كمان روتشيلد

14808824_1587819017910335_761067435_o

 

• تاليف: أنطون تشيخوف
• ترجمة: أشرف الصباغ

كانت البلدة صغيرة ، أسوأ من قرية ، لا يكاد يعيش فيها سوى العجائز الذين يموتون بشكل نادر إلي حد مقلق ومثير للحيرة . وكانت الحاجة إلي التوابيت ضئيلة جداً في المستشفي ، وحتى في السجن. وباختصار فقد كانت الأمور في غاية الإزعاج. ولو كان “ياكوف إيفانوف” حانوتياً في مركز المحافظة ، لأمتلك علي الأرجح منزله الخاص ، ونادوه بلقب ياكوف ماتفييتش . ولكنهم ظلوا ينادونه ، هنا في البلدة الصغيرة ، ببساطة ، “ياكوف” . ولسبب ما كان لقبه في الشارع “بورنزا” ، برغم حياة الفقر والكفاف ، كفلاح بسيط في بيت من بيوت الفلاحين الصغيرة الحقيرة ، حيث يقتصر علي غرفة وحيدة يعيش فيها هو وزوجته “مارفا” ، والمدفأة ، وسرير يتسع لشخصين ، والتوابيت ، ومنضدة نجارة ، وباقي أدوات المعيشة .

كان “ياكوف” يصنع توابيتاً جيدة ومتينة . ومن أجل الرجال وصغار الملاك كان يصنعها علي مقاسه . ولم يخطئ في ذلك مرة واحدة إذ لم يكن هناك إنسان أطول وأقوي منه ، حتى في السجن برغم انه كان قد تجاوز السبعين عاماً . ومن أجل النبلاء والنساء فقد كان يصنعها بالقياس مستخدماً من أجل ذلك مقياس الأرشين * 1، بينما كان يقبل طلبيات توابيت الأطفال علي مضض ، ويصنعها مباشرة بدون قياس وباستخفاف شديد . وفي كل مرة عندما يتقاضي فيها نقوداً عن عمله ، كان يقول :
– أعترف .. فأنا لا أحب العمل في هذه التفاهات .

باستثناء الحرفة ، كان عزفه علي الكمان يجلب له أيضاً دخلاً غير كبير . ففي حفلات الزفاف بالبلدة كان يعزف في العادة الأوركسترا ( اليهودي ) *2 ، الذي يقوده السمكري “موسى اليتش شخكيس” مستأثراً لنفسه أكثر من نصف الإيراد . وبما أن “ياكوف” يجيد العزف علي الكمان ، وخصوصاً بمصاحبة الأغنيات الشعبية الروسية ، فقد كان “شخكيس” يدعوه أحياناً للعزف في الاوركسترا مقابل خمسين كوبيكا في اليوم بغض النظر عن هدايا الضيوف وتبرعاتهم . وعندما كان “برونزا” يجلس بين العازفين في الاوركسترا ، فإن أول ما يظهر عليه هو إحمرار وجهه وتصبب العرق منه .. فالجو عادة ما يكون حارا ورائحة الثوم تخنق الأنفاس ، والكمان يُزَيّق ، والكونترباص يشخر بجوار أذنه اليمنى ، وبجوار اليسرى ينشج الناي الذي يعزف عليه ( اليهودي ) الأصهب الهزيل ، بوجهه الذي تظلله شبكة واسعة من العروق الحمراء والزرقاء ، والذي يحمل لقب الثري الشهير “روتشيلد” . هذا ( اليهودي ) اللعين يحول حتى اكثر الألحان مرحاً إلي كآبة وانين . وبدون أسباب واضحة كان “ياكوف” متشبعاً بكره واحتقار شديدين لهؤلاء ( اليهود ) ، وخاصة لـ “روتشيلد” ، وقد بدأ ذلك بالمماحكة ، ثم التجريح بالشتائم البذيئة ، لدرجة أنه أراد ذات مرة أن يضربه . بينما تأذي روتشيلد ، وقال من بين أسنانه في حنق :

– لو لم أكن أحترمكم لموهبتكم ، لطرتم من النافذة منذ زمن بعيد .

ثم بكى . ولذا فقلما كانوا يستعينون “ببرونزا” في الاوركسترا ، وذلك يحدث فقط في حالات الضرورة القصوى عندما يتغيب أحد من اليهود .

كان “ياكوف” في مزاج سيء باستمرار لأنه يتعين عليه دائماً أن يصبر علي الخسائر الفادحة . وعلي سبيل المثال ، ففي أيام الآحاد والأعياد كان من الإثم أن يعمل ، ويوم الاثنين يوم صعب ، بهذا الشكل يكون المجموع حوالي مائتي يوم يتعين عليه فيها أن يجلس ، خلافاً لإرادته ، عاطلاً عن العمل . بينما في ذلك خسارة ، وأية خسارة ! إذا أقام أحداً ما في البلدة عرساً بدون موسيقى ، وخسارة أيضاً إذا لم يدع “شخكيس” “ياكوفا”ً … لقد ظل رجل البوليس مراقب السجن مريضاً يعطس طوال عامين كاملين . وانتظر “ياكوف” بفارغ الصبر موت الرجل ، ولكن المراقب سافر إلي المركز للعلاج ومات هناك . وكم كانت الخسارة إذ ضاعت علي الأقل عشر روبلات لصناعة تابوت علي نحو خاص مستخدماً القماش لتزيينه … وراحت الأفكار حول الخسائر والانتكاسات تضني “ياكوف” وتعذبه ، خاصة في الليل . لذلك وضع الكمان إلي جواره في الفراش ، وكلما وردت علي ذهنه ترهة ما ، حماقة ما ، كان يمس الأوتار فيصدر الكمان في الظلام صوتاً يهدئ من روعه .

في السادس من مايو في العام الماضي توعكت زوجته “مارفا” فجأة ، راحت تتنفس بصعوبة شديدة وشربت ماءً كثيراً ثم ترنحت . وعلي الرغم من كل ذلك فقد نهضت في الصباح وأشعلت المدفأة بنفسها ، حتى إنها ذهبت لتملأ الماء . وقرب حلول المساء ترنحت مرة أخرى ، في حين ظل “ياكوف” طوال النهار يعزف علي الكمان . وعندما حل الظلام تماماً ، تناول الدفتر الذي يسجل فيه خسائره كل يوم . ومن جراء الملل راح يجري إجمالي سنوي لهذه الخسائر . وكانت النتيجة أكثر من ألف روبل مما زلزل كيانة لدرجة أنه ألقي بالأوراق علي الأرض وأخذ يدوسها بقدميه ، ثم رفعها ثانية ومزقها متنفساً بعمق وتوتر ، أحمر وجهه وتبلل من أثر العرق . راح يفكر فيما إذا كان قد وضع هذه الألف روبل الضائعة في البنك ، لتتراكم الأرباح السنوية علي الأقل بمقدار أربعين روبلاً . مما يعني أن الأربعين روبلاً هذه تعتبر أيضاً خسارة . وباختصار فحيثما اتجهت ، وأينما كنت فليس هناك سوى الخسارة ولا شئ سواها ..

– ياكوف ــ نادته مارفا بغته ــ إنني أموت ..!

تطلع إلي زوجته . كان وجهها وردياً من ارتفاع درجة حرارتها ، وصافياً وسعيداً بشكل غير عادي . أما هو المعتاد دائماً علي رؤية وجه زوجته ممتقعاً شاحباً وتعيساً ، فقد اعتراه الحزن والارتباك . الأمر أشبه ما يكون بأنها قد ماتت بالفعل .. كانت راضية بذلك وسعيدة لأنها أخيراً ستخرج وإلي الأبد من هذا البيت القروي ، ومن التوابيت المتراصة ، ومن ياكوف نفسه … نظرت إلي السقف وتمتمت شفتاها بشيء ما ، وكان التعبير المرسوم علي ملامحها ينم عن سعادة عميقة وكأنها بالفعل قد رأت ملاك الموت وتهامست معه .

كان النهار قد شقشق ، وبان من النافذة كيف تلألأت شمس الصباح . عندما نظر “ياكوف” إلي العجوز ، تذكر لسبب ما أنه طوال حياته لم يلاطفها أو يشفق عليها ، ولم يفكر مرة واحدة أن يشتري لها منديلاً أو يحضر لها شيئاً ما حلواً من عرس ، فقط كان يصرخ فيها ، ويكيل لها الشتائم بسبب الخسائر والانتكاسات ، وينقض عليها مهدداً بقبضتيه . وفي الحقيقة فهو لم يضربها أبداً ، وبالرغم من ذلك فقد كان يفزعها ويخيفها ، وكانت في كل مرة تتجمد من الرعب ، وأيضاً لم يكن يسمح لها معه بشرب الشاي ، لأنه بدون ذلك ستكون المصاريف أقل . أما هي فقد كانت تشرب الماء الساخن . ولقد فهم لماذا يبدو وجهها الآن هكذا غريباً وسعيداً ، الشيء الذي أصبح بالنسبة له مرعباً..

جاء الصباح بعد طول انتظار ، فاستعار حصان جاره ونقل مارفا إلي المستشفي . كان المرضى هناك قليلين ، وما كان عليه الانتظار إلا قليلاً ، حوالي ثلاث ساعات . ولحسن حظه فقد استقبله في هذه المرة -ليس الدكتور الذي كان هو نفسه مريضاً – وإنما التمرجي “مكسيم نيكولايتش” العجوز ، الذي يتحدث عنه الجميع في البلدة بأنه علي الرغم من كونه سكيراً وصاحب مشاكل إلا انه يفهم أكثر من الدكتور . وبعد أن أدخل “ياكوف” العجوز إلي حجرة الاستقبال ، قال :

– السلام عليكم ، سامحوني ، فنحن نزعجكم دائماً يا “مكسيم نيكولايتش” بأمورنا التافهة ، اسمحوا لي أن ألفت انتباهكم .. لقد أصاب المرض أهالي ، رفيقة حياتي كما يقال ، اعذروني علي التعبير …

قطب التمرجي حاجبيه الاشيبين ، ومسد فوديه ، وراح يتفحص العجوز وقد تقوست علي مقعد بدون مسند ، هزيلة ومدببة الأنف بفم مفتوح ، تشبه من جانب وجهها طائراً يهم بشرب الماء .

قال التمرجي ببطء بعد أن أخذ نفساً عميقاً :

– آ .. نعم .. هكذا .. أنفلونزا ، وربما حمى . فالتيفود منتشر الآن في البلدة .. ماذا نفعل ؟ لقد عاشت العجوز طويلاً .. الحمد لله .. كم عمرها ؟

– سبعون إلا سنة واحدة يا “مكسيم نيكولايتش” .

– ماذا نفعل ؟ عاشت العجوز طويلاً .. وآن الأوان لرحيلها .

– هذا الكلام بالطبع معقول إذا سمحتم يا “مكسيم نيكولايتش” ( قال ياكوف هذا وهو يبتسم من باب التأدب ) ونحن شاكرون وممتنون علي تفضلكم . ولكن أسمحوا لي أن أذكركم بأن الحشرة أيضاً تريد أن تعيش أطول .

– كل شيء جاهز .

ثم قال التمرجي بنبرة كما لو كان موت العجوز أو حياتها متوقفان عليه :

– إذن .. هكذا .. يا ولد سوف تضع علي رأسها كمادة باردة .. وأعطها من هذا المسحوق مرتين كل يوم ، ثم مع السلامة . بانجور .

لمح “ياكوف” ، من تعبيرات وجهه ، أن الحالة سيئة ، ولن تساعدها أيه مساحيق . وكان من الواضح له أن “مارفا” علي وشك الموت ، إن لم يكن اليوم فغداً . عندئذ دفع التمرجي من مرفقه برفق ، وغمز بعينه ، ثم قال بصوت خافت :

– ماذا لو حجمناها يا مكسيم نيكولايتش .

– إطلاقاً .. إطلاقاً يا ولد . خذ عجوزك وأذهب في أمان الله . مع السلامة .

قال “ياكوف” بتضرع :

– اعملوا معروفا .. لو افترضنا أن بطنها آلمها أو أي شئ داخلي ، فعندئذ نعطيها مساحيق وقطرات ، ولكن من الواضح أن عندها نزلة برد ، وأول شيء في حالة النزلة هو طرد الدم يا مكسيم نيكولايتش .

ولكن التمرجي كان قد استدعى المريض التالي . ودخل فعلاً إلي حجرة الاستقبال أب مع ولده ، في حين قال لياكوف عابساً :

– اذهب .. اذهب الحالة غير واضحة .

– في هذه الحالة علقوا لها ولو حتى ألقة.. لتجعلوها تصلي لله إلي الأبد !

فصاح التمرجي في ثورة :

– علمنى أيضاً ! يا بليد …

اغتاظ “ياكوف” وتضرج كلياً ، لكنه لم يتفوه بكلمة واحدة ، وتأبط ذراع “مارفا” وأخرجها من حجرة الاستقبال . ولما جلس في العربة فقط ، طالع المستشفى بنظرة قاسية ساخرة قائلاً :

– أجلسوكم هنا .. ممثلين ! لو كان غنياً لحجمه ، ولكنه يستكثر علي الفقير حتى ألقة واحدة .. معاتيه مشوهون !

عندما وصلا إلي البيت ، ظلت “مارفا” واقفة لعشر دقائق بعد دخولها ويدها علي كليتها ، وبدا لها أن “ياكوف” لو رآها مضطجعة فسوف يبدأ حديثه عن الخسائر والانتكاسات ، وسينهال عليها بالشتائم متهما إياها بالنوم وعدم الرغبة في العمل . وتطلع “ياكوف” إليها في تذمر وملل ، وتذكر أن عيد الناسك يوحنا غداً ، وعيد نيكولاي صاحب المعجزات بعد غد ، وبعد ذلك يوم الأجد ، ثم يوم الأثنين الصعب . أربعة أيام لا يجوز العمل فيها ، وربما تموت مارفا في أي منها . إذن ينبغي أن يصنع لها اليوم تابوتاً ..! وأخذ أرشينه الحديدي ودنا من العجوز فأخذ مقاسها ، ثم استلقت هي علي الفراش بينما رسم علامة الصليب ، وبدأ في عمل التابوت .

حين أصبح التابوت جاهزاً ، لبس “برونزا” عويناته وسجل في دفتره :

– تابوت مارفا إيفانوفا 2 روبل و 40 كوبيك .

وتنفس الصعداء في حين كانت العجوز مستلقية طوال الوقت وهي مغمضة العينين ، وفي المساء عندما حل الظلام ، نادت عليه العجوز فجأة ، وسألته متفرسة فيه بسعادة :

– أتتذكر يا “ياكوف” ؟ أتتذكر .. كيف رزقنا الله قبل خمسين عاما بطفل أشقر الشعر ؟ آنذاك كنا نجلس طوال الوقت علي ضفة النهر نغني .. تحت شجرة الصفصاف .

وبعد ان ابتسمت بمرارة ، أضافت :

– ماتت البنت .

أجهد “ياكوف” ذاكرته ، ولكنه لم يستطع أبداً تذكر شيء ، لا الطفل ولا الصفصافة . فقال :

– يخيل لك يا مارفا.

جاء القس وأجرى مراسم الاعتراف . بعدها راحت مارفا تتمتم بأشياء غير مفهومة ، وفي الصباح ماتت . قامت الجارات بغسلها وإلباسها ووضعها في التابوت . ولكي لا يدفع ياكوف مبلغا إضافياً للشماس ، تلا هو بنفسه القداس علي روحها ، فيما لم يأخذوا منه شيئاً عن حفر القبر ، لأن حارس المقابر هو الذي كان قد عمد ابنته في الكنيسة بعد ولادتها . وحمل النعش إلي المقبرة أربعة رجال من قبيل الاحترام والتوقير ، وليس من أجل النقود . وسار خلفه النسوة العجائز ، والمتسولون ، واثنان من المجاذيب ، بينما كان المارة يرسمون علامة الصليب بورع وتقوى .. وكان “ياكوف” مسروراً للغاية إذ كل شيء سار محترماً ولائقاً ورخيصاً ، وليس هناك ما يمكن أن يكون فيه إهانة لأحد . وفيما كان يلقي النظرة الأخيرة علي جثمان مارفا المسجى في النعش ، لمس بأصابعه حافة التابوت ، وفكر في نفسه : ” صنعة ماهرة ! ” .

بعدما عاد من المقبرة انتابه حزن شديد واستحوذ عليه الملل ، وشعر بتوعك : كان تنفسه حاراً وثقيلاً وقدماه ضعيفتان ، وانتابته رغبة شديدة لشرب الماء . راحت الأفكار أيضاً تتصارع في رأسه ، وطاف بذاكرته من جديد انه لم يشفق عليها مرة واحدة في حياته كلها ، ولم يلاطفها . وقد عاشا في بيت واحد اثنين وخمسين عاماً مرت بطيئة ، ولكن حدث علي نحو ما أنه طوال هذا الوقت لم يفكر فيها ، ولم يلاحظ وجودها أو يهتم بها كما لو كانت قطة أو كلب ، بينما ظلت هي كل يوم تشعل المدفأة ، تطبخ وتخبز ، تذهب لجلب المياه ، تقطع الأخشاب ، وترقد إلي جواره في فراش واحد . وعندما كان يعود ثملاً من الأعراس ، كانت في كل مرة تعلق كمانه علي الحائط باحترام وتبجيل ، وترقده في فراشه ، وكل ذلك بصمت وعلي وجهها إمارات الهيبة ..

التقى “روتشيلد” بـ “ياكوف” في الطريق ، فابتسم له محييا إياه باحناءة ، وقال :

– أنا أبحث عنكم يا جدي ! “موسي اليتش” يسلمون عليكم ويدعونكم لزيارته حيالاً ..

كان “ياكوف” في شغل شاغل عن ذلك ، ولديه رغبة شديدة في البكاء .

– دعني

قال ذلك وتابع سيره ، بينما انزعج “روتشيلد” واندفع مهرولاً إلي الأمام :

– كيف يمكن ذلك ؟ “موسي اليتش” سيغضبون ! إنهم طلبوك حالاً !

أدي إلي امتعاض “ياكوف” أن هذا ( اليهودي ) كان يلهث ويتلعثم في كلامه ، ويطرف بعينيه ، ولديه نمش أحمر كثير علي نحو ما ، ومن المقرف لياكوف النظر إلي سترته الخضراء المرقعة بقطع قماش قاتمة ، وإلي قامته الهشة الهزيلة بكاملها .

صرخ “ياكوف” :

– مالك تتدخل في شئوني يا آكل الثوم ؟ دعني وشأني !

غضب ( اليهودي ) وصرخ بدوره :

– ولكن الزموا حدودكم من فضلكم ، وإلا ستطيرون من فوق السياج !

زعق “ياكوف” واندفع نحوه مهدداً بقبضتيه :

– أغرب عن وجهي .. ألا يمكن العيش بعيداً عن الوسخ !

مات “روتشيلد” في جلده من الرعب ، فقرفص مذهولاً وأخذ يطوح بيديه فوق رأسه كمن يحتمي من اللطمات ، ثم نهض وفر هارباً ، وأثناء جريه كان يقفز ويضرب كفاً بكف بينما ظهره الطويل الهزيل يرتعد . وفرح الأولاد لما حدث واندفعوا يركضون وراءه صائحين : ” يهودي ! يهودي ! ” . وجرت الكلاب أيضاً خلف الجميع وهي تنبح . انطلق أحد المارة في قهقهة عالية ، ثم أطلق صفارة فعلاً فزداد نباح الكلاب . ويبدو بعد ذلك أن أحد الكلاب عض روتشيلد ، فسُمِعَتْ صرخته المرعوبة من اليأس والفزع ..

راح “ياكوف” يتمشي في المراعي ، ثم اقترب من أطراف البلدة وأخذ يسير علي غير هدى .

فيما كان الأولاد يتصايحون : ” برونزا قادم ! برونزا قادم ! ” . وها هو النهر حيث طائر الشُنْقبُ يتراكض مسرعاً فوق الرمال ، والبط يزعق ، والشمس تلفح الوجوه ، وصفحة المياه تتلألأ بلمعان آخذ يؤذي العين . سار ياكوف في الطريق الضيق بمحاذاة ضفة النهر ، ولمح كيف خرجت سيدة ممتلئة حمراء الوجنتين من حوض الاستحمام . فراح يفكر فيها : ” ياه .. يا لك من كلب بحر ! “

وبعيداً عن حوض الاستحمام كان الأولاد يصطادون السمك بلحم السرطان . ولما لمحوه راحوا يصرخون بحنق ” برونزا ! برونزا ” . وها هي الصفصافة العريضة القديمة ذات التجويف الضخم وفوقها أعشاش الغربان . . . وفجأة نما في ذاكرة “ياكوف” طفل صغير بشعر أشقر كأنه حي يرزق ، بينما الصفصافة التي تحدثت عنها “مارفا” تقف خضراء ساكنة ، وحزينة .. فكم شاخت ! جلس تحتها وراح يتذكر … علي هذه الضفة ، حيث المرج الذي تغمره الآن مياه الفيضان ، كانت هناك آنئذ ، غابة من أشجار البتولا ، وعلي الجبال الجرداء كان يتراءى علي خط الأفق حرش الصنوبر العتيق الذي يلوح وقتذاك بزرقته ، بينما تسير في النهر قوارب التنزه . أما الآن فالأمر سيان ، وعلي الضفة الأخري تبدو الأرض جرداء إلا من شجرة بتولا واحدة فقط ، شابة وممشوقة كفتاة بكر . وفي النهر لا يوجد إلا البط والوز ، وليس هناك ما يشير إلي أنه في وقت من الأوقات كانت تسير قوارب للتنزه ، ويبدو أن الوز صار قليلاً علي عكس ما كان في الماضي . أغلق ياكوف عينيه ، فراحت تركض في مخيلته أسراب ضخمة هائلة متقابلة من الوز الأبيض .

لم يكن يدري كيف حدث أنه خلال الأربعين أو الخمسين سنة الأخيرة من حياته لم يذهب مرة واحدة إلي النهر . ولو حدث وذهب ، فهو لم يلقِ بالاً إليه أبداً ؟ إلا أن النهر مخلص وأمين ، وليس شحيحاً ووضيعاً . فكان من الممكن ممارسة صيد السمك فيه ، وبيعه للتجار والموظفين وصاحب البوفيه علي المحطة ، وبعد ذلك يمكن وضع النقود في البنك . ومن الممكن السباحة في قارب من ضيعة إلي ضيعة ، والعزف علي الكمان ، ليدفع الناس حينها ، من مختلف الطبقات ، نقوداً من أجل ذلك . وكان من الممكن تجريب قيادة قوارب التنزه ، وهذا أفضل من صناعة التوابيت . وفي النهاية كان من الممكن تربية الوز واصطياده ثم بيعه شتاءً في موسكو ، وعندئذ من الجائز تحصيل ما يقرب عشر روبلات في السنة من بيع الريش وحده . ولكنه غفل عن كل هذا ، ولم يفعل أي شيء منه في حينه ، ويا لها من خسارة ! ياه ، يا لها من خسارة ! ولو كانت كل هذه الأشياء معاً : صيد السمك والعزف علي الكمان وقيادة القوارب واصطياد الوز ، فأي رأس مال كان من الممكن تحقيقه ! ولكن لم يكن هناك أي شيء من ذلك حتى في المنام . ومرت الحياة دون جدوى ، بدون أية لذة ، ضاعت هباء وهدراً ، ولم يتبقَ منها شيء للمستقبل ، وإذا نظرت للوراء فهناك أيضاً لا يوجد سوى الانتكاسات والخسائر ، وتلك الفظائع التي تقشعر منها الأبدان . لماذا لا يستطيع الانسان أن يعيش بحيث لا توجد هذه الخسائر ؟ يا تري من أجل من قطعوا غابة البتولا وحرش الصنوبر ؟ ولماذا كف الكلأ عن العطاء ؟ و من أجل أي شيء يفعل الناس دائماً كل ما هو غير ضروري لهم ؟ من أجل ماذا أمضي ياكوف حياته كلها يتشاجر ويتخاصم ، يزعق ويصرخ ، يهدد بقيضتيه ، ويسئ إلي زوجته ؟ والآن يا تري ما هو الداعي ليُفزع ( اليهودي ) ويهينه ؟ لماذا يعرقل الناس ، بشكل عام ، بعضهم البعض عن الحياة ؟ فما أكثر الخسائر الفادحة ! وما أكثر الانتكاسات البشعة من جراء ذلك ! ولو لم يكن الحقد والضغينة لكان للناس من بعضهم البعض منافع عظيمة . في المساء وبالليل كان يتراءى له الطفل الصغير ، والصفصافة والسمك ، والصيد ، الوز ، و”مارفا” تشبه من جانب وجهها طائراً يهم بشرب الماء ، ووجه روتشيلد الممتقع المسكين ، وسحنات أخرى تميل عليه من جميع الاتجاهات مدمدمة بخسائره ، وراح يتقلب من جنب إلي جنب ، ونهض من فراشه ما يقرب الخمس مرات لكي يعزف علي الكمان .

في الصباح رفع جسده من الفراش بصعوبة بالغة ، وذهب إلي المستشفى . أمر له مكسيم نيكولايتش بوضع كمادة باردة علي رأسه ، وأعطاه مسحوقاً . ولكن ياكوف أدرك من ملامحه ومن نبره صوته أن الحالة سيئة ، ولن تنفع أية مساحيق . وبعد عودته إلي البيت أدرك أن هناك منفعة واحدة من الموت : فليست هناك ضرورة للأكل ، ولا للشرب ، ولا لتسديد الصدقات والإتاوات للكنيسة ، ولا الإساءة للناس ، وبما أن الإنسان سيرقد في القبر ، ليس عاماً واحداً وحسب ، وإنما مئات وآلاف السنين .. فلو حسبنا المنفعة لبدت عظيمة . ومن حياة الإنسان لا يأتي شيء سوى الخسارة ، أما من موته فتأتي الفائدة ، وهذه الفكرة بالطبع بديهية ، ورغم ذلك فكل هذا مؤلم ومرير : فلماذا يوجد في العالم ذلك النظام الغريب ، حيث الحياة التي توهب للإنسان مرة واحدة فقط تمر هكذا دون جدوى ؟

لم يكن مؤسفاً له أن يموت ، ولكن ما أن وقعت عيناه في البيت علي الكمان حتى انقبض قلبه ، وشعر بالأسى والأسف لكونه لن يستطيع أخذ الكمان معه إلي القبر ، وسيبقى الآن يتيماً ، وسوف يحدث معه نفس ما حدث مع غابة البتولا وحرش الصنوبر . كل شيء في هذا العالم قد ضاع ، وسوف يضيع علي الدوام ! خرج ياكوف من البيت وجلس قرب العتبة وهو يضم الكمان إلي صدره بقوة . وبينما راح يفكر في حياته الخاسرة التي ضاعت هدراً ، عزف علي الكمان دون أن يدري هو ذاته ماذا يعزف . فخرج العزف حزيناً ومؤثراً ، وانهمرت الدموع علي خديه . وكلما استغرق في التفكير ، كلما غنى الكمان بشكل أكثر حزناً .

أصدر مزلاج البيت الخارجي صريراً ، مرة ومرتين ، وظهر “روتشيلد” في الباحة الخارجية أمام البيت . قطع نصف المسافة بشجاعة ، وما إن رأي “ياكوف” حتى توقف فجأة وانكمش تماماً . وراح من رعبه يصنع بيديه تلك الإشارات التى كما لو كان يود بها أن يبين علي أصابعه كم الساعة الآن .

قال ياكوف بحنان داعياً إياه :

– تعال .. لا تخف .. تعال !

تطلع روتشيلد بارتياب . وبخوف شديد أخذ يقترب ، ثم توقف علي بعد ساجين منه . وقال مقرفصاً :

– أنتم .. أعملوا معروف ، لا تضربوني ! لقد أرسلوني جماعة “موسى اليتش” من جديد . قالوا لا تخف ، اذهب ثانية إلي “ياكوف” وقل له أن الأمر بدونه غير ممكن إطلاقاً ، فيوم الأربعاء عرس .. نعم .. نعم ! السيد شابوفالوف سيزوج ابنته لإنسان جيد .

وأضاف ( اليهودي ) مضيقاً عيناً واحدة :

– والعُرس سيكون رغيداً .. أو .. أوو .. !

فقال ياكوف متنفساً بصعوبة :

– لا أستطيع .. لقد مرضت يا أخي .

وراح يعزف من جديد والدموع تطفر من عينيه وتتساقط علي الكمان . وأخذ روتشيلد ينصت باهتمام مائلاً نحوه بجانبه وعاقداً ذراعيه علي صدره ، بينما التعبير المذعور الحائر علي وجهه يتحول شيئاً فشيئاً إلي شعور حزين مشفق ، وجحظت عيناه كأنما يعاني من إحساس بالإعجاب المضني . ثم تمتم ” وا ا ا ه ه ه ! ” وساحت دموعه ببطء علي خديه تقطر علي سترته الخضراء .

ظل “ياكوف” طوال النهار راقداً مغموماً . وبينما كان القس يحصل منه علي الاعتراف في المساء ، سأله عمّا إذا كان قد نسى الاعتراف بذنب ما مهم . وفيما راح ينشط ذاكرته الضعيفة ، تذكر من جديد وجه “مارفا” الناضج بالشقاء والصرخة المؤلمة ( لليهودي ) الذي عضه الكلب ، ثم قال بصوت لا يكاد يسمع :

– سلموا الكمان لروتشيلد .

فأجاب القس :

– حسناً .

والآن يتساءل الجميع في البلدة : من أين لـ “روتشيلد” بهذا الكمان الجيد ؟ اشتراه أم سرقه ، أو من الممكن أن يكون قد حصل عليه كرهن ..! أما هو فقد ترك الناي منذ زمن بعيد ، ويعزف حالياً علي الكمان فقط . ومن تحت قوسه تنساب أيضاً تلك الأنغام الحزينة كما كانت تنساب آنذاك من الناي . ولكنه عندما يحاول إعادة ما عزفه “ياكوف” وقتما كان جالسا علي العتبة ، كان يخرج منه شيء ما يوحي بالحزن والأسى ؛ بحيث ينخرط السامعون في البكاء رغماً عنهم ، فيما هو في نهاية اللحن يجحظ بعينيه متمتما : ” وا ا ا ه ه ه ! ” وإذا أثارت هذه الأغنية الجديدة الإعجاب في البلدة ، فقد راح الموظفون يدعون روتشيلد أثناء فترات الراحة ويرغمونه علي عزفها عشرات المرات ..

هامش :
*1 – الأرشين هو مقياس طول روسي قديم يساوي 711 سم – المترجم

*2 – لم يكتب تشيخوف كلمة يهودي بالروسية ، ولكنه استخدم الصفة الشائعة التي كانت تستخدم لتحقير اليهود في روسيا القيصرية ( جيد ) المأخوذة من الكلمة الأنجليزية ( Judas ) .

المترجم

كاتب روسي

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة