الرئيسية / العدد الثامن عشر / كيف تصبح فيلسوفًا ؟

كيف تصبح فيلسوفًا ؟

10836475_683606915089887_266542664_n

“إيان ريفنزكروفت “

ترجمة : ” نيڤين عبد الرؤوف “

٢٤ أغسطس ٢٠١٤

 **

(١) نوع الملابس:

نادرًا ما ينشغل الفلاسفة بالملابس. قد تكون الملابس مصدرًا لمتعة جمالية، ولا يعارِض المتعةَ معارَضةً متزمتة سوى قليلٍ من الفلاسفة. (ربما يعترضون على المتع الباهظة الثمن، وقد يعترضون على إعلاء المتعة فوق قِيَم أخرى مثل العدل، لكنهم نادرًا ما ينتقدون المتع ذات التكلفة والقيمة المعقولَتيْن.) لكن بعض اختيارات الملابس تتعارض مع الروح الفلسفية؛ فالفلسفة في جوهرها عمل مناهِض للسلطوية، أو على الأقل لا تعترف إلا بسلطة العقل والحجة والدليل، أما سلطات الناس والدين والدولة فهي سلطات مشبوهة تنزع إلى المطالبة بالطاعة العمياء، وتتعارض مع المسعى الفلسفي. إنه من المدهش كثرة عدد الفلاسفة الذين انزعجوا من السلطات الدنيوية — وأزعجوها — بدءًا من سقراط مرورًا بأبيلار حتى راسل.

ومن الأشياء المثيرة للاهتمام بشأن السلطات والأنظمة السلطوية افتتانُها بالأزياء الموحَّدَة وباللعب بالملابس. بدءًا من أقمصة الفاشيين البنيَّة حتى أردية الأساقفة البنفسجية، تنجذب السلطات انجذابًا مهووسًا للترزيَّة وصانِعي القبعات. بعض الأزياء الموحَّدَة مثل قمصان لاعبي كرة القدم تحقِّق غرضًا عمليًّا، وهو تسهيل عملية اتباع أدوارٍ معينة. وبغض النظر عن تلك الحالات، إذا وجدتَ نفسك منجذبًا نحو ارتداء زيٍّ موحَّدٍ، أو الأسوأ من ذلك وهو فرض زيٍّ على الآخرين، فربما ينبغي لك إعادة النظر في مؤهلاتك الفلسفية.

 

(٢) نوع الطعام

يأكل الفلاسفة جميع أنواع الطعام، مثلهم مثل باقي البشر، لكنهم يميلون ميلًا قويًّا إلى النظام الغذائي النباتي، على الأقل ينطبق ذلك على الفلاسفة المعاصرين المتحدِّثي الإنجليزية. يرجع الجزء الأكبر من هذه الظاهرة إلى تأثير بيتر سينجر، الذي أقنع كثيرًا من الفلاسفة بأن تناوُلَ اللحم إثمٌ أخلاقي في العموم. لا ينكر سينجر أن تناول اللحم يجمع بين كونه مصدرًا للبروتين والمتعة على حدٍّ سواء، لكنه يصر على أن الثمن الذي تدفعه الحيوانات يَفُوق جميع المنافع التي نجنيها من تناول اللحوم؛ فما نَجْنِيه من منافع تَدْفَع هي ثَمَنَها من آلامها، وهذا أمر غير مقبول.

 

(٣) نوع الشراب

فلتحتسِ ما تحب. لكن لنكن صرحاء، يفضِّل الغالبية العظمى من الفلاسفة النبيذَ الأحمر والقهوة. يوجد تعبير لاتيني شهير يُنسَب للكاتب الروماني بلينيوس الأكبر يقول: «الحقيقة في الخمر.» وكان يعني أن الشخص المخمور من المرجح أن يكشف عن طبيعته الحقَّة. وقد سخر الفيلسوف الأسترالي جون بيجلو من هذه المقولة في إحدى المرات قائلًا: «الحقيقة في الكافيين.» وعن نفسي، أرى أن القهوة الجيِّدة تحفِّز قدراتي المعرفية.

 

(٤) القراءة

لكي تصبح فيلسوفًا بارعًا ستحتاج إلى قراءة العديد من الإنتاج الفلسفي الجيِّد. يقدِّر أنديرس إريكسون — الخبير في مجال كيفية التحوُّل إلى خبير — أن المرء في معظم المجالات يحتاج إلى ١٠ آلاف ساعة من المران كي يصبح خبيرًا حقيقيًّا. في الفلسفة، يتضمن المرانُ (على سبيل المثال لا الحصر) التفاعلَ مع عقولٍ فلسفيةٍ عظيمةٍ، وأفضل طريقة لتحقيق ذلك — والطريقة الوحيدة بالنسبة لكثيرٍ من الفلاسفة — هي قراءة كتبهم.

 

في بعض الأحيان يكمن ما تحتاج إلى معرفته في كتاب مملٍّ حقًّا، وفي تلك الحالة لا سبيل أمامك سوى أن تشمر عن ساعدَيْك وتسبر أغواره. لكن في معظم الوقت ستزداد استفادتك إذا اقتديت بعض الشيء بمَن يهوَون جمع الأشياء، أي أن تقرأ ما يأسر اهتمامك، فإذا وجدت أحد كتب الفلسفة مملًّا أو غير مهم، أو منخفض الجودة وحسب، اتركه وابحث عن كتاب أفضل.

 

على مدار العشرين عامًا الماضية، صدر عدد كبير من القواميس والكُتيبات والكتب التعليمية والإرشادية الفلسفية، وهي إصدارات مفيدة لأقصى درجة، وفي نفس الوقت ممتعة للغاية. إليك ثلاثة من الكتب المفضَّلة لديَّ: «دليل بلاكويل إلى فلسفة العقل» تحرير صامويل جوتينبلان، و«قاموس أوكسفورد الفلسفي لسايمون بلاكبرن»، و«موسوعة ستانفورد للفلسفة على الإنترنت» تحرير إدوارد زالتا. فَلْتمتِّع عقلك إذن.

 

(٥) التفكير

عندما كنتُ طالبًا جامعيًّا أخبروني أن الفلسفة تهتم بالحقيقة، والجمال، والخير. تدهشني هذه المقولة الآن نظرًا لعدم جدواها الذي يصل لحدِّ العبث؛ فهي تُقَيِّد نطاق الفلسفة أكثر مما ينبغي. قليلة هي المساعي الفكرية التي يعجز الفيلسوف عن دسِّ أنفه فيها والخروج بنتائج مثمرة، فجميع العلوم الطبيعية والاجتماعية توفِّر أرضًا خصبة للفلسفة، مثلها مثل الفنون والأدب والعلوم السياسية والتاريخ والشئون الجارية. إليك قائمة كتبٍ منتقاة نوعًا ما بناءً على قراءاتي الأخيرة المنتقاة أيضًا إلى حدٍّ ما: «الفكر في عالم عدائي» بقلم كيم ستيريلني، والذي يتفاعل فيه بنجاح مع علم الأحياء التطوري وعلم الإدراك، و«التقليد، والعنف الإعلامي، وحرية التعبير» وهي ورقة بحثية لسوزان هيرلي تضم بعض الأفكار الهامة حول أصول السلوك العنيف، و«العدالة الشعرية» بقلم مارثا نوسباوم، حيث تلفت الانتباه إلى وظيفة الأدب المعيارية، و«الإنسانية» بقلم جونثان جلوفر والذي يقدِّم نظرةً جديرةً بالاهتمام على التاريخ الأخلاقي للقرن العشرين.

 

من الفلاسفة مَن يرفضون التعامُل مع البحث العلمي المرتبط بمجال اهتمامهم، وتؤدي أحادية التركيز هذه (أو ضيق التفكير) إلى نتائج كوميدية في بعض الأحيان ومأساوية في أحيان أخرى، لكن نادرًا ما تتمخض عنها نتائج عميقة. من ناحية أخرى ينبهر بعض الفلاسفة بقوة العلم إلى حدِّ الاستهزاء بتخصُّصهم المعرفي؛ مما قد يؤدِّي كذلك إلى نتائج كوميدية أو مأساوية، ونادرًا ما يَصِل إلى شيء ذي قيمة يفوق العلم الذي يحاكيه.

 

كثيرًا ما أندهِش من قدرة فيلسوف بارع حقًّا على معالجة موضوع لم يُنظَر إليه من قبلُ على أنه موضوع صالح للتأمُّل الفلسفي، ويأتي مقال هاري فرانكفورت «عن الهراء» كمثال رائع على ذلك؛ فمن ناحية يستطيع المرء تناوُلَ هذا المقال باعتباره يقدِّم مناقشة متبحِّرة حول موضوع لم يتناوله أفلاطون، أو ميل، أو نيتشه. لكن من ناحية أخرى، يبرهن «عن الهراء» على أن شخصًا في ثِقَل فرانكفورت، في وسعه تلخيص التراث الفلسفي في بضعة آلاف كلمة؛ فرغم كل شيء يظل تاريخ الفلسفة هو تاريخ معارَضة الهراء. على سبيل المثال، كان لدى سقراط قدرة فائقة على تمييز الهراء، وكان قليلَ الصبر مع أصحابه، بعبارة أخرى كان يعمل بلا هوادة على فضح الحمقى الذين يقدِّمون أنفسهم باعتبارهم خبراء ثقات واسعي الاطلاع؛ إذ تروي إحدى القصص أن سقراط لم يُسلِّم بصحة نبوءة عرَّافة دلفي التي زعمت أنه أحكم البشر، إلا بعدما أدرك أن حكمته تكمن في تقديره لمدى جهله.

 

(٦) طريقة التفكير

في الفلسفة تستطيع التشبُّث بأي موقف يعجبك، طالما في وسعك دعمه بحجة ملائمة. ففي كتاب «حول تعددية العوالم» (١٩٨٦) دافَعَ الفيلسوفُ ديفيد لويس دفاعًا بارعًا عن وجهة النظر الخيالية — على ما يبدو — التي تزعم أن هذا العالَم ليس سوى واحدٍ من عوالم لا حصرَ لها. وعلاوة على ذلك دعم الفيلسوف بول تشيرشلاند ببراعةٍ وجهةَ النظر التي تزعم — على عكس المنطق السليم — أن الإنسان لا يؤمن بأي شيء أو يرغب في أي شيء؛ لأنه لا توجد على الإطلاق معتقدات ورغبات (دورية جورنال أوف فيلوسفي، العدد ٧٨).

 

وعلى عكس الصورة الشائعة، لا يقضي الفلاسفة وقتهم في الجلوس دون أي عمل سوى الثرثرة، بل إن إيجادَ حجة قوية يتطلَّبُ مجهودًا شاقًّا؛ فستحتاج إلى تدريبٍ كي تصبح ماهرًا في الحكم على مستوى دعم المقدمات المنطقية وخطوات البرهان للاستنتاج. والتعرُّف على حججِ فلاسفة الماضي العظماء طريقةٌ ممتازة للحصول على التدريب اللازم.

 

(٧) التحدُّث عن الفلسفة

ينصحنا الموسيقي البريطاني الرائع تيجندر سينج من فرقة كورنرشوب أن نشرب في صحة أصدقائنا وأعدائنا؛ لأن «كليهما يحافظ على حيوية القلب الشاب.» إن التفلسف مع أصدقائك وأعدائك لَطريقةٌ رائعة للحفاظ على الشباب، وقد فعل أفلاطون ذلك طوال حياته. (وعلى ما يبدو كان يحب المصارعة أيضًا.)

 

إن الحِجَاج — الاستنباط العقلاني لاستنتاجات من مقدمات منطقية — يلعب دورًا مركزيًّا في الفلسفة، لكن الحِجَاج بمعنى التبادُل المفعم بالحيوية للأفكار — سواء كان شفهيًّا أو كتابيًّا — يشيع جدًّا كذلك في الفلسفة. إن هذا التبادل المفعم بالحيوية في لبِّ الوصول إلى الحقيقة، ومَن يتجنَّبون الحقيقة ينزعون إلى تجنُّب الحِجَاج. من المثير للاهتمام ملاحظة عدد المرات التي اتُّهِمَ فيها كريستوفر هيتشنز وريتشارد داوكينز وغيرهما من المدافعين عن حركة الإلحاد الجديد بالعدوانية، في حين أنه من الأدق وصفهم بأنهم لا يخشون تقلُّبَ الحياة الفكرية. أما مَن يتهمونهم بالعدوانية، فهم — في رأيي — يَتُوقون لتجنُّب الامتحان العلني العسير لمعتقداتهم.

فَلْتستعِدَّ إذن لبعض الكلام القاسي، الذي لن يقضي عليك بل قد يرتقي بفهمك.

(٨) استرخِ واستمتِعْ

استمتِعْ بعملك؛ فقد اتُّهِمَ الفيلسوف الأمريكي العظيم جيري فودر ذات مرةٍ بأنه لا يحمل الفلسفة على محمل الجد؛ إذ كان يحب أن يمزح في كتاباته. وقد ردَّ على ذلك نافيًا التهمة زاعمًا أنه لا يحمل ذاته على محمل الجد ليس إلا، وهو ما يُعبِّر بالضبط عن هذه الفكرة.

(٩) الحياة والموت

كانت الفلسفة لتتلقَّى القليل من الاهتمام إن لم يكن بوسعها مساعدتنا على العيش دون خيانةِ قِيَمِنا والموت دون خوف. وتُعتبَر النماذج التي تقدِّمها الفلسفة إحدى الطرق التي تساعدنا بها على ذلك؛ فعلى سبيل المثال رفض ديوجين، وسقراط، وفولتير على نحوٍ مثيرٍ للإعجاب المساوَمةَ على قِيَمهم، ويُقال إن الإسكندر الأكبر — وهو القائد السكير والقاتل وداعية الحرب — سأل ديوجين الفيلسوف الكلبي عمَّا إذا كان بوسعه تقديم أي خدمة له، فردَّ ديوجين — الذي كان يستمتع بحمام شمس وقتها — قائلًا: «أرجو أن تبتعد؛ لأنك تحجب الشمس!»

مات العديد من الفلاسفة دون خوف، والنموذج القديم على ذلك هو سقراط الذي شرب شراب الشوكران السام في هدوء بعد أمسية من الحديث الفلسفي. ومن النماذج الحديثة يأتي الفيلسوف ديفيد هيوم الذي أَحْبَطَ اتزانُه في مواجهة الموت ناقدِيه الكهنوتيين وفضَحَهم.

 

أكافِح كلَّ يوم ضدَّ الحلول الوسط، وهو اختبار لا أنجح دومًا في اجتيازه (ولا تزال أمامي مواجهة جدية مع الموت)، لكن عبر توفير المران وتقديم النموذج على حدٍّ سواء، منحتني الفلسفةُ درجةً من الصلابة لم أكن لأتمتع بها في ظروف أخرى؛ فَلْتحاوِلْ تجربتها إذن.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً