كلمات متجولة ( 2 )

10428686_381078482072873_6673274559683637411_n

راشد يسلم :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

ما قبل المرايا

كان لديها تلك الطريقة الطفولية في إخفاء التوتر والاستياء ، أنفُها المُجعّد والمثقوب كبصّارةٍ غجرية يُدرك ذلك ، كانت تحكي لنا القِصص كُل مساء ، اجتزنا معها ينابيع ومستنقعات ، غابات وأدغال ، ركِبنا عربات تجُرها أحصنة قوية ويقودها حوذي ثرثار ، وعرِفنا الكثير مِن البشرِ الفانيين ، وفي الليلة التي لا تملكُ فيها قِصة كانت تزفرُ أنفاسها بِضجرٍ واضِح وتقول : ” لا أُريدُ أن أعيشَ أكثر مِن هذا ؛ أخافُ أن أتعود على الحياة ” ، لكِن مؤخراً بدأت الذاكِرة تبهَت لذا طلبت منّا أن نُعيد لها ما تنساهُ محمولاً فوق أكتافِ الحِكايات ، ذات مرة قالت لي أن ابنها سافر بعيداً رُغم أن غرفتهُ كانت أقرب من المسافة التي يُمكن أن يصِل إليها صوتُها الواهِن ، ثم عللتِ الأمر : ” لم يزُرني منذُ مُدة ” ، حين تتَهتكُ الذاكِرة تغدو كعاشقةٍ لعوب كل الذي لا تراهُ أمامهَا .. هو غيرُ موجود !

كنتُ طِفلاً غُصنُ قلبِهِ أخضر عندما قالت :

” قبل أن تُكتشف المرايا لم يكن هُنالِك نسيان ؛ لأننا كُنّا نرى أنفُسنا في عينّي من نُحب “

لكنني الآن فَهِمتْ .

( ولكنني أعرفها )

كتب على دفتر يومياته :

” حِينّ تكبُر علَيكَ أنْ تتذكَر فِي خِضمِ نسيانِك اللانِهائِي ، أنّهُ وحدهُ الذِي سيستمِعُ لقِصتِكَ المُكررة للمرةِ العاشِرة بنفس الدهشةِ الأولى هو مَنْ يُحِبُك . “

شعر بارتياح خفي لم يستبن مصدره ، ثم أستوى قائماً ليتجه إلى المكان الذي يذهب إليه كل يوم في مثل هذا الوقت منذ أكثر من ثلاث سنوات

قالت الممرضة :

– سيدي أنت تأتي إلى هنا يومياً في نفس المواعيد تقريباً ، قد يكون هذا مرهقاً بالنسبة لك

أجاب العجوز :

– منذ سنوات بعيدة كنا قد اتفقنا على أن نجتمع عند مائدة الغداء مهما كانت الظروف ، لم أخلف وعدي يوماً ، ولست على استعداد لأفعل الآن

– لكنها يا سيدي مصابة بالزهايمر ، أنظر إليها كيف تطالعك ، أنظر جيداً إنها أساساً لا تعرفك !

حدق العجوز في وجه زوجته طويلاً ، وبينما هي تطالعه بعينين تفضيان إلى فراغ سرمدي استرجع جميع الأحداث التي حفرت في وجهها هذه الأخاديد ، وسلبت منها أعز ما يمكن أن تملكه امرأة في مثل سنها .. ذاكرتها ، ثم ألتفت إلى الممرضة وقال مبتسماً :

– ولكنني أعرفها

( الطفل الذي كنته )

لم يكُن هذا اسمي ، لكنِهم ظلّوا ينادونني به طوّالَ الوقت مُتجاهلين جميعَ اعتراضاتي عليه ، لقد فعلوها الآن مُجدداً قبلَ أن يتركونَني وحيداً في الغُرفة ويذهبوا ، إنهُم يظنونَ أنني كَبُرت ، الديوان الشِعري الضخم والكُتب ومنفِضةُ السَجائر والقُصاصاتْ المُبعثرة رانّتْ على قَلقهُم فمّا عَادوا يخَافونَ عليّ مِن فُضول الطِفل الذي كُنتهُ ، الطِفلُ الذي ظنّوا أنّ الحياةَ قد سرقَت مِنهُ بَكارّة الدهشةِ وطزّاجةَ الأسئلة ثُم حولتهُ لبائسٍ كبير يتعاملُ معهَا وِفقَ تقلُباتِها ، كَم أُشفِقُ عليهِم ، فأنّا لازِلتُ ممسوساً بالحياةِ تماماً كمّا كُنتُ مِن قبل ، فَهُم لا يعرِفُونَ – مَثلاً – أنني مُنذُ أكثَر مِن ساعة وأنا أُحدِقُ بِكامِلِ الدّهشةِ الأزليةِ في حشرةٍ مُهتّاجةٍ أمامَ المِصباح تَغدو وتروح ، تفعلُ ذلِك بِكلُ رغبَة ، رُغمَ أنّها شاهدَت قبلَ قليلٍ غيرها تَم افتراسها مِن نفسِ المكان حينّ أسكرتها لِذةُ الضوءِ فاستسلمت لهَا وتنّاسَت خوفِ الطريدةِ فيهَا ، ولا يُدرِكون أيضاً أنني أعذُرُها فحقيقةُ الكائناتِ – كمّا ييدو – فِي رغبّاتِها لا فِي يقينِها .

 

لكِنك يا الله الوَحيدُ الذي يعلَمُ كيفَ يبدو الطِفلُ الذي كُنتهُ .. خَطرٌ عليّ !

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

4 تعليقات

  1. Aw, this was a really nice post. Finding the time and actual effort to create a superb article… but what can I say… I put things off a whole lot and never manage to get nearly anything done.

  2. Hey cool, dass du sie jetzt auch hast! Ich trag sie heute grad! Ich mag sie auch seeehr!! LG Pearl

  3. Tom – Argh. The above reply got caught in DGH’s moderation queue and is now old news before it’s new news. It only took a half hour to write and a day or 2 to compose mentally before that. I do hope it’s not lost or overlooked.

أضف تعليقاً