كفن جدتي

14808824_1587819017910335_761067435_o

 

• تأليف : اسماعيل هاجاني
• ترجمها عن الكردية: ماجد الحيدر

كانت عجوزاً مخضرمة، عاصرت قرنين من الزمان. ذات جسم صلب، كالرجال، ونسيت تماما، منذ أيام خط تلفسني (1) انها امرأة، آخذة في التصرف كما الرجال، حيث صارت الأم والأب. كانت تحب الأحذية ذات الأربطة، وترتدي في الشتاء، مثل الرجال بالضبط، معطفا طويلا يتهدل على جسدها. كان مضيفها الكبير ديواناً للقرية، تحل فيه كل المشاكل، وتبحث كل الأمور، فهي الشفيعة والملاذ في القضايا الشائكة، وهي القابلة التي ولد على يديها أغلب أطفال القرية، وهي غاسلة من يموت من النساء والأطفال. كانت تقدم على الأمور مثلما يفعل الزعماء، وتعشق، لسبب ما، سيدة الهند انديرا غاندي، وتقول:
-“أنها أختي، وإذا لم تصدقوا فانظروا الى تشابهنا في الأنف والشعر والقامة”
ولهذا، يوم استشهدت أنديرا، ارتفع ضغطها ووقعت نصف مشلولة، وبلغ بها الأمر أن أقامت لها مجلس عزاء في بيتها، ومن فرط الحب سمّت اثنتين أو ثلاثا من حفيداتها باسم أنديرا.
كان الحزن والسأم يتملكانها يوماً بعد يوم. حجّت وطافت بالحجر الأسود ثلاث مرات، وفي كل مرة كانت تعود بلفافة من قماش أبيض وقربة من ماء زمزم لتقول لمن حولها:
-“كفنوني حين أموت بثياب الحج واغسلوني بماء زمزم”
كانت تطلب الموت والموت يدير لها ظهره. في كل يوم ترفع كفيها بعد الصلاة وتدعو:
-“إلهي، أما آن أن تسترجع أمانتك. أما كفاني ما عشت؟”
لم تكن تستطيع الصلاة بصمت، ومثل ملالي الكرد، تفشل دائماً في التفريق بين المؤنث والمذكر، وتثير الصخب بصوتها الرفيع المرتفع. كانت المسكينة تلفظ الكثير من كلمات الصلاة بصورة معكوسة، وكنتَ لتضحك كثيراً حين تصل الى التحيات، لو سمعتها، إذ لم تعرف أبداً كيف تتلوها، فتكتفي بأن تردد:
-“هوي هوي يا نبي جعلتُ فداك!”
فيحتقن وجهك من شدة الضحك، أما هي فتترك الصلاة في كثير الأحيان لتعنفك:
-“هه هه هه، يا خصية أبيك! أيها الكافر الغليظ. كان يوم أسود يوم أرسلتك للمدارس!”
وحين تفرغ من صلاتها كانت تدعي:
-“يا رب اعطني ميتةً مستورة”.

في إحدى المرات، حين اعترضتها قائلاً:
-“الموت هو الموت يا أماه! إنه باي باي. سوف تصبحين وليمة للديدان والصراصير. لكنك مع الأسف لستِ غير جلد وعظم وبقايا لحم هزيل، ولهذا لن تجني الديدان والصراصير شيئاً من موتك. علام إذن تطلبين من الله في كل صلاة ميتةً مستورة؟ وهل هناك ميتة غير مستورة؟ إنه الموت والسلام!”
-“أستفوللا، أستفوللا. نعم يا ولدي، الميتة المستورة هي التي يموت فيها الانسان بين أهله وناسه، وفي فراشه ومطرحه، يلفونه بالأكفان ويديرون وجهه شطر القبلة. أما الميتة غير المستورة فهي التي يغادر فيها المرؤ دنياه دون قبر وكفن، دون تلقين وياسين، دون عشاء للمعزين ودون توزيع خيرات لثلاثة أيام، ودون أسبوع وأربعين ورأس سنة”
كنت تمازحها أحياناً :
-“أنتِ يا جدتي من بقايا زمان دقناووس، وربما تتذكرين زماناً لم يكن الله قد خلق الجبال بعد، وربما رأيت الاسكندر ذا القرنين بأم عينيك”
فكانت تضحك وتجيبك:
-“كلا يا ابن البقرة. لم أر الاسكندر لكن اللذين رأوه حدثونا عنه وقالوا أنه كان ذا قرنين في رأسه”
ثم تعود لتقول:
-“إلهي. عجِّل باسترجاع أمانتك! لم أعد أطيق دنياي. رحل الأخلاّء جميعا ولم يبق منهم من يؤنسني. هذه ليست الدنيا التي عشرت وكبرت فيها، أنها دنياي أخرى”
فيستشيط قلبك وتقوم لتعانقها وتضمها الى صدرك وتغرس أصابعك في شعرها الشائك وتقول:
-“آه يا جدتي. إنك لملاك. هذه الدنيا ليست باقية إلا إكراماً لمن مثلك. أنتم الخير والبركة”
وكانت تجيبك بين شهقاتها:
-“كفاني يا ولدي. وهل هذا زماني؟ إني لأتذكر حرب المسقوف. أتذكر إهلاك الأرمن. أتذكر المجاعة الكبرى حين لم ينج من الطاعون أحد في ديارنا غير طفلين”
وترفع يديها وتعود لتقول:
-“إلهي استرجع أمانتك مني وأكرمني بميتةٍ مستورة!”
وتسألها:
-“أخبريني يا اماه: هل رأيتِ الثلج الأحمر حقاً ؟ كيف صار أحمر؟ لماذا كان أحمر؟”
-” لا أعرف كيف حدث ذلك. لا أتذكر جيداً. ربما بسبب الكبر، لكنهم كانوا يقولون أنه الثلج الأحمر. لم يكن غامق الحمرة كبراعم نيسان، لكنه مثل شمس الغروب. قالوا إن الله قد غضب على عباده لكثر ما عمَّ الفسق والفجور على وجه الأرض، ولكثرما انتشر الحكام الظالمون وأريقت الدماء. ولهذا حذر الله العباد بأنه سيهلك الأرض إذا لم يستقيموا. فديتك يا ولدي؛ عد الى رشدك ولا تترك صلاتك يا حَمَلي الصغير!”
-“سأفعل”
-“نعم يا ولدي. إني لأغبطك لأنك تعرف العربية وتستطيع الإجابة على أسئلة المنكر والنكير. أما أنا، البائسة اليائسة، فلا أعرف كلمتين من أي لغة الآخرة. زرت بيت الله ثلاث مرات، بشق الأنفس وبكدِّ أظفاري وبالاستدانة وبحياكة السجاد والجوارب ، ولم يبقَ لي غير ثلاثة أذرع من قماش الكفن وفنجانين من ماء زمزم وضعتها في ذلك الصندوق الأزرق تحت السلم. فديتك يا ولدي؛ حين أموت كفِّن جدتك بها وأسكب عليّ ماء زمزم”
كان هذا الحوار يدور في رأسك وتستعيد الشريط في كل خطوة تخطوها. وعندما هطل الثلج الأسود خلال الهجرة الكبرى، كنت تحملها على ظهرك مثل جذع شجرة وهي تبكي وترتجف مثل طفل أضاعه أهله. كان فمها متجمدا مطبقا ولم تكن تفهم من بين طقطقة أسنانها إلا هذه الكلمات:
-“هذه نهاية الدنيا. ها أنذا أرى الثلج الأسود أيضاً”.
في مضيق “هَفت تَنون” باغتها الموت وتجمدت يداها ورجلاها. لم يكن في يدك إلا أن تضيف شاهدة صخرية أخرى الى شواهد القبور التي تناثرت هنا وهناك، ثم تلتقط بعضاً من أوراق البلوط الذابلات وتستر بها جدتك، وأن تجعل من ثوبها وقفطانها كفناً لها، ومن دموعك الحمر ماءَ زمزمها، وبدلاً من تلقينها أن تصرخ بالأفلاك، وتعلِّق مسبحتها في عنقك تذكارا منها، لتيمم وجهك شطر الجبال. كان صوتك يختلط بهدير نهر “كشاني”. ويردد المضيق الصدى:
-“آهٍ أيها الفلك الدوار.. آهِ يا فلك!”

__________________________________

1- خط تلفسني: خط دفاعي بناه الانكليز جنوبي دهوك في مواجهة الأتراك خلال الحرب العالمية الأولى.

شاعر وقاص عراقي

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة