كابــــوس

Good-Dream-Bad-Dream

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

منذ زمن لا يذكره؛ كانت عيناه تدمعان كلما رأتا جثة فأر في البيت، مشهد يتكرر له حتى فقد القدرة على مواساة الفئران. لكنه حينما يدخل المطبخ – وهذا يحدث نادراً- كان يراها ببسمتها الرائقة في ركن من الأركان، أو يخالها جالسة على البنبر* خلف اللدايات** التي لا زالت تحافظ على شكل مادتها الأولية دون أن ينال منها السواد. يتذكرها وهي تذبل يوماً إثر يوم، تؤثر على نفسها ما يقيم عودها لأجل هذين الملاكين، ويخضع هو لاختيارها صاغراً ، (من سيثني أماً من حماية ولدها؟! ما باليد حيلة!) .. الآن ماتت؛ لأجل حياتين ربما تكونان أفضل، ومات جزء منه ! .. وفي لحظة عجز عن تمييزها إن كانت امتداداً للحلم أم هو الواقع ؛ رأى باب المصنع قائماً أمام عينيه، وتملكه شعور ما .. استغفر ربه، ودخل.

كح كح كح ..

لا يتوقف السعال، ولا يتوقف هو عن العمل منذ وصوله، أي في السابعة صباحاً، ولا يزول من وعيه منظر الطفلين ثانية إلا تذكره، فيمضي في دأبه. يحاول هزم الغبار الأبيض الناعم، يتزاوغ منه ويتملص، وفي الأخير يستقر في صدره، هو يعرف هذا المصير .. سبع سنوات على هذا الحال ، ولكن السنة الواحدة في كابوس كهذا تعدل دهراً ؛ ورغم ذلك يتحداه. تنز من جبينه قطرات، يتركها لتسقط وحدها، تسقط كأنها توفر عليه بعض الجهد ، كانت تجففها يدان رقيقتان خشنتهما الحياة ثم غيبتهما. (الحياة تخلق الطفل الوديع طاغية .. ثم أن هذا مجرد كابوس لعين .. لكن ، منذ متى كانت الكوابيس جريئة هكذا؟!)؛ يقول ذلك في نفسه ولا يبالي. يمضي في دأبه، يعبئ الأكياس بالتراب مثلما عبأ نفسه بالعزيمة. يُلقي بها قرب الطاحونة، ولكن برفق؛ رفق مشحون بالغضب .. فقد انتهى إلى فهمه أنه يجب الرفق بأكياس التراب؛ حتى يتفادى كلمات الرجل العابس التي تحطم كل ما يملك من عزيمة، وربما يفقد بسببها جزء من ثمن البسمة على وجهيهما اللذان يشعرانه أن أمهما ما زالت تحيى بينهم، هما ينتظرانه، لذلك يمضي في دأبه.

كحح .. كح .. كوحّو ..

(هيا، أشدد عزمك، أنت رجلٌ قوي ذو بأس).

(ألا تذكر أنك أجبرت الشمس نفسها على احترامك، فختمت بشرتك بهذه السُمرة! هيّا إذن)

… يقول ذلك في نفسه مغرياً الصمود ، آخذاً الكابوس على محمل الجد ..

لم يتبقَ سوى خمس ساعات ويحين المغرب ، ولكن الزمن هنا ليس كالزمن ، إذ لا يستطيع الجزم كم ستستغرق هذه الساعات، لتبدأ رحلة الساعتين راجلاً إلى ذاك الحي المغمور خلف الجسر .. خمس ساعات فقط .. بل خمس ساعات كاملة ليرى البسمة الساحرة، البسمة التي كثيراً شفعت له عند القدر؛ فيؤجل أخذ روحه كل يوم، هذا بالضبط ما يجعله حريصاً عليها؛ لأنه سيفنى بفنائها.  يمضي في سعيه، وقد كسب بعض الحِيل للزيغ من الغبار الأبيض، حتى أن فتحتي أنفه أصبحتا تنكمشان آلياً كلما استشعرتا غباراً في الأثير .. وشعر أن الوقت قد حان لربط الشال حول بطنه، هكذا يتحايل على طاقته حتى ينجز ما بدأه، فيشده حتى ترتجف يداه وتخورا .. ثم ينكب مواصلاً ما انقطع من عمل، لا يتذمر من احترام أكياس التراب؛ فهي  تبدو وكأنها تهدده بسوء لو توانى ، فلن يرتخي الشال دونها، بل الأكثر جنوناً أنه ربما يفقد تلك الابتسامة، وحينها فقط تنزل عليه طاقة لا قبل له بها …

كححححح .. كح .. كح ..

احم .. احم                           

يتدارك الأمر، ولا يُبدي الهوان؛ مع أنه مقتنع أن الأمر مجرد كابوس ، ولكن هذا ليس مبرراً كافياً ليظهر في تلك الحالة البائسة .. لن يوفر له ذلك ثمن مقابلة طبيب .. أتراه يذكر الوصية ! وصيتها حينما كانت تحتضر، لقد شددت عليه بزيارة الطبيب؛ إن لم يكن من أجله هو فمن أجل الولدين .. أيذكر ذلك؟! لابد أنه بدأ يشيخ، رغم أن الرجال يبدون أكثر شباباً عند الخمسين في هذا البلد، ولكنه يشيخ حقاً .. وإلا كيف يفسر هذا؟ .. كان (حمار شغل)، هكذا يتباهى أمام نظرائه، ولكن يبدو أنه كان يتظاهر فقط، فها هي سبع سنوات كادت تقضي عليه ، سنوات كابوسية.. وفي المرة الوحيدة التي زار فيها طبيباً، إرضاء لزوجته فقط، إذ لم يكن يملك ثمن خصف نعاله، اتهمه الطبيب بـ (الإسبست) الذي لا يعرف ما هو، غير أنه يذكر، مثلما يذكر المرء شيئاً في منامه ؛ في إحدى المرات زارهم وفد من الخواجات برفقة أعيان البلد، لم يفهم من حديثهم شيء وقد ذكروا هذه الكلمة (ماذا تراهم يعنون؟ وكيف عرف الطبيب به؟!)، إلا أن صاحب المصنع كان حانقاً ضائق الصدر من حديثهم، لاحظ هو ذلك، وحينما رأوا العمال تحدثوا إلى الرجل بنبرة أكثر صرامة، وعندها كان مولد الوعد بالكمامات، يتناسى الوعد، فقد عفا عنه الزمن، سبعُ سنوات ولم يتحقق. … كان كيس التراب على وشك أن ينزلق من ظهره فأدركه، يغمره شعور عميق بالواجب، وركز في مشيه بين الحفرة الكبيرة و الطاحونة ووضعه برفق، رفق مشحون بالغضب …

نسي إذن أمر هذا الإسبست، أو تناساه، لا يدري بالضبط ، فالأشياء في الكوابيس تحدث مجهولة الكيف ، و دون مبرر ، والمهم أنه عجز عن الإحاطة بما تعني هذه الكلمة، وفي الحقيقة لم يكن سعاله الحاد المتصل إلا بسبب هذا الاسبست الذي هو نوع من الأمراض التي تصيب الرئة، ولسوء برنامجه الغذائي، أو للدقة لنقل انعدام الغذاء في كثير من الأحيان؛ فقد تمكن المرض منه في سنتين فقط، وتطور إلى سرطان رئوي في حالة متأخرة، وفي الغالب لا يصمد المريض حينما يبلغ هذه الحالة، ناهيك عن ممارسة عمل مرهق كهذا .. ما جعل الطبيب في حيرة من أمره: أي نوع من البشر هذا الرجل؟! ما الذي يجعله يحتمل كل هذا؟! ولكن الأشياء في الكوابيس تحدث فقط ، ودون مبرر …

كحححححح .. كحححح .. كححح .. آآآه !

تبقت ساعة واحدة، هو لا يدري كيف انقضت الأربع ساعات، ولا يبدو أن الأمر يعنيه في شيء، ومع أنها الساعة الأخيرة، وهو يدرك تماماً ما يعنيه هذا إذ يجب أن يتحول الكابوس إلى حلم جميل جوار طفليه؛ لكن قدمه أصبحت تستغرق وقتاً قبل أن تنتقل إلى الخطوة التالية، وهكذا انتبه أنه سيتلقى اتهاماً بالتراخي في العمل، والذي سيعرضه للخصم من أجره، تلك الجنيهات العشر، التي ينفق لها من زمنه اثنتي عشر ساعة، ومن جهده ما لا يطيقه، والتي إن غابت فقد جاع ولديه، وهذا ما لن يسمح به أبداً، حتى لو في مجرد كابوس.. استعان بآخر ما يتبقى لإنسان على وشك الموت لإكمال مهمته. ضغط على أسنانه. وسّع دائرة حدقتيه حتى يزيد تركيزه ويتبين الأشياء فلا يتعثر ، وكانت هذه الحركات تبدو فعلاً على ملامحه ..  بلغ الطاحونة ليضع الكيس الألف برفق، رفق مشحون بالغضب .. لكن الكيس هذه المرة هو الذي ألقاه واعتلاه .. انكتم نفسه، أراد أن يصرخ حتى يستنجد من الكيس الرابض على صدره، على زوجته .. طفليه؛ ولكن بقية العمال مشغولون، ولا يملكون الوقت لإنقاذ شخص من كيس بالكاد يزن ستين كيلو جراماً، أما الرجل العابس الوجه فلا أمل أن يساعد أحداً .. ومرة أخرى أنجدته تلك القوى الخارقة التي لا يدري مصدرها بالضبط، فتلوى يمنة ويسرة حتى تملص من أسر الكيس الثقيل، ولو أنه كان ينام على سرير لهوى أرضاً، جلس يستجمع قواه، وأخذ نفساً عميقاً ملأ به رئتيه، كان يظن أنه سيريحه، ولكن الظن لا يغني في الكابوس شيئاً ..

كحح كحح كحح كحح

كححححححححححح .. احم .. كححححححو كحححح

آآآآه .. كح !

نوبة سعال جنوني، جحظت لها عيناه حتى بدا الدم في شرايينهما خلف البياض .. لهث مترجياً الهواء ألا يتركه وحيداً .. ترجاه أن يدخل صدره ولكن بلطف هذه المرة .. كل ذلك يحدث وبقية العمال منهمكون كل في مجاله، فني الطاحونة لا يكاد يُرى وسط الغبار، والحمالون كالنمل يتقاطعون في الطريق بين الطاحونة والحفرة، وأثناء ذلك يتخففون من عبئ العمل بالحديث عن الأمسيات، وأفضل أماكن الخمر، يسرد احدهم شجاراً كان بينه وآخر وكيف انه لقنه درساً، بينما يتباهى آخر بما حدث ليلة الأمس بينه وإحدى حسناوات الحي، وتعلو صيحاتهم وضحكات مصطنعة استجابة لحاجتهم للفكاهة، والرجل العابس يطل عليهم من وقت لآخر، كان السعال قد هدأ قليلاً إلا من سعلات خفيفة يتنخج لها جسده الهزيل، فلمحه الرجل العابس على تلك الحال وما كان منه إلا أن تلفظ بتلك الجملة التي لطالما خشيها .. الجملة التي بدت له مثل شبح يلتهم أحلامه الصغيرة لهذا اليوم، أحلامه الكبيرة .. وعده لزوجته .. طفليه الذين ينتظرانه محملاً برطل الحليب الذي سيقتسمانه بحب ورثاه عن أمهما .. وأشياء أخرى لا يعلمها هو نفسه، لكنها كانت مبرراً كافياً للحياة … هدأ السعال، كما هدأت كل حركاته، ولأول مرة يشعر أنه سيعبر بوابة المصنع إلى مكان لا يعرف عنه شيء، مكان ذهب إليه الكثيرون أمثاله، وقد حان دوره .. لكن عليه أولاً الوقوف على قدميه، فتسنَّد على أكياس التراب التي تعلوه ارتفاعاً ونظر إلى الحائط المقابل المتصل بالبوابة، قدَّر المسافة بعشر خطوات، ولكن عشر خطوات تحتاج جهداً جباراً في كابوس كهذا ، اختار طريقاً آمناً .. تقدم حبواً حتى بلغ الحائط، ثم التفت إلى الرجل العابس ونظر إليه نظرة بدت كما لو انه جمع كل ما أراد قوله طول مدة الكابوس اللعين ، السنوات السبع، واختزله بصورة ما في هذه النظرة، وقذف بها نحو الرجل .. حينها أحس بتصالح مع نفسه، ولو أنه استطاع الحديث لقال الكثير، مما أنساه عجزه، وأنعش عزيمته، فاستقام ومشى في الطريق …

كح .. كح

سعلات منفصلة لم ينتبه لها، إنما كان يشغل باله هذا الوعي المخيف المباغت ، فقد تسلل إلى عقله شك في ما يحدث، وبدا عليه الهلع والرعب .. إنه ليس كابوساً !! غير أن شكه انهدَّ دفعة واحدة عندما لاحظ أنه فجأة أصبح بصحة جيدة (الحمد لله أنني ما زلت في الكابوس) لم يشعر هكذا منذ أيام الصبا .. كانت دقات قلبه تتباطأ، ولكنه لم يأبه كثيراً، وحينما ابتسم ظاناً أنه قطع شوطاً من الطريق الطويل كان في الحقيقة عند نهاية مبنى المصنع من الناحية الشمالية .. شيء واحد لم يخطر على باله في موجات الهواجس تلك: الطفلين .. وعندما تذكرهما توقف فجأة، وبدا أن ركبتيه ترتجفان، وسرعان ما سقط …

=====

* البنبر: نوع من المقاعد البلدية، مصنوع من الخشب، يكون قريباً من الأرض.

** اللدايات: موقد بسيط من ثلاث لبنات، توضع عليه جرار الطبخ.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً