الرئيسية / احدث التدوينات / كلمات متجولة (6)

كلمات متجولة (6)

f123d17a3a80bd6ae370ecbecde2f519

بقلم: عاطف جمال

 

 تاريخ إفريقيا

 

في بدايات القرن التاسع عشر، عندما كان العالم بؤرة ألم، انتفض منليك الثاني، في الغابات و الأدغال الاثيوبية ضد الغزاة الإيطاليين الذين جاءوا لقلب العالم و جعله مرآة واحدة، و لأخذ الأرواح و لعن الأجداد.

في ناحيةٍ أخرى من القارة، و في الوقت ذاته كانت قوات بربيبه الأشانتين، يخطون خطوة هنا، و يسددون ضربة إثر ضربة هناك، ليقفوا سداً منيعاً دون تقدم الدخلاء البريطانيين.

في منتصف القرن، قرن الموت كما حدثنا الأجداد؛ بينما كان منليك يحتضر، انتفض شاب آخر وسط أدغال الإنجليز المتكومة في الخرطوم، يحيط به شبَّان كالأسود بل هم أسود فعلاً،اختاروا لأنفسهم اسم اللواء الأبيض. كانوا التمرد الأكثر تنظيماً و علماً، بقيادة علي عبد اللطيف، أنهكوا الدخيل الذين علمهم لكي يعملون له و يخرسوا للأبد.

لم تصمت القارة التي أنهكها الغزاة، من نصرٍ إلى هزيمة، و من هزيمةٍ إلى نصر، و من تمردٍ إلى تمرد، استمر التاريخ و كلما انطوت صفحة فتحت صفحة أخرى، و كلما قال وداعاً زأر الأسود و قالوا إلى اللقاء.

عناق

عاد سعد خير السيد من ليبيا بعد غربة دامت عشرون عاماً.

القطاطي التي تركها بيضاء، عمَّ السواد أطرافها. مزرعتهم التي كان لا يستطيع الوصول إليها إلاّ حين يمتطي ظهر حمارهم الريفاوي، أصبحت أقرب المزارع إلى القرية و يمكنه أن يذهب إليها سيراً على أقدامه.

حقائبه المغبورة، و التي شقَّ حملها على لوري الحاج عثمان كانت حديث الناس لأيّام.

ابنه أحمد كان أول المستقبلين، نظرا لبعضهما طويلاً دون أن ينبسا بكلمة، فقط نظرات تتبعها نظرات لا معنى لها و في الوقت نفسه تحمل كل معنى. تساوت أكتافهما و طالت أذرع أحمد لدرجة أنهما لم يستطيعا أن يتعانقا.

هنديات

 

(١)

عندما كُنّا في طريقنا من مدينة مدراس “جيناي” الى بنغلور، روى لي عجوز هندي، يتحدث الإنجليزية بلكنة تختلف عن طريقة نطق الهنود لها؛ أنّ الكهّان الذين يركبون الباصات في المحطات الرئيسيّة، و يمسحون على رؤوس الركاب دون أن يسألونهم عن دياناتهم ثم يتمتمون، هم في الحقيقة يسألون الآلهة “غانيش” Ganesh أن تزدهر حيواتهم و يحقق آمالهم، يحطم غرورهم و فخرهم بأنفسهم حتى لا يتحولون إلى أمساخٍ في حيواتهم القادمة.

(٢)

على مشارف مدينة غوا الهندية، في حارة بريتونا:

كنّا نجلس على ضفة نهر ماندوفي، نراقب التقاء مياهه بمياه بحر العرب، سفن تعدين الذهب الكبيرة تغدو و تروح كل حين، السفن الكروز الكبيرة التي لا يدخلها إلاّ كبار مقامري المدينة ورجال أعمالها، السحرة الذين يستطيعون سحب سفن الميناء الكبيرة بيد واحدة فينالون إعجاب النَّاس ثمّ يتلقون بالمقابل حفنة من الروبيات.

في إحدى مناسبات المدينة الكبيرة ازداد عدد سياحها، و ازداد عدد السحرة في نزلنا بالمقابل. كانوا يستيقظون باكرًا، يجهزون معداتهم و يؤدون بعض التمارين حتى لا يبارحهم الفشل لاحقاً أمام الجماهير؛ تعرفت على ساحر يدعى سانغيت، قدم من مدينة كالكوتا، أخرج ثعباناً له رأسان و ذيل يشبه أذيال القطط البريّة، قلت له: يا الهي إن الله يخلق أشياء عجيبة حتى نحن لا نستطيع معرفتها.

نظر إليّ ملياً ثم أجاب: الله يخلق أشياء كثيرة نعلمها و ما لا نعلمها، و في أحيانٍ أخرى يخلق أشياء حتى هو لا يعلمها.

عادات

هناك جميلة الجزائرية المقاتلة، و هنا جميلة المكسورة التي حبسوها في غرفة، تدخلها ذرات الهواء كقطرات ندى، مقيدة الأيدي دون أن تدري ما جريمتها.

حاولت كثيراً أن تهرب، لكن كيف لطائرٍ أن يحلِّق دون أجنحة.

في صباحِ أحد الأيّام المظلمة، دخل عليها رجل بدين مثل حصان جامح، نظر إلى جثتها المتحركة، لم ينطق بكلمة.

و بعد شهور حبلت جميلة.

لم يكن السجَّان أشقراً كما حدث مع جميلة الجزائرية، بل كانوا أهلها و أفراد عشيرتها. فقد كانت تسدد دين أخيها الذي اغتصب فتاة من قبيلة أخرى.

حدثت هذه الفاجعة في قرية مجاورة لكراتشي، في نهاية عام 2016.

لا لشيء

منذ زمنٍ طويل، لم تتوقف الحياة عن إبراز ألعابها.

في ليلةٍ من ليالي يناير المبهجة من عام 1938، و بعد أن عاد الكاتب صامويل بيكيت من فرنسا إلى بلده الأم ايرلندا في إجازة قصيرة، قدمت له الحياة الحفاوة بغرزِ خنجرٍ في جسده، رقد على إثرها أياماً في المستشفى، مشغولاً بأمر الشخص الذي غرز في جسده خنجراً دون أن تجمعهما طرق الحياة. و بعد شفائه لم يكنْ يشغله سوى السؤال و الإجابة اللذان غيّرا حياته للأبد.

مرّت سنوات طويلة على رحيل بيكيت لكن لم توقف الحياة ألعابها في المسارح. في يومٍ من أيّام أكتوبر الدافئة من عام 1995و بعد عام من سقوط الفنّان خوجلي عثمان مخترقاً بالخناجر المغروزة في جسده؛ غرزت الحياة خنجراً آخراً في عنق الكاتب نجيب محفوظ.

تتجرد الحياة و تتخذ ذاكرة الخناجر شكلاً لها لتغرزها في المسارح و أبطالها. تغيّرت و مرّت السنوات لكن الإجابة لم تتغيّر أبداً:

لا لشيء.

خدعة الموت

الجدة زينب التي لقبوها بالمخادعة. كانت صغيرة مثل فتياتِ جيلها، لكنها تملك شيئاً لا يملكه غيرها، بل أنها و في عمرِ العاشرة صارت تنافس من أكبر منها. كانت موهبتها الغناء بصوتٍ لم تسمعه الحلالات السبعة أبداً،متبوعاً بتأليف كلماتٍ موسيقية آنية و هي تنقر على الدلوكة بكلتا يديها.

لم تكن الحفلات هي الحفلات في غيابها. كانت تتصدر قائمة المدعوين في كل مناسبة ليفتخر العروسين لاحقاً بأنّ “الزينباي” ذات نفسها تغنت في عرسهما.

واصلت الغناء في الحفلات إلى عمر الستين بذات الحماس، إذ كان شيئاً مستحيلاً في الحلالات أن تغني فتاة لما بعد الثلاثين لكنها كسرت العادة.

و بعد أن أدارت الحياة لها ظهرها، و صار لها أحفاد أحفاد، كانت قطيتها مسرحها الوحيد، و أحفادها دلوكتها التي تنقر بها على الأيام، و في كُلِّ مرة تسمع عن عرسٍ أو مناسبة فرح توصيهم بها و تقول:

كل مرة أفلت من الموت بخدعة،

أفلت بالموسيقى.

ميثولوجيا

(١)

في قريةِ كانجي الإفريقية، كان الوقت عصراً، تبدو الشمس و كأنّها تدنو إلى الغروب – يميل لونها إلى الأحمر المتفتّح، في ذلك الوقت تحديداً كان أهل القرية يدّقون الطبول الجلدية ويرقصون على أنغامها، يشربون نخب ما صنعوه من مشروبات و يأكلون لحوم الأغنام التي تُشْوى أمامهم، حيثُ كانوا يحتفلون بموت الإله.

(٢)

كانت الجدة نور الشام تستلقي على سريرها و تهمهم بكلماتٍ غير مفهومة، حاول حفيدها الصغير أن يفهم ما تعنيه لكنه لم يستطع؛ وسط هذه الهمهمات غير المفهومة راحت في نوم عميق.استيقظت الجدة نور الشام فرحة تعلو زغاريدها، تجمّع الجيران و أبناءها لمعرفة سبب هذه الزغرودة، فبشرتهم بالخلود و انتهاء الموت إلى الأبد، ثمّ قالت: رأيت بعينيَّ هاتين “عزرائين”ميتاً، ممدداً على العنقريب و مغطياً بالكفن.

المكتبة

 

تعود بي الذاكرة إلى ذات أمسية في مكتبة البشير الريح بأم درمان. حيث كنت من المداومين على زيارتها، تتميّز أزقتها بصمتٍ مهيب، جدرها الملونة بعبق التأريخ و الحاضر تحكي كل شيء، في رواقها الأيمن و بالقرب من بابها تقف شجرة “دوم” تلامس أفرعها السحاب، يرقد تحتها حوض للوضوء و الغسل، شجيرات صغيرة تنمو على جوانبها فتزيدُ المدخل بهاءاً وجمالاً. تتوسطها راكوبة كبيرة معروشة من الحصير و الزنك تستخدم كمصلّى و مرقد للناس في نهار رمضان، و على رواقها الأيسر تقف شجرتا نيم كبيرتان تحكيان كل شيءٍ عن المكتبة بصمت.

بينما كنت أتنقل ببصري هنا و هناك حينها رأيت تلك الفتاة، كانت طويلة كنخلة، سمراء كالخمر، لها شامة على خدّها الأيسر، جسدها أفعواني و ناري، و عينان تتناغمان معه؛ يا إلهي إنّها نار متحركة، رشيقة مثل أغصان القمح في فصل الشتاء، شعرها أسود و طويل و حريري يتمايل و يتحرك مثل جسدها، تفوح منها رائحة تشبه رائحة البكاء الذي يُبلل الوسائد، ترتدي ثوبًا سماوي اللون و تحته تنورة رمادية، تتقمص بعض الألوان الأخرى مكاناً لها بين مسامات خطوطها الرمادية. تحمل في يدها كتاب برتقالي الغلاف، طبع عليه “The Dream of a ridiculous man” .. تتبعتها حتى وضعته على الرف، تسللت خلسةً لأعرف سر ذاك الرجل المضحك الذي قذفته تلك الجميلة لتوها على رفٍ رث يملؤه الغبار، و تزخرف أطرافه خيوط العناكب الواهنة. حفظت مكانه؛ لم يكُن صعبٌ عليّ تذكر موضعه لأني كنت أحفظ رفوف المكتبة كاسمي تماماً.

خرجت من المكتبة لأجلسُ على باحتها الواسعة، و أشم نسيم الهواء الذي يُلقي بذراته على شجرتي النيم المتقابلتين فتحدثان صوتاً كصوت فرس يعدو، و لأرى تلك الجميلة، فجمالها كان يُحرك أفرع الشجرة حتى يُخيل لسامعها بأنها تنادي باسمها .. جلست على قبالتها، تفصلني عنها سبعة أمتار، و ثلاثة عشر كرسي يشكلون دائرةٌ حولها.

تمضي الحياة و تتساقط معها كل الذكريات لكنني لا زلت أذكر أمين المكتبة بكل بهائهِ و وقاره، هادئاً لا يتحدث أو يتحرّك من مكانه إلاّ إذا لزم الأمر، كأن ينبِّه بعض روّادها للالتزام بالهدوء و حتى لا ينفلت الأمر و تتحول المكتبة إلى مقهى، تنساب فيها الضحكات من كل صوب. كنتُ أتسلل إلى أرفف الكُتب كلما وجدت نفسي فارغاً و ممتلئًا من ضجر الحياة، ألامس الكتب بأصابع مرتجفة خوفاً من أبطال الروايات و القصص الأشرار و أيضاً خوفاً من أن تخطئ يدي و تحوّل هدوء الورق إلى قطع متناثرة؛ و كان أمين المكتبة يتابعني بنظرات مراقبة،يجول بعينين متفتحين بين كتابه الموضوع أمامه بعناية عادةً و بين تحركاتي الحائرة. في بداية علاقتي بالمكتبة كان يتابعني بنظراته فقط، و مع مرور الوقت أصبح يسألني أيّ الكتب أريد أن اقرأ، ثم تمتنت العلاقة بيننا حتى أصبح يقترح لي بعض الروايات لأقرأها. كان يعرف كل القصص، الكتب و كل التفاصيل، و كان حديثه عن الكتب أكثر إمتاعا من كل الكتب و الحكايات التي قرأتها. ذات مساء كان يحكي لي عن الكتب و المكتبات بحُريّة و أريحية قال لي: اعلم يا بنيّ أنّ المكتبة هي الكون، و أنّ جزيئات الكون تكونت هنا ثم أصبح لدينا هذا العالم الذي تراه الآن، يركض و يربضْ بكل ما يحمل لكنه في آخر الأمر يعود إلى ذاكرة المكتبة و ينام.

قادتني رجلاي بعد أعوام للطريق المؤدي للمكتبة على أمل لقاء الفتاة مرة أخرى و إعادة ذكرياتي هناك، و أنا في طريقي إليها تذكرت مكان الإلياذة لهوميروس، ترويض الشرسة لشكسبير،حلم رجل مضحك لدوستويفسكي، و موضع الكرسي الذي كانت تجلس عليه الأنيقة. تذكرت كل شيء يتعلق بها إلاَّ أنّ المكتبة نفسها لم تعد موجودة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة