الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: كيف تغير البرامج التلفزيونية الحديثة مشاهديها للأفضل؟

ترجمات خاصة: كيف تغير البرامج التلفزيونية الحديثة مشاهديها للأفضل؟

landscape-1512124205-netflix-dark-louis-hoffmann

ترجمة: عبير حماد

قبل حوالي خمس وعشرين سنة وتحديدًا في سنة 1993 كتب ديفيد فوستر والّس مقالًا بعنوان”من بين العديد:التلفاز والرواية في الولايات المتحدة” ممجدًا فيه فضائل و مهالك مشاهدة التلفاز (من بين كل الممارسات الأخرى). اعتبر والّس التلفاز في جوهره سطحيًا ولكنه قوة ثقافية وحضارية مهمة والتي عكست “ما نريد نحنُ الجمهور أن نرى أنفسنا عليه”.

بمعنى آخر اعتقد والّس أن التلفاز يدير مستوى معين من الرغبة و يسترضي المشاهدين عوضًا عن تحديهم بنفس الطريقة التي يتحداهم فيها الأدب الرفيع. وكتب يقول: “تكمن جاذبية التلفاز الكبرى في أنه يدمجك في المعروض ويشركك به دقيقة تلو الأخرى من غير أن تطلب ذلك”، كما ذكر قائمة من الخواص التي كان من المفترض أن يحوزها التلفاز: “الحبكات المبتذلة،المحادثات المُستبعدة،القرارات السطحية،التنازل الواهن عن المرتكزات الجديدة،تملق الإعلانات الحاد”.

هذا المقال كُتب قبل إصدار مسلسل (The Sopranos)،قبل مسلسل (Mad Men) و (House of Cards) وقبل ظهور الخدمات الترفيهية الشهيرة ذات الميزانيات الضخمة كمثل نتفليكس، وهكذا فإن عدة جوانب من مقال والّس تبدو عتيقة ومهجورة كرباط الرأس المتعرق الذي اعتاد ارتداءه.

في سنة 2017 صُنفت ثقافة البوب كنوع جاد من الفن: ربح بوب ديلان جائزة نوبل للآداب،و عرض التلفزيون مستوى متكلف ومعقد بعيد عن الكوميديا الميلودرامية التي كانت موجودة في أوائل التسعينات. (هناك بلا شك أمثلة على برامج تلفزيونية عظيمة من بداية العقود بما في ذلك (Twin Peaks) ولكن هذه الأعمال كانت استثناءات أثبتت القاعدة. فالمعيار العالي المستمر للبرامج اليوم لا يُشابه أي شيء مما وجد قبلًا).

يُعزى جزء من هذا التحول إلى التقنية المتطورة،التمويل المتزايد،و استعداد الشبكات والمنتجين للمخاطرة الإبداعية. ولكنه أيضًا بسبب تغير مواقفنا تجاه التلفاز ومعالم الثقافة. ففي عالم من الاتصال الدائم والتشتت الرقمي يُعد التلفاز الآن تأثيرًا ثقافيًا إيجابيًا بالمقارنة بمواقع التواصل الاجتماعي (والتي بغض النظر عن اسمها هي عادةً عازلة و متلصصة). أما التلفاز فعادةً ما يكون نشاطًا مشتركًا، و حتى لو كنت تشاهد لوحدك فإنك تركز على شيءٍ محدد بذاته، و هو ما على النقيض من مواقع التواصل الاجتماعي عادةً. وبالرغم من أن الإنترنت يقدم ثروة من المعلومات بوجود خمس عشرة صفحة مفتوحة فإنك ستكون أقل قابلية للتركيز على شيء واحد لفترة طويلة و كذلك تذكر ما كنت تقرأه.

لا مفاجأة إذًا في ظرف كهذا وجود دليل على أن مشاهدة كمية ملحوظة من البرامج التلفزيونية تساعد على التركيز.ففي دراسة نُشرت سنة 2015 أجرتها جيسكا بلاك و جينفير إل برانس (نُشرت في مجلة سيكولوجيا الجماليات:الإبداع والفنون) توصلت النتائج إلى أن مشاهدي الدراما الفائزة بالجوائز على التلفاز بكثرة وباستمرار عادةً ما يتحسن عندهم التركيز والتعاطف. و بناءً عليه فإن التلفاز لم يعد مجرد مرآة تعكس فقط “ما نود أن نراه” ولكنه وسط يعمل على مستوى مماثل من الأدب الخيالي، حيث يُمكن أن يكون فنيًا و تثقيفيًا.

على ضوء ذلك من الجدير الأخذ بعين الاعتبار الشعبية الحالية لدراما اللغات الأجنبية. فالقناة الرابعة والتر تقدم خدمة حصرية تبث محتوى بلغة أجنبية بناءً على الطلب،كما أن الشركات الأخرى بما في ذلك نتفليكس،أمازون برايم،سكاي أتلانتك و بي بي سي دمجت جمعيها بشكل متواصل أعمالًا أوروبية مستوردة في برامجها وعروضها السائدة.

كانت المسلسلات الأكثر تداولًا هذا الخريف مسلسلات ألمانية:بابليون برلين (Babylon Berlin) على سكاي أتلانتك ودارك (Dark) على نتفليكس. أما بابليون برلين فهو عرض سوداوي ماكر تدور أحداثه في جمهورية وييمار يتابع التحقيقيات و المعضلة الشخصية للمحقق جيرون راث في قسم الآداب في الشرطة. وهو مسلسل جريء أسلوبيًا بوجود الكثير من الإضاءات الصفراء الباهتة و مقاطعه الطويلة،و الامتداد البانورامي للشخصيات الذي وضعه محل مقارنة مع مسلسل ماد من. بينما مسلسل دارك من جهة أخرى هو مسلسل خارق شجاع غير مختلف عن مسلسل سترينجر ثنقز. كلا العرضين موجودة لتٌفرض على التلفاز،ولكن حقيقية أننا نشاهدها في المقام الأول تثير أسئلة حول كيفية تطورت مواقفنا وردة فعلنا تجاه الأشكال المختلفة من العروض على التلفزيون. فمنذ عشر سنوات مضت إذا أخبرت أحدًا أنك ستبقى في المنزل لتشاهد مسلسلًا أليمانيًا سودوايًا تدور أحداثه في جمهورية وييمار فإن الناس ستعتقد أنك مُدعٍ إلى أبعد حد، ولكنها الآن يُصنف كنشاط دارج وسائد. إذًا ما الذي حدث وما الذي يخبره هذا التغير عنّا؟

يُمكن تتبع النزعة للدراما الأجنبية مؤخرًا بالعودة مباشرةً إلى ما يُسمى بالسوداوية الإسكندنافية(1)، والأكثر تهمًا من بينها هو  ذا كلينيق (The Killing). فمسلسل الإثارة الدنماركي عرض على قناة بي بي سي 4 في يناير من سنة 2011 وكان نجاحًا فوريًا بالنسبة للجمهور البريطاني، ثم تبعه مباشرة مسلسل ذا بريدج (The Bridge) الذي بلغ عدد مشاهديه مليونين حين عرض ذلك الصيف. ودعم شعبية هذين المسلسين -حسب ما أعتقد- قرب إصدار النسخة الإنجليزية من فلم ديفيد فينشر ذا قير لوذ دراغون تاتو (The Girl With The Dragon Tattoo) بدانيل كريغ ذو اللحية المشذبة الذي كان في تلك الفترة يؤدي أيضًا دور بوند. غير أن نزعة وشيوعًا كان قد وُلد، واقتنع مفوضي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في هذا المجال أن جمهورهم أراد أن يُشاهد المزيد من المواد الأجنبية المستوردة.

وكانوا محقين فالأفلام (The Trapped)، (The Legacy)، (Modus) بضع أمثلة ناجحة عُرضت لاحقًا،و منذ تلك اللحظة أصبح عندنا رابطة من الأعمال الدرامية الأجنبية ليست فقط من اسكندافيا بل من كل أنحاء أوروبا بما في ذلك: ألمانيا في العمل (Deutschland 83)، ومن فرنسا مسلسل (The Returned). وكما صاغها جابريل تات في مقاله في الجارديان: “أصبحت الدراما الأجنبية من الضروريات للمشاهدين في المملكة المتحدة”.

هذا كان التاريخ الحديث للوضع ولكن اللافت للنظر حول ثبات شعبية الدراما الأجنبية هو ما يكشف مقدرتنا على التركيز خلال مشاهدة التلفاز أو لنقلها بدق أكبر رغبتنا واستعدادنا لتحدي أنفسنا.

إن مشاهدة برنامج بلغة أجنبية تجربة مختلفة عن مشاهدته بلغتك الأم، فهو يدرب جزء مختلف نوعًا ما من الدماغ وسواء كان مترجمًا أم مدبلجًا فإنه يتطلب قدرًا أكبر من التركيز. حيث تحتاج إلى نوعٍ من التكيف حال مشاهدتك:فإما أن تضبط عينيك حتى تتنقل سريعًا بين الصور والترجمة، أو وفي حال كان العمل مدبلجًا أن تجبر نفسك على تجاهل النشاز في اللغة والتحركات الشفاه غير المتزامنة مع الكلام.

ويقدم المسلسلان الألمانيان شرحًا مفيدًا لهذه الفكرة: فمسلسل دارك كان مدبلجًا أم بابليون برلين فمترجم. في المثال الأول أعطت الدبلجة المسلسل جودة واهنة وكأنها من عالم آخر والتي تزامنت جيدًا مع نبرة الدبلجة لتكون النتيجة:هناك إحساس بأن شيئًا ما خاطئ، بينما في حالة بابليون برلين فكان عليك دومًا أن تركز انتباهك على الحوال المعروض على الشاشة. هذا كله في حال لم تكن تجيد الألمانية،وهو أمر لا يمكنك فقط أن تسمعه كما لو أنه صوت في الخلفية، إنها تجربة غامرة تتطلب تركيزًا تامًا.

تسلط حقيقة أن الجمهور يضع نفسه في هذا النوع من التحدي طواعيةً الضوء على جانب إيجابي لعصر التلفاز. فعلى النقيض من رأي والّس السابق هذه البرامج تتضمن: “الدمج والإشراك والطلب”. إن التلفاز الآن وسط للتركيز بدلًا من التشتيت والدراما الأجنبية هي من كثفت هذا التركيز وعززته. وهي مهلة يمنحها السيرك الرقمي للمتابعين وطريقة كذلك لتوسعة أفق المشاهدين و فهم الأشكال الأخرى من العرض.

إن الأمر في نهاية المطاف ليس أن التلفاز تغير أو أن مواقفنا وردود أفعالنا نحوه تغيرت ولكنه غيرنا أيضًا بطريقة لربما ليست الطريقة التي خشينا منها قبلًا.

 

هوامش المترجم:

(1): السوداوية الإسكندنافية:نوع من أنواع الدراما الخيالية الإجرامية تُكتب من وجهة نظر الشرطة والأمن.

 

المصدر:

https://www.prospectmagazine.co.uk/arts-and-books/how-modern-television-is-changing-its-viewers-for-the-better

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .