لغة..أم

%d9%a2%d9%a0%d9%a1%d9%a5-%d9%a1%d9%a2-%d9%a1%d9%a9-%d9%a1%d9%a4-%d9%a4%d9%a9-%d9%a0%d9%a4-620x330

أمي كانت مثلي تمامًا.. أو أنني أنا من نضجت مماثلًا لنكهتها.. كانت مدرسة لغة انجليزية تعشق اللغة العربية.. تحب ترتيل القرآن وحفظه ودراسته وتجويده.. تحب الكتب الصفراء والبيضاء والحمراء وكل ألوان المخطوطات القديمة والجديدة.. تحب القصص.. الروايات.. الكتب العلمية والدينية والتراثية وكتب قراءة الكف والأشعار والنثر.. الواقع أنها أسمتني تيمنا بالشاعر اليهودي (السموءل بن عادياء).. لأنها كانت تحب أشعاره وأهازيجه المليئة بالحماس والقيم والمثل.. بالفروسية والحض على الكرم.. ونسبة لعشقها الكبير للغة العربية.. فقد كنت موعودًا بصورة أسبوعية بكتاب جديد، ذاك أنها كانت تحاول أن تحببني فيما تحب.. في القراءة، والتهام الكتب بنهم وشراهة.. كانت تشكل وجداني بمعارف أكبر من تجاربي.. من سني عمري الحدث.. كانت أمي تحاول أن تعرفني بكامل نكران الذات والكرم الفياض على أم أخرى.. أم لغة.. أو قل.. لغة أم..

إن تسمية اللغة الأم لم تأت من فراغ.. فحتى رؤيتنا للعالم من حولنا تحددها اللغة الأم.. هي أم حقًا لأنها تشكل ليس فقط وجداننا.. بل حتى أحلامنا.. أخلاقنا.. ثقافتنا وطريقة تصرفنا.. اللغة الأم تتدخل بشكل سافر في نمط حياتنا اليومية.. ونظرتنا للموجودات.. الطبيعة.. والآخرين من حولنا.. حتى أنشأت العلاقة بين الواقع واللغة جدلًا لم ولن ينتهي بين علماء اللغة حول من الذي يتحكم في الآخر؟ هل تشكل حقًا اللغة رؤيتنا للواقع.. أم أن الواقع هو من يشكل فهمنا للغة ؟

لذا.. وسواه.. أجد فكرة المقارنة بين لغة وأخرى من حيث البلاغة.. جمال النطق.. غنى المفردات.. الموسيقى.. أجدها فكرة موغلة في السطحية والجهل.. مثل السؤال الذي لن يستطيع أن يسأله أحد: من الأفضل ؟ أمي أم أمك ؟

لكل لغة خصائصها.. مكانتها في قلوب أبنائها.. ذكرياتها الخاصة التي نسقت أنغام أصواتهم.. وإحساسهم بإيقاع الحياة.. لا توجد لغة تعجز عن الإتيان بمعنى ما.. بطريقتها الخاصة.. مثل أنه لا توجد آلة موسيقية تعجز عن الإتيان بنغمة ما.. بطريقتها الخاصة أيضًا.. تحتاج فقط عازفًا حاذقًا.. يحتضنها كما احتضنته أمه صغيرًا.. يحنو عليها كما تحنو عليه.. يفهمها كما تفهمه.. ثم يبثها آلامه وأشجانه.. لتهديه أجمل ألحانها كلمات عصية على الترجمة.

الحديث عن اللغة العربية لدي يتعدى بكثير حدود النحو والصرف والبلاغة.. بحور الشعر وتفاعيله ومفاعلاته الحرفية.. تاريخها لدي يتعدى حدود سيبويه والخليل بن أحمد وعبد الله الطيب.. إن سألتني عنها.. سأحدثك عن أحلامي التي تحدثت إلى بالحروف العربية.. عن آلامي التي قصصتها بالحروف العربية.. عن أفراحي التي عشتها بالحروف العربية.. عن وجداني الذي شكلته الحروف العربية.. عن أمي التي لا زلت أذكر ابتسامتها وهي تخرج من بين طيات ثيابها كتاب الأسبوع.. وتلوح به أمام وجهي وأنا أتقافز فرحًا بما أحضرت لي.. عن احتفاء أخوتي بي حينما أكملت أول كتاب (للكبار).. عقب أسابيع من تشجيعهم لي على إكماله.. لطالما أخبروني أن الكتاب الأول قد يكون صعبًا.. لكنه سيكون فاتحة لكتب أعمق.. أجمل.. بوابة مطلة على عالم من السحر والجمال والمعارف التي لا مجال لحيازتها سوى بالقراءة.. سأحدثك عن الأستاذ (معتصم).. الأستاذ الذي علمني القراءة والكتابة في مدرسة العرضة الجنوب.. الحنون المبتسم دومًا.. ذو الهامة العالية والصوت الجهوري.. العبقري الذي كان يصنع من كل درس وحصة مناسبة لفرح.. للعب.. للغناء والتصفيق الطفولي المجنون.. عن ساعديه عائدًا من الحصة الثانية (ما قبل الإفطار) تحملان في العادة اثنين من تلاميذه الصغار.. متعلقين بهما حنانًا وغبطة.. سأحدثك عن طفولتي بكامل تفاصيلها.. ثم عن أولى كلمات الغزل التي نطقتها في حضرة حبيبتي الأولى.. عن لحظات الصمت التي أحادث فيها نفسي.. عن أحلام يقظتي ونومي.. ثم لن أتوقف.. تلك أمي.. فمن ينكر فضل أمه ؟ ومن يحد امتدادها ببحور الخاطر ببعد واحد ؟

عن السموءل شمس الدين

mm
فتاة المخمل .. زفت إلي في ليل بلا ضجيج.. تزهو على قريناتها بيدين خاليتين من النقوش.. وجبين بالغ السمرة.. تيممت كفيها بلا استخارة.. وتقدمتها للصلاة بوضوء منقوض . كاتب من السودان

أضف تعليقاً