كوب شاي

436x328_30172_221453

      في وسط زحمة السوق الشعبي، وغبرته الخانقة، جَلَستُ قُبالتها أبيع الليمون، مع كثير فواكه، افتَرشُ جوال خيش قديم، أرطبه بالماء من حين لآخر. الشمس هنا تنتفض وتثور، وكأنها تنتقم من الأرض، استرق النظر إلى وجنتيها النضرتين، كليمونتين علقتا على منضدة زجاجية، من حين لآخر، ابتسم، أُمني النفس، فيخرجني من التمني صوت بائع متجول “للشعيرية”، ودون أن أسب الشعيرية، أهش الذباب عن أكوام المانجو، التي تجلس بجوار الليمون، تعاند ذبابتان خضرواتان أن تذهبا بعيدًا، يغضبني كفاحهما، أهم بضربهما، ولكن أتراجع خوفاً من أن أرديهما قتيلتين على قمة كوم مانجو، وتتلصص عين زبون حاقد، فيشهّر بي، لأول مرة أتنبه للشبه بين ذبابي الأخضر وزبائنها، نعم إنهم متشابهين، في كل شي، في ثقل الدم، التحليق، الإلتصاق، والثرثرة الماجنة. رمقتني بنظرة، وهي تُلمّع أحد أكواب الشاي، تمنيت لو صرت كوباً، كوباً!، قلبّت الفكرة في رأسي “إذاً ماذا سيكون نصيبك منها غير التنظيف، ومن ثم تحرقك بالماء الساخن!”، وجَدتُ الفكرة ساذجة، رفعت رأسي، هي الآن تحاول الابتسام، ماذا؟، لا إنها تتكلم مع أحدهم، ولكن لا يهم، فهاهو ثغرها يلمع لأفوز ببسمة، وهو الأهم.

– يا سيد الليمون … الكوم بكم؟.

      بسماجة سحلية جائعة، خرج صوت العجوز، ليخرجني من ترصدي المقدس، أوشكت أن أجيبها ساباً الليمون وجنائنه، لولا تذكري لثورة الشمس الحمقاء.

– الكوم بجنيه.

      أجبتها متعجلاً. قلبّت الأكوام كيفما شاءت، ومن ثَم مضت دون أن تشتري، لم ألاحقها بأي حيلة من تدابير بائعي الشوارع، فضاعت مناورتها بين زخم الترصد، تركتها وذهبت إلى جنتي، كان هناك ثمة ست زبائن يتحلقونها كسباع جائعة، رأيت النهم في عيونهم، وشبق طاغي على ابتساماتهم الضاحكة،”أولاد أم زقدة” رددت في سري، أملت عنقي لأواجهها، قامت تحمل كوبي شاي وكوب ماء، تأملت مشيتها، أردافها غنية كخريف ماطر، إهتز قلبي مع ارتجاف المؤخرة، الذي يترك على الردفين نسقاً بديعاً، يجعلهما مرتبطين مع الوسط – الاجرد كشجرة مجدّلة – بإشارة سحرية، رغم أنها كانت مدبرة، إلا أن ظهرها الأجوف أفشى أمر الصدر الوارف، وهي التي لم تكن غريبة عني!، مهرة قلبي غير المروّضة، لحظتُ أن الجميع يصوب نظره باتجاه واحد؛ اتجاه المهرة النافرة، اثنا عشر عينًا، “قتلتموها يا جِراء الله الضالة”. غابت وسط زحمة الباعة، فالتَفَتُ إلى بعض شأني، مُصلحاً ما أفسده التزاحم وعبث العجوز، هششت الذباب عن المانجو، رطّبت جوال الخيش، بعد أن أصلحت موضع قبعتي، المصنوعة من سعف الدليب، ومن ثَم صرخت ببضاعتي فجأة، عندما أدركت خطر الوقت، تجمع حولي نفر غفير ثم بدأت أكوامي تنقص، يا الله كم هو جميل طعم النقود، جنيهان، فجنيه، فأربعه، “سوف أصير تاجر جملة بهذه الطريقة”، همست لنفسي، أزاح جنون المال جنون الهوى جانباً، إلى أن انفض سامر المشترين، تاركين بضع أكوام متعجرفة، أخرجت محفظتي الجلدية من جيب البنطال، وضعتها بجوار كوب الشاي، بدأت بترتيب النقود تمهيداً لإدخالها بالمحفظة

– عايزة الكباية.

شدو بلبل يصل إلى مسمعي، رفعت رأسي، فكانت بوجهها الملائكي، شماء تقف في كامل بهائها، استفهمت ببله

– شنو؟!.

– عايزة كباية الشاي.

قالتها بغنج، لأجيب بتوسل ذليل

– ليه تاعب نفسك يا جميل.

في محاولة بائسة لاستيعاب الصدمة، واستجداء لغزل مرعوب، انفرجت الشفاه عن ابتسامة بريئة، رأيت برق لم يصعقني، لكنه جعلني أتحسس الكوب الذي كان عن يميني، لم أجده، التقطت محفظة النقود، فتشت، التفت مذعوراً

– هسي كانت هنا

دُرتُ حول نفسي، استرقتٰ النظر، سامقة هي كنخلة، وشامخة مثل إباء بدوي، استنفرت الهمة جائلاً، وبجدٍ بحثت عن الكوب المختفي، “تحولقت” بعد البسملة، دُرتُ سريعاً، نظرت في جميع الجهات، لم أجد الكوب، نظرت إليها معتذراً، وقلت:

– معليش، يظهر إنو في زول شالها، امشي وان شاء الله بعد شويه أنا بجيب ليك دستة كبابي.

غادرت وهي تضحك، وتسبح ربها البديع، ضاربة كف على كف، تأملتها قليلاً، قبل أن أهم بإدخال محفظتي في جيب البنطال، ولكن لسوء الحظ تحولت محفظتي إلى كوب شاي.

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان

أضف تعليقاً