترك كل الحقائق حتى اللحظات الأخيرة، ثم يكشف عنها النقاب. وقد وجد في هذه القضية الشائكة ضالته المرتقبة.

عند اكتمال التحاليل الطبية الشاملة، ووصول النتائج منذ وقت غير وجيز، كانت أم محمد تجلس برفقة والدها في طرقة المركز مطرقة متحسرة على حالها، وأبو محمد والضابط والخادمة المنهكة من أثر السجن والغربة والإنجاب في مكتب التحقيق. أخرج الضابط أوراقه التي حفظ ما بداخلها من كثرة ما قرأه، فلم يحتج لأن يخلع عشقه الأوحد عن عينيه، نظارته الشمسية. قال وهو يطالع ظلال الأوراق:

– بعد الاطّلاع على نتائج الفحوصات المخبرية لكل من الطفل، السيد أبو محمد، وابنه محمد تم التوصل إلى الآتي:

تابع وجوههم المترقبة بهدوء الواثق من تأثير ما سيلقيه على مسامعهم بعد قليل، ثم قال بلا رأفة:

الابن محمد بريء تماماً من نسب الطفل إليه كأب، وصلته به جينياً كصلة الأخ بأخيه.

ألجمت المفاجأة أبا محمد، فها قد ثبتت التهمة لا محالة. كاد يصرخ قائلاً أن الطب متآمر ضده. أنا بريء يا عالم. أنا لم ألمس هذه المأفونة. كيف يثبت العلم علي جرماً لم أرتكبه؟

سوى أن الضابط تابع:

– أما أبو محمد فلا صلة له بهذا الطفل من قريب أو من بعيد، ليس هذا فقط، أبو محمد لا يمكن أن يكون الوالد المجهول على الإطلاق، لأن الفحص المخبري أثبت أنه مصاب بعيب خلقي نادر منذ الميلاد، يمنعه من الإنجاب وإن اجتهد، فهذا العيب لا علاج له دوائياً أو جراحياً. وعليه تتواصل التحقيقات في شأن الـ….

لم يستمع أبو محمد لما تبقى من خطاب السيد الضابط. ما زال يحاول تفسير ما سمعه قبل قليل. عيب منذ متى؟ يمنعه عن ماذا؟ فمن هذا الجالس إلى جواره إذا؟ أليس ابنه؟ كيف إذاً لا أستطيع الإنجاب؟

– يا سيدي الضابط، أنا لي أربعة من الأبناء، يشهدون على قدرتي على الإنجاب، كيف ترميني بهذا المرض الغريب؟

كان الضابط حينها قد فرغ من قراءة حيثيات ما جرى وما سوف يجري. لينظر إلى وجه أبي محمد الممتقع بثقة بالغة. ويقول: 

– هذه هي قضيتنا الجديدة سيدي الكريم. لكن لا تخف، لن تهدأ العدالة حتى تكتشف من هو والد أطفالك البيولوجي.

ثم غادر المكتب، بذات الابتسامة، تاركاً ابنا صامتاً وزوجاً حائراً، وفي الانتظار زوجة مطلقة.

في الصباح خرجت الصحف بلا عناوين رئيسية، فقد ماتت قضية زانية نجسة، وولدت قضية سيدة شريفة لا يجوز الخوض في عرضها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مقتبس من قصة حقيقية.

عن السموءل شمس الدين

mm
فتاة المخمل .. زفت إلي في ليل بلا ضجيج.. تزهو على قريناتها بيدين خاليتين من النقوش.. وجبين بالغ السمرة.. تيممت كفيها بلا استخارة.. وتقدمتها للصلاة بوضوء منقوض . كاتب من السودان