الرئيسية / احدث التدوينات / قيمة التقدير الفني – في العلاقة الملتبسة بين الجمهور والفنان

قيمة التقدير الفني – في العلاقة الملتبسة بين الجمهور والفنان

00-4
في مستهل المقال أتذكر مشهدًا سينمائيًا يمثل بالتحديد حالة الالتباس في العلاقة بين الجمهور والفنان، حيث أن توقعات الجمهور والمتلقين حول نجومهم وتصوراتهم لهم – إن لم تكن مبالغ  فيها- فهي ليست حقيقية وبالتالي هي عرضة للتبخر والزوال عند أي تفاعل واقعي واكتشاف أن الفنانين والكتاب العظام والنجوم هم مجرد أشخاص عاديين يحملون ما يحملون من سلبيات وايجابيات.

في رواية the fault in our stars التي تم تحويلها لفلم ناجح تكافح هيزل المصابة بسرطان الرئة من اجل الوصول إلى كاتبها المفضل فان هاوتن من اجل الاستفسار عن مشهد لم تفهمه في الرواية فتعلم بعد إلحاح أنها لن تستطيع أن تلقى إجابة منه إلا بعد أن تلتقيه، فتقرر أن تسافر إلى هولندا من الولايات المتحدة رغم حالتها الصحية المعقدة بعد أن تقنع والدتها وطاقمها الطبي، حين الوصول تجد هي وحبيبها حجزًا باسميهما في مطعم راق، وبعد أن يتجولا في المدينة يقرران مقابلة الكاتب في بيته، لكن المقابلة لم تسر وفق ما توقعاه وخططا له، فالسيد فان هاوتن اتضح أنه سكير وسليط اللسان، وأنه لم يرد على رسائلهم إلا بضغط من مساعدته، والتي هي من حجزت أيضًا لهما في المطعم، تركت الفتاة كل هذا جانبًا وطرحت سؤالها الذي قطعت بسببه المحيط وهي بهذه الحالة الصحية لكن المؤلف لم يجبها، وأخبرها أنها مجرد شخصيات خيالية تبخرت بمجرد الانتهاء من الكتاب وحاولت هيزل أن تضغط عليه للحصول على إجابة دون جدوى، بل أنه أهانها وأهان مرضها وطلب منها المغادرة، فلعنته وغادرت وهي في حالة صدمة بحيث أنها لم تتوقع مطلقًا أن يكون كاتبها المفضل بهذا السوء السلوكي.

ما الذي يجمع الفنان وجمهوره ؟

العلاقات البشرية على العموم تحكمها المصالح التي تتدرج بين المادية البائنة والمعنوية، وعلى قدر المصالح المتبادلة بين الأفراد تكون درجة تقديرهم لبعضهم البعض وكما هو معلوم فإن الحاجة للتقدير وتحقيق الذات تحتل أسفل هرم ماسلو للحاجات التي يسعى الإنسان لإشباعها. وان جئنا لننظر للعلاقة بين الفنان والجمهور على ضوء تلك المقدمة سنجد أن الفنان هو فرد يملك مقدرة على الإبداع والتخييل وتخليق ما هو جميل أو مدهش في شكل أعمال أو صور فنية، ثم يقرر أن ينشرها أو يشاركها الجمهور فتنال إعجابهم حسب درجة الإبداع فيها وتتسبب في نشوء حالة من اللذة والنشوة المرتبطة بجمال العمل الفني، وتكون درجة تقدير الجمهور للفنان كمًا وكيفًا موافقة لدرجة إبداعه ومقدرته على إشباع حوجتهم للاستمتاع بالجمال أو أشياء أخرى يحددها الجمهور، وهذا يعني أن (المتعة الجمالية) بالأساس هي المصلحة التي يلقاها الجمهور من الفنان، أو أن هذا الفنان لو لم يكن أنتج عملًا فنيًا لما نال تقدير الجمهور ولما اشتهر بين الناس، وبالمقابل فان التقدير الذي يناله الفنان من جمهوره يمثل أساس مصلحة الفنان سواءً من حيث قيمة التقدير والثناء الذي يتلقاه إشباعًا للحاجة الإنسانية للتقدير والثناء أو من حيث القيمة المادية التي يجنيها الفنان من مشاركة أعماله للجمهور ( بيع أعمال أو حضور حفلات ).

إذًا هل يصنع الجمهور الفنان ؟

طالما أن جماهيرية الفنان تعتمد بالأول على مقدرته الإبداعية فإن الجمهور لا يصنع فنانًا، بل إن الجماهيرية الكبيرة حتى ليست مؤشرًا لجودة العمل الفني باعتبار أن الجمهور في تفضيله للفنان قد يتأثر بنواحي ذات تأثير ثانوي على جودة العمل الفني مثل مواقف الفنان وسلوكه،  الشخصية ومظهره العام. ومرات كثيرة تعكس الجماهيرية صورة معاكسة بحيث أن الذين ينتجون أعمالاً فنية عظيمة ينالون تقديرًا عظيمًا ولكن من عدد أقل من الجمهور.

إذا الفنان ينتج أعمالاً فنيًا تمتع الجمهور وتسعده وهذا الأخير يرد بتقدير الفنان والثناء عليه وحضور حفلاته وشراء لوحاته أو أي منتوج فني له، ومن هنا تنشأ العلاقة التلقائية بين الجمهور والفنان، ما هو ملاحظ أن تلك العلاقة غير محكومة بضوابط قانونية معينة، فهي غاية في الذاتية تعتمد على العمل الفني من ناحية وذائقة المتلقي من ناحية أخرى، ولا تحكمها أي ضوابط إلزامية، فهي مثلًا ليست كالعلاقة بين العميل والمخدوم المضبوطة بشروط مسبقة يتيح الإخلال بأي منها فرصة لأي من الأطراف للاحتجاج بل المقاضاة، ولا هي كالعلاقة بين الموظف الحكومي والمواطن بحيث أن شرط الإلزام يفرض وجود ضوابط سلوكية في المعاملة، في العلاقة بين الفنان ومتلقي العمل الفني لا يستطيع المتلقي أن يشتكي فنانًا بحجة أن عمله كان رديئًا، كل ما يستطيع أن يفعله هو أن يقلل من درجة تقديره له. ولا يستطيع فنان من ناحية أخرى إلزام شخص بمتابعة أعماله الفنية إلا عن طريق تجويد أعماله، ضف لذلك أن كلا الطرفين لا يستطيع أي منهما وضع شروط إلزامية تحكم طريقة إنتاج العمل الفني أو طريقة التلقي من زاوية معاكسة، الفنان يحدد ظروف إنتاج عمله الفني وأولوياته والمتلقي أيضًا يحدد الظروف المناسبة لتلقيه وتعامله مع المنتج الفني. في حالة الفنان ود الامين (مثلًا) الذي احتج على ترديد الجمهور لمقاطع من بعض أغنياته نجد أن الفنان هنا حاول ضبط الظروف الملائمة لإنتاج عمل فني لائق كما يراه هو، بينما بعض الجمهور كان يتفاعل تلقائيًا مع الأغنية باعتبار أن تلك حالة التلقي الأفضل له، نسمي الذي حدث بالاشتباك بين شروط الفنان والجمهور، في مثل هذه الاشتباكات يتعامل كل طرف بقيمة ما يملك حسب أولوياته ومبادئه، الفنان يملك عمله الفني والجمهور يملك التقدير المعنوي أو المادي، فالفنان هنا حرم الجمهور مما يملك لأن ظرف الإنتاج غير ملائم كما رأى هو، أو أن أولوية إنتاج عمل جيد – بالنسبة له – أهم من أن ينال رضاء بعض الجمهور. بينما – من ناحية اخرى – يملك الجمهور حق حرمان الفنان مما يملك هو التقدير والثناء (وحضور حفلات الفنان) تحديدًا، الذي يرى من الجمهور أن طريقة تعامل الفنان مع الجمهور أهم حتى من جودة العمل الفني، الأمر إذاً يمكن أن يتم بكل تلقائية دون الحوجة لكل هذا الضجيج، يحاول الفنان أن يفرض شروطه المخالفة لشروط بعض الجمهور فيحدث الاشتباك فيقل تقدير الجمهور للفنان ويقاطع بعضهم حفلاته وبالتالي تتأثر مصلحته فتكون ردة فعل الفنان أو التمسك بشروطه ومحاولة كسب جمهور جديد يلائمه إنتاجه أو ينحني لعاصفة الجمهور وينتج أعمالا تنال رضاه.

مع الجدير بالقول أن درجة تقدير الجمهور للفنان تحكمها عوامل مركبة ومعقدة باختلاف الجمهور من حيث الذائقة وأوجه تفضيله للفنان وما يعنيه الفن له، فبعض الجمهور يفضل الفنان بناءً على سلوكه العام أو شكله أو بناءً على مواقفه الإنسانية أو السياسية والبعض الأخر بناءً على شكل المنتج الفني دون أي مراعاة للجوانب الأخرى، وبالتالي تجيء ردود فعل الجمهور متباينة باختلاف زوايا نظره، فالأشخاص الذين يتعاملون مع الفنانين اعتمادًا على إنتاجهم الفني في الغالب لا يسبب سلوك الفنان ومواقفه في النواحي غير الفنية أي تأثير على شكل علاقتهم بالفنان، لأنهم أصلاً لا يهتمون بحياة الفنان خارج نطاق العمل الفني وهذا سيفسر كيف أن الكثير سيستمر في حضور حفلات فنانه المفضل حتى ولو أتى بسلوك لا يعجب الآخرين، مع ملاحظة أن الأمر ليس بهذه البساطة باعتبار انه في بعض أشكال الفن الأقل تجريدًا يكون من الصعوبة بمكان الفصل بين موقف الفنان من القضايا على الواقع في إطار العمل الفني وفي هذه الحالة تكون حالات النقد التي تواجه الفنانين نتاج تصرفاتهم وسلوكهم العامة هي محاولة كشف عدم الاتساق بين رسالة الفنان المدعاة وسلوكه العام، حالة عقد الجلاد مثالًا حيث أن الجمهور افترض أن رسالة الفرقة تدعو للثورة على الظلم فكيف تغني الفرقة ذاتها في حضرة من تعتبره الجمهور أساس حالة الظلم.

مما يجب ذكره هو أن الفنانين هم أشخاص عاديين لا يختلفون عن الآخرين إلا بالأعمال التي ينتجونها وهم ليسوا بالضرورة أشخاص جيدون، بل تتباين سلوكياتهم وتختلف ردود أفعالهم وتقديراتهم للمواقف كما كل الناس ولكن يبقى الفنان الجيد هو من ينتج أعمالا فنية جيدة والفنان السيئ هو من ينتج أعمالًا فنية سيئة بغض النظرعن سلوكياتهم وتصرفاتهم خارج نطاق العمل الفني.

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان