الرئيسية / احدث التدوينات / للوطنِ أنبياءٌ يُولدون !

للوطنِ أنبياءٌ يُولدون !

41206_138056162904308_111098878933370_188219_7273120_n

بقلم :  مُنى محمد صالح

 

الإهداء.. إلى:

(ضحايا غرقى جزيرة لامبيدوزا، ولتراتيل القادمين، أغنية بعبق الأرض)

 

 

يا أيها الوطن المُسيٍج بالنشيج،

تبّت يد الريح،

وانسل صداها المالح..

عن بضعةِ أسئلةٌ..

أودعناها.. قِبلة السماء:

هذه الحياة لمن !!؟

ولمن يتسع هذا الأزرق فوقنا ؟

ليخيم تحتنا قتام الرماد.. زبدًا..،يبدّله البحر،

حصىً .. من الرملِ،

يرتّب أرصفة المرافئ..

كفنًا لغرقى موتانا،

أكفًا مُشرعةً..

يحملها غيابنا الأبدي..

أغنيات يتيمة،

يرطبُ دمعها الساخن

تمتماتٌ دافئات..

ترسلها أمهاتنا الصابرات..

منذ الأزلِ

ولا أفق يُظللُ قبر الشهيد !

سلامٌ عليك يا وطني

سلامٌ .. يغطي جحيم الغياب،

ويُدفئ شتات غربتنا الصنوبري ..

يا الله ..

آتِناَ مِنْ لدنكَ رحمةً

لنمنح موتانا،

شهدائنا الأحياء،

وتلك العيون الصغيرة

ملائكة الرحمن،

كفنًا يستر عُرى الروح المتعبة وأغنية تشبهنا !

آهٍ .. يا وطن..

يحلُّ سلامًا علينا

يدثرنا أفق يشبهك،

تجمعنا ألوان الطيف

توحدنا..

سماءُ واحدة،

أرضٌ واحدة،

وتفرقنا، هويات !

لتضيع أبجديات التراتيل القديمة، أساطير الأغنيات،

وتصير أسماؤنا نشيدُ..

يفضح حبنا للأرضِ،

ووجهًا عاريًا لكفِ الريح !

هذه الحياة لمن !؟

ولمن يتسع هذا الأزرق فوقنا..؟

ليخيم تحتنا قتام الرماد

أيُّ سقم هذا !

يتصاعد مُرًا

بطعمه الصنوبري

ونحن الموزعون،

في المنافي،

ما زلنا ننتظر..

ولأكثرِ من عشرين عجاف

قرارات النُخب الكرام،

وما تبقى من الحساباتِ المفروضة

بفكِ صِكوك الحساب،

ودفعِ فواتير الإقامة،

وشارات المرور،

لنعبر أبواب المدن الحزينة،

وحصار العسكر

تغرقنا بحارٌ ..

ورمالٌ بيضاء.. بيضاء،

تُفتّفت فجيعتنا !

تلفظنا أصابع الموت نحو التيه،

لا فرحٌ يعبق في الأرض،

ولا اسم يلتحف أناشيد الصلوات.. وزماننا المنسي..

يرسم دهشته،

ويتساقط ظلًا عاريًا

ينبلجُ من يبابِ الصحراء

يغسله نحيب المطر

والفرح المُطفأ،

في عيون موتانا ..

بحثًا عن شوارعٍ..

لا تسعها خُطانا

وعن مدنٍ،

لا تشبهنا..

ترسم على ترابها الرملي..

اسمًا يحمل نقش موتانا !

آهٍ.. يا وطني،

ويا وجعي،

ويا حزني،

أنا خجلى.. أنا خجلى

من عيون بلادي الجميلة،

وشوارع قريتي المغسولة..

بالحزنِ..

بالمطرِ..

وبوجهِ أمي،

المسالم الصبوح

وصوت أبى،

يأتي يقينًا راسخًا

من خلف الحقل

يرتلُ سورة الرحمن،

يغطى غيابنا الأبدي

على كفنٍ عارٍ

إلا من أفقك !..

أغنيك..

يا وطني،

وأنت الأجملُ فينا

اُغنيك،

نبوءةً للأمنيات القادمات،

قرنفلةً تعطّرُ يباب الصحراء..

تغطي عُرينا الفاضح،

تضّمدُ جُرحنا المُثخن ..

بألفِ سيزيفٍ قادم

من *غولاغِ ساوا

قتام الرماد،

زنزانة الوطن المنفى!

يا أيها الوطن المُبجّل فينا

تتبعنا تراتيل القادمين،

أينما ننزحُ راحلين..

نحو منفىً آخر،

بحرٌ آخر،

ويبابٌ يتوّج كفن الرحيل،

وصدى الأمنيات البعيدة،

لامِ شهيدٍ..

تنشد من ضلوعها،

صلوات الفجر..

في الصباحاتِ الباردة

تودّع تميمتُها الأخيرة..

وتطبعها قُبلة على وجه الحياة

وخاصرة البحرُ

تُعجّلُ بانحسار كاسرٍ

لتفرغ ودائعها !

لا وقت للحزنِ الآن

يا أم الشهداء ..

تصاعدت أصوات

تميمتُها الأخيرة من عمق البحرِ،

تحملُ عشبًا وطين

وبرقًا يحتويه السكون..

لا وقت للحزنِ الآن..

يا أم الشهداء

افتحي مسبحة الدعوات الصالحات،

ارفعي كفيكِ الطيبتين إلى السماء..

يا ألله..

آتناَ مِنْ لُدنَك رحمةً

رتلي عفوَك يا أم الشهداء،

هي ما تبقى..

من أغنيات

ومن صلوات

مُعجِزةٌ إلهية تحرسنا،

وبضعة آياتٌ من سورةِ الرحمن

تضيء لنا قبر شهيدٌ قادم..

يُولد من رحم محنتنا

وللوطنِ أنبياءٌ يُولدون !

وللوطنِ أنبياءٌ يُولدون !

ـــــــــــــ

* الغولاغ : معسكرات السخرة المعروفة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة