الرئيسية / احدث التدوينات / كلمات متجولة 5

كلمات متجولة 5

post-37035-128329072668

بقلم: عاطف جمال

1- الموسيقى
 
الموسيقى العزف على وجع الحياة؛ يوهانيس قاديمو تعلّم دقّ الطبل عندما كان عمره عاماً، و في عامهِ الثاني صار يركل الأرض بكلتا قدميه بطريقة سحرية، لكن أمه كانت تقول بأنّه بدأ ضرب قدميه بهذه الطريقة في شهره الرابع قبل الولادة حتى اعتادت عليه، و في السابعة أصبح ساحراً في العزف على الجيتار، ثم توالت بعد ذلك الآلات الموسيقية الأخرى.
عندما بلغ السابعة عشر أطلقوا عليه لقب يوهانيس (امالكي) الموسيقى، كان حين يحرك يديه تتحول الأجواء إلى أضواء راقصة و تهيج الأجساد إلى الرقص.

 

في لحظات حياته الأخيرة كانت كل أجزاء جسده ترقص كما كان يفعل دوماً في حياته، و عندما أرادوا وضعه في حانوته كانت يداه تتحركان كمن يعزف على قيثار و رجلاه تركلان بطريقة إيقاعية و متناسقة، و ابتسامة رضا مرسومة بأناقة على وجهه، لم تكن اللحظة المناسبة لذلك نظراً للظروف المحيطة، لكن الجسد واصل الرقص.
نظر إليه الحانوتي بوجهٍ مندهش و قال:
اللعنة، أسلمت الروح لكن لم تسلم الموسيقى.
2- هذا الصمت
منذ أن سقط الفنّان خوجلي عثمان، مخترقاً بالطعنات، في النصف الثاني من نوفمبر العام 1994، على يدِ أحدهم في دار إتحاد الفنانين كما نقله راديو أم درمان، لم ترقص المسارح على أغانيه.

 

مضت سنوات طويلة، و المسارح متشوقة إلى صوته؛ و بعد مرور عشرة سنوات على رحيله، خرج فنّان صغير السن على التلفزيون يتغنّى بأغانيه، لقد قدمها بالرقص و الحياة. في البداية لم يتلق الفنّان الشاب تصفيقاً على أدائه، و في المرة الثانية سمع الأصوات تردد معه: أسمعنا مرة الدنيا تبقى ما فيها مُرَّة.

 

أصيب الفنّان الشاب باليأس و الذهول، لم يكن يعرف سبب الصمت الذي أصاب الجمهور في المرة الأولى، و الهياج في المرة الثانية.

 

ربما كان الصمت في المرة الأولى حزناً على رحيل الفنّان خوجلي بتلك الطريقة، و بكاءً على الخناجر التي غرزت فيه ليصمت إلى الأبد، و ربما كان ذلك الصمت تعبيراً منهم للفنان الشاب: ستغيب أنت أيضاً.

 

 

3-أوجاع الزمن

 

عندما يفيض النيل، يبدأ نوبة الشمال التقرّب من الآلهة و يقدمون لها القرابين، كي يعيدوا للنيل صمته المعهود؛ و عند جفافه تذبح قبائل جنوب السودان أجمل و أصغر فتياتهم قرباناً للآلهة ليعيدوا للنيل حيويته و هديره المعهود. و كذلك تقدم قبائل يوغندا أجمل فتياتهم قرباناً كي يرحل الجفاف، و يتوسلون إلى النيل صارخين ألاّ يهجرهم.

 

في إحدى ليالي الصيف المقمرة من القرن الخامس عشر، حدث هلع في جزيرة (قوري)، خيّم الليل في عز الصباح، و صارت السماء سوداء فجأةً، و امتلأت بالنجوم. في ذلك العام المظلم موتاً، عام بداية الزمن كما يقول الرجل الأبيض، بكى النوبيون و الأفارقة، نبحت الكلاب، جفّت الأشجار حزناً، هاجرت العصافير تجاه البحر، اختبأت الحيوانات في جحورها، و في لمح البصر ذبلت الأزهار.

 

بخيت، بيتر، كوجو و أوكونكو كانوا هناك، في منتصف الجزيرة مقيدي الأيادي، ينظرون إلى بعضهم البعض دون أدنى سابق معرفة. و عندما ذهب الليل المخيم، تحسس بخيت يديه، فوجد إصبعًا ناقصًا، وسم يبدو كجرح لا يلتئم على ظهره. حدّق إلى السماء، بحث عن شمس قريتهم الصغيرة على البحر لوقتٍ طويل، مع أنه كان يعلم تماماً أنه لن يراها أبداً.

 

 

4-كهرباء

 

في نهاية العام 2005، افتتح الرئيس مولد الكهرباء الوحيد في قرية نائية من قرى كردفان. استقبله سكان القرية و القرى المجاورة بالطبول و الدفوف، و اللوحات المكتوبة بخطٍ أنيق مرحبين به.

 

وصل الرئيس من السماء بطائرة هليكوبتر، ترافقه كاميرات التلفزيون، حطت طائرته في ملعب كرة القدم، المكان الوحيد في القرية الذي يصلح للاستقبال.

 

و في خطابه أشاد بالدور الذي يبذله والي الولاية في بنائها و إعمارها، و أعرب عن اعتزازه بحفاوة الاستقبال، و بشرّهم بمزيد من الاستثمارات و مدارس ثانوية و أساسية في الأيام القادمة. و بعد ذلك عُزف النشيد الوطني، و امتلأت الأجواء بالموسيقى و الرقص.

 

نقل المصورين و كاميرا التلفزيون كل شيء في بث مباشر.

 

و عندما أنهى التلفزيون عمله، عاد الرئيس إلى السماء، قرر مسئولي القرية استعادة الأسلاك الكهربائية من البيوت. و بعد أن فرغوا منها، عادت القرية إلى سابق عهدها، لكنهم لم يستطيعوا أبدا استعادة شعاع الضوء الذي دخل عيون القرويين لأول مرة.

 

 

5-الطريق المسفلت

 

بنى سعد خير السيد بيتاً في الناحية اليمنى من قريةِ مركب.

 

حدث ذلك بعد أن عاد من ليبيا في أواخر التسعينيات، لم يكنْ في البيت كهرباء كعادة كل البيوت هناك، و لم يكن هناك مورد ماء أيضاً، تبلغ مسافة أقرب الدوانكي إليه ساعة و نصف بالحمار.

 

عاد إلى الزراعة مهنة أجداده مرة أخرى، و صار يحرث الأرض بجديةٍ أكثر حتى أصبح معروفاً في القرى المجاورة. في موسم الدرت (الحصاد) تخرج خيرات مزرعته قبل بقية المزارعين؛ تجد الفول، السمسم، البطيخ و اللوبيا منبسطة في الأسواق. في يومٍ من الأيام الغابرة كما يسميها، كان يلّقح بسونكته الطويلة أشجار الهشاب، في عزّ الحماسة و الغناء نسيَ أن يعلِّق السونكي في مكانه الصحيح و نام تحت الشجرة؛ سقط عليه السونكي و أصبحت عينه اليسرى تشبه عيون البوم.

 

و بعد أن عمل حكيم القرية ما يستطيع عمله، حوله إلى العاصمة لمقابلة أطباء العيون. وعده أهله بأخذه إلى العاصمة عند وصول الطريق المسفلت إلى القرية. مرت سنوات كثيرة لكنّه لم يفقد الأمل.

 

لم يوقف سعد خير السيد أمله في وصول الطريق المسفلت إلى أن غادر إلى الحياة الأخرى بعينٍ واحدة.

 

 

6-رفقة

 

في القرون الماضية كانت لقبيلة الأشانتي عادة، عادة الرفقة للاشانتين ملكهم في رحلته الأخيرة؛ حيث يعتقدون أن كلمة (مات) الملك إساءة عظيمة و قلة احترام له لذلك يطلقون عليه ذهب إلى قريته.

 

في ثلاثينيات القرن الماضي، كان صباح كوماسي كئيباً كالكآبة التي أصابتهم يوم الهزيمة، شوارع و أشجار المدينة امتلأت صمتاً، كان ذلك يوم زيارة الملك لأسلافه في قريتهم البعيدة. بكت النساء و زينت الأجساد بالملابس الجديدة، و أشهر الشباب سيوفهم النبيلة كي يختاروا مرافقي الأشانتين في رحلته الأخيرة، فكانت الحصيلة عشرات الآلاف من شباب كوماسي يرافقون ملكهم كي يحتل الكرسي الذهبي من أسلافه.

 

في صباح يوم من ربيع 1999، و بعد أن كان الملوك الأشانتين قد أمضوا سنوات طويلة من حسن الرفقة مع مرافقيهم في قراهم البعيدة، استيقظت المدينة لتجد خدودها مبللة؛ كانت عيون الرجال ترشح بالدمع، و أفواه النساء بالنواح، فالحزن المكبوت لاندثار العادة قد أفلت و لا طريقة لوقفه، كان ذلك يوم موت ملكهم الخامس عشر اوتومفو اوبوكو. في أول الأمر فكر كبار السن الذين أرهقتهم الحياة أن يرافقونه، ثم الشباب. و بعد أيام من الإقناع و الحزن ذهب الملك إلى قريته وحيداً.

 

و منذ ذلك الحين صار الملوك يذهبون إلى قراهم البعيدة دون رفقة.

 

7-العاصفة

 

في الوقت الذي رسم فيه المستعمر الألماني الشكل الذي أراده لمستعمرته ناميبيا، و بعد أن انتهوا من القضاء على شعب الهيريرو بشكل كلّي و نقلوا رئيسهم صامويل ماهريرو الذي رفض الاستسلام إلى سجونهم في أرض بيشوانا.

 

انشغل فنّان نجا من المذبحة الجماعية برسم تمثال صامويل ماهريرو و أمامه سهام منطلقة تشبه في هيئتها العاصفة.

 

لم تخمد تلك العاصفة أبداً.

 

 

8-الرحمة

 

يحدث أن تذهب إلى المسجد لأداء فريضة الجمعة في أيّ منطقة من مناطق الهند، خصوصاً مساجد مدنها الكبيرة؛ مباني أثيرة بُنيت من الطوب، تشبه طرق تشييدها أشكال العمارة الاستعمارية التي شيدتها بريطانيا في الهند و دول كثيرة أخرى؛ جدرها مزخرفة بآياتٍ قرآنية تخبرك بأنها قديمة.

 

أكثر ما يثير فيك الحيرة مشاهد الناس و هم يجلسون على فناء المسجد، نساء يحملنّ أطفالهنّ، مرضى بأمراض مزمنة، شحاذين يمدون إليك أيديهم طلباً المساعدة؛ خطبة أولى يلقيها عليكم أحدهم بالأردو، ثم تلحقها أخرى بلغة المنطقة، ثم خطبة مكررة بالعربية تسمعها في كل المساجد التي تذهب إليها؛ لكن ثمّة شيء تلحظه باستمرار أنّ كل هذه الجموع تنتظر الأئمة ليدعوا لهم بالشفاء، و الأكثر غرابة أنهم لا يؤمنون بدين الإسلام – لكنهم يرفعون رؤوسهم نحو المسجد و يقولون: إله المسلمين هو الرحمة.

 

 

9-آلة

 

في صباح يوم من أيّامِ القرن الثامن عشر، تحديداً في مدن أوربا الكبرى، بدأ الإنسان يتحّول تدريجياً من فصيلة الحيوان إلى آلة، بدءً من يديه إلى خصيتيه؛ منذ ذلك الوقت صار التحول ينتقل بين مدن أوربا حتى وصل إلى الجهة الأخرى من الأرض، و تحوّل الجنس البشري كلياً إلى آلة، و كلما تحولت مدينة إلى آلة قبل المدن الأخرى صارت أكثر تطوراً.

 

10-يمانجا

 

في مدينة باهيا، كان الليل بهياً كالبحر، تجمّع سبعة من خِيرة بحّاريها الشباب ليقرروا خوض بحرها متلاطم الأمواج و العبور إلى الجهة الأخرى من المدينة، و كان النقاش بينهم قائماً على خوض هذه المغامرة أو عدم خوضها و الانتظار إلى صباح اليوم التالي ريثما تهدأ الأمواج. حين علت أصواتهم بين رافضٍ و مؤيد تدخل كبير البحَّارة العجوز هنري الذي خاض البحر عمراً و خبر مجاريه، واقترح عليهم أن يصوتوا فيما بينهم، حينها هزّ روبينيو ابن المدينة المتعلِّم رأسه رفضا لفكرة العجوز، لعلمه مسبقاً ما ستؤول إليه النتيجة. خرجت الأصوات التي وصفته من قبل بالخوف علناً هذه المرّة؛ رضخ لقوتهم و سخريتهم وخاض الاقتراع، فكانت النتيجة كما توّقعها، أربعة منهم اتفقوا على أن يخوضوا بينما رفض ثلاثتهم، لكنّها الغلبة تميل للأكثر دوماً. حُلَّت حبال المراكب الثلاث بحماسٍ يمتزج بخوفٍ ورفض و القوها في البحر. بينما كانوا يجدّفون في منتصف الأمواج ظهرت “يمانجا” بشعرها الحريري اللامع، هذه هي ليلتها كما اخبرهم العجوز هنري قبل أن يمتطوا ظهور مراكبهم، كانت أجمل من كل الحكايا التي سمعوها عنها، و في منتصف ذلك الذهول تلاطمت الأمواج كما لم تتلاطم من قبل وحطّمت المراكب الثلاث، و اختفى الشبّان السبع وسطها. بعد العاصفة، تناقلت الأخبار بين قرى المدينة الشاطئية، بحث البحارون ثلاثة أيام في عرض البحر دون أن يجدوا دليلاً على وجودهم، و في اليوم الرابع سمعوا صوتاً من المعبد الخالي على الشاطئ الآخر يغنّي بوضوح:

 

أعيدي زهرات باهيا

 

أيتها الأم الرحيمة يمانجا.

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة